المساكنة عند العرب: علاقة جنسية ام زواج التفافي

منشور 18 آذار / مارس 2007 - 09:51

تقرير محمد عمر: قيل كلام كثير عن تأثيرات العولمة وعن البطالة والفقر بين الشباب في المجتمع العربي، وكل ما قيل اما اسفا على قيم ثقافية او رسمته لغة الارقام. ولكن للارقام هذه جوهرا اجتماعيا انعكس في نمط حياة كامل، فمن العنوسة الى العزوف عن الزواج الى الزواج العرفي وزواج المسيار و"زواج فرندز" واخيرا "المساكنة".

الحال، ان تأثيرات العولمة الثقافية والاعلامية بدأت تترك مفعولها على القيم والعادات في الوطن العربي، ولكن ما كان لهذه العولمة ان تترك كل هذا الاثر لولا ان الوضع الاقتصادي مهد الطريق لها.

قبل سنين شهد الوطن العربي نقاشا كبيرا حول ظواهر تعدد اشكال الزواج لم تكن شبه معروفة بالسابق فقد انتشرت في مجتمعات عربية وبخاصة في الخليج العربي ما عرف بزواج المسيار ثم الزواج العرفي واخيرا فتوى الشيخ اليمني الزنداني عن "الزواج فرندز" وهو في جوهره لا يختلف كثيرا عن الزواج العرفي او المسيار من حيث عدم التزام الرجل منزل الزوجية او تحمله مسؤولية العالة وتجهيز منزل الزوجين.

غير ان الظاهرة الجديدة التي بدأت في الانتشار في العالم العربي او زاد الحديث عنها وتحديدا على شبكة الانترنت وبين "البلوغرز" العرب هي ظاهرة المساكنة.

يعرف علم الاجتماع المساكنة على انها "عبارة عن رجل وامرأة يعيشان مع بعضهما البعض خارج إطار مؤسسة الزواج بما فيها من التزامات، يعيشان كزوجين في معيشتهما ديمومة ولكنها خارج الالتزامات والحدود".

المساكنة عربيا

لا يمكن معرفة حجم انتشار ظاهرة المساكنة في الوطن العربي، فالمجتمع المحافظ وان كان يتقبل بعض الظواهر الا انه كالنعامة يدفن راسه في الرمل ولا يريد التحدث عنها، اذ ان الكثير من النقاش المنتشر على شبكة الانترنت وبين البلوغرز العرب يؤشر بما لا يدع مجالا للشك الى انتشار هذه الظاهرة عربيا، غير ان أي بلد عربي لا يعترف بهذه الظاهرة الاجتماعية بل ان بعض هذه البلدان تحرم مثل هذه العلاقة وتجرمها. لذلك من العسير ايجاد احصاءات دقيقة او غير دقيقة عن مدى توسع الظاهرة.

بيد ان بعض المواد والمقالات والنقاشات واستطلاعات الرأي على الانترنت تعطي مؤشرات ليس على انتشارها وحسب بل وعلى انها باتت ظاهرة تفرض نفسها على النقاش وعلى الاعلام.

لبنان: ظاهرة تفرض نفسها

ففي لبنان حيث المجتمع اللبناني اكثر انفتاحا اجيرت احصائيات حول الظاهرة بعد لاحظت مؤسسات اجتماعية واساتذة جامعات انتشار "المساكنة" بين الشبان اللبنانيين او بين الشبان اللبنانيين والاجانب.

واظهرت نتيجة الإحصائيات كالتالي:

1 ـ هل تعرف أشخاص غير متزوجين يعيشون مع بعضهم تحت سقف واحد؟

78% لانعرف هكذا أشخاص.

28% أجل.

2 ـ هل أنتَ أو أنتِ مع فكرة اثنين غير متزوجين ويعيشون تحت سقف واحد؟

82% أنا ضد الفكرة.

18% أنا مع الفكرة.

3 ـ هل المساكنة غير الشرعية مناقضة للزواج أو ممهدة له؟

75% مناقضة للزواج.

25% ممهدة للزواج.

4 ـ المساكنة هل تقوي علاقة الثنائي أو تحطم فكرة العائلة؟

77% تحطم فكرة العائلة.

23% توطد علاقة الثنائي.

5 ـ ما هي الأسباب التي تجعل الناس يكونون ضد الفكرة؟

48% لأسباب أخلاقية.

46% لأسباب دينية.

12% لأسباب عائلية.

كتاب حول تنظيم الظاهرة

على أي حال، فان النتائج تظهر ان نسبة لا باس بها من اللبنانيين بدأت تعتاد الفكرة او تقبل بها، وامام هذا الوضع وانفتاح النقاش حول هذه الظاهرة فقد أصدر الشيخ اللبناني خليل الدحداح،استاذ القانون، كتابا عن الظاهرة يقترح فيه وضع قانون خاص بها.

وفي كتابه يعرف الشيخ الدحداح المساكنة وطبيعتها، ويعدد ضمن كتابه تسمياتها الكثيرة في اللغات العربية والاجنبية خاصة تلك التسميات العائدة للمراجع الفرنسية (حيث تم اعتماد المساكنة بشكل شائع في فرنسا) والانكليزية والالمانية.

وبحسب صحيفة "الأنوار" اللبنانية، اغنى المؤلف كتابه بأسلوب قانوني دقيق، فأجرى في القسم الاول ايضاً من كتابه مقارنات عديدة بين المساكنة والزواج لدى الطوائف المسيحية وغيرها، ومقارنة الزواج العرفي بالمساكنة، وزواج المسيار، ومقارنة الزيجات القديمة العهد بالمساكنة خاتماً هذا الباب من المقارنات والمفارقات بالحالات والاوضاع غير القانونية الناجمة عن هذه المساكنة.

وبخصوص مقارنة الزواج الديني المسيحي بالمساكنة، اعتبر المؤلف أنه من غير الممكن أن نقارن المساكنة بكل مذهب من الطوائف المسيحية نظراً لكثرتها. أما مقارنة الزواج الاسلامي بالمساكنة فلقد أقر الإسلام بمبدأ الاحتفالية في الزواج وشهره امام الكافة واعتباره عقداً دينياً يستلزم توفر عدة شروط شكلية وجوهرية وفيه الموانع المعهودة.

ويخلص القسم الاول من الكتاب الى تعريف المساكنة وانواعها وتحليل اركانها حسب القانون الفرنسي وهي الاتحاد (Union) الذي يعني التراضي بين شخصين على الارتباط معاً لتحمل اعباء الحياة وأمر الواقع (Etat De Fait) أي أن المساكنة هي علاقة خارج نطاق عقد الزواج المعترف به والمنظم قانوناً.

ويضيف "المساكنة اتحاد حياتي جسدي ومعنوي غير خاضع في انشائه وقيامه واثباته وانحلاله لصيغ شكلية ملزمة او لنظام محدد وهو مبني على ارتباط ارادي بين رجل وامرأة يتجدد رضاهما المشترك في العيش معا بشكل مستمر ومستقر ولا تخضع حرية المرتبطين به في تدبير شؤونهما الا لنطاق النظام العام والاحكام القانونية الآمرة ضمن المفهوم الحديث والمتطور مراعاة للطابع الاستثنائي والخاص لهذا العقد".

وفي نهاية بحثه الواسع عن موضوع المساكنة، اقترح المؤلف قانوناً لها الى جانب الفقه والاجتهاد والافكار والمراجع القانونية القيمة التي اوردها، لكي يكون هذا القانون الحامي والرادع للذين يسلكون هذا النمط من الحياة، وهو يتألف من اثنتين وسبعين مادة، بحيث يستحق ان يعتبر بمثابة (مشروع قانون للمساكنة) يقتضي احالته وفقاً للاصول الى المجلس النيابي ليتخذ الصيغة التنفيذية بعد نشره في الجريدة الرسمية.

وتشير صحيفة "اللواء" أخيرا إلى أن الغرب "يعرف بالمساكنة (Concubinage)وهي عبارة مرادفة لكلمة الخليل او الخليلة، فشرع الشباب اللبناني يطبق قواعدها ولكن ضمن اسلوب يطغى عليه التخفي وراء ستار الصداقة أو الخطوبة تهرباً من البوح ان العلاقة التي تربطه بالآخر تخضع للمساكنة".

المساكنة في سوريا: بداية

اما في سوريا، وهي لا تقل كثيرا في انفتاحها الاجتماعي عن لبنان فان هذه الظاهرة وبحسب صحيفة "الثورة" بدات في الانتشار في المجتمع السوري.

وتورد الصحيفة في مقال لها نشر مؤخرا ما ترويه "كاترين"،المفترض انها مواطنة سورية تعيش مع صديق لها، في شرح مسألة المساكنة. وتعتبرها صراعاً بين قطبين( عادات وتقاليد المجتمع من جهة والرغبة من جهة أخرى، والمساكنة هي ثمرة انتصار الرغبة وحول نظرة المجتمع ودرجة الرقابة التي يفرضها على هذا النوع من الارتباط يعتبر فادي- شريكها- أن المساكنة من هذه الناحية(هي لعبة ذكاء، أي يجب أن تصنع شيئاً من التوازن بين ما تريده أنت وما يريده ا لمجتمع، ولا يتردد في القول إن الجسر الذي يصل بين هذين الأمرين هو الكذب.‏

واما خالد فيقول للصحيفة حول مدى الارتباط بين المساكنة والزواج أنهما- هو وشريكته- لا يعتبران أن فترة المساكنة هي مرحلة ما قبل الزواج( نحن نعيش لحظة حب مكتملة الجوانب وهذا هو الأمر المهم( تضيف نغم) لا نريد أن نتعامل مع الزواج على أنه ضريبة يجب أن ندفعها لأننا اخترنا المساكنة( ثم تتابع) أما إذا توفرت الظروف المناسبة، وكان لدينا رغبة حقيقية في الزواج، فلا مشكلة بين قدرة الفرد ونفاق المجتمع.‏

لا يريد مرح وسامر أن ينظرا إلى تجربتهما على اعتبار أنها تمرد على قوانين المجتمع وخرق لها، و يتابع سامر(كل ما في الأمر أننا نريد أن نعيش بحرية، وعلى طريقتنا( لكن مرح تضيف بسخرية لاذعة) منذ فترة طويلة ترتبط كلمة المجتمع في ذهني بكلمة النفاق وقبل أن تسترسل يضع سامر النقاط على حروف شريكته ويعتبر( أن رفض المجتمع للمساكنة لا يأتي في سياق الدفاع عن أخلاق معينة، وإنما بسبب عدم قدرة الكثير ممن يرفضون على تحقيق هذا الأمر، لأسباب تتعلق بظروفهم ومستوى وعيهم) رشا التي لم تعش تجربة المساكنة، تتفق مع سامر وتقول( جميعنا كشباب لدينا رغبة جنسية، وجمعينا بالطبع يسعى إلى إشباعها، ولكن تختلف الطرق وهنا تميز رشا بين طرائق سوية ومن بينها المساكنة وأخرى مشوّّهة وتعتبر أن درجة الإثارة التي نلاحظها في كل مكان ماهي إلا تعبير مشوه عن حالة من حالات تفريغ الكبت الجنسي لدى الفتيات، كما أن الانتشار السرطاني لبيوت الدعارة والنوادي الليلية هو شكل من أشكال الانحطاط في التعامل مع مسألة الجنس لدى الرجال).‏

حالات أخرى.. حلول أخرى‏

مع باسل ولميس نصادف حالة خاصة، فهما خطيبان منذ سنة ونصف، وبين التشرد والمدينة الجامعية قضيا سنة كاملة، إلى أن اقترح باسل موضوع السكن المشترك و... تم الأمر. تقول لميس( ترددت جداً في البداية لكني وبعد القليل من التفكير والكثير من التحطيم لمحرمات كانت حتى الأمس مقدسة، قبلت بالأمر على اعتبار أن زواجنا قد أصبح على الأبواب) أما بالنسبة لباسل فلم يكن الأمر صعباً لهذه الدرجة) فأنا أْعيش حالة رائعة من الطمأنينة، وأعتقد أن السكن مع لميس قد ساهم إلى حد كبير في وصولي إلى هذه الحالة) وعندما توجه إليهما سؤالاً يتعلق بالخشية من عدم اكتمال( الحلو) يأتي الجواب على شكل عناق خجول يوحي بثقة عمياء.‏

هذه الثقة كانت أكثر تماسكاً لدى رولا وحسين، لسبب يعتبرانه بسيطاً ألا وهو حذف الجنس( الكامل) من علاقتهما، وتختصر رولا هذا الأمر إلى معادلة رياضية هي: مساكنة ناقص جنس يساوي علاقة متوازنة وتتابع( ليس الجنس شرطاً ضرورياً في المساكنة، فالهدف من المساكنة هو معرفة أكثر عمقاً بالشريك الذي من المفترض أن تكمل معه مشوار العمر وبدوره يتحدث حسين عن درجة إشباع معينة توفرها له المساكنة ويعلل الأمر قائلاً إن المجتمع الشرقي قد أقام فصلاً مرعباً بين الجنسين أما في حالتنا فنحن نكسر هذه القاعدة، وهذا في الحقيقة يحقق لنا إشباعاًًًًً، اعترف أنه ليس كاملاً، ولكنه إشباع على أية حال).‏

وفي النهاية تقول الصحيفة بما يشبه التنصل من مسوليتها الاخلاقية "ما أوردناه هنا هي حالات محدودة في مجتمع ربما تكون بداية".

المساكنة اردنيا: فكرة!

اما في الاردن ، البلد الذي كان يعتبر الى وقت قريب من اكثر البلدان العربية محافظة فقد بدأ يعرف انتشار هذه الظاهرة، ووفقا لتقرير نقلته صحيفة "القدس العربي" اكد الباحث الاجتماعي الاردني حازم تادرس بانه قد انتشرت في صفوف الطلاب تحديدا موضات متعددة من الارتباطات المجانية والحرة مثل زواج الأصدقاء المنتشر بكثافة في الدول الأوروبية".

وتقول الصحيفة ان "آخر صرعات الزواج التي تحدثت عنها تقارير محلية جريئة في عمان هو زواج المساكنة الذي لا ينطوي علي اي عقد او توافق اجتماعي انما علي مبدأ العيش معا وتحت نفس السقف بين شاب وفتاة وبدون روابط محددة".

وتؤكد الصحيفة ان "زواج المساكنة ينتشر ايضا في صفوف الطلبة خصوصا المغتربين والمغتربات منهم حيث لا توجد عائلات ولا مرجعيات وحيث يظهر الطلبة من الجنسين للبحث عن مكان للسكن قريب من الجامعات العامة والخاصة، واحدي الصحف اليومية فاجأت قبل يومين قراءها بتحقـــيق خاص بانتشار زواج المساكنة في البلاد حيث اعـــترف أحد الطلبة بانه يقيم مع زميلة له في شقـــة واحــدة وبدون زواج بعد ان وجدا ان هذه هي الطريقة الوحيدة أمامهما للتقارب ولحماية علاقة الحب بينهما.

واعترف زوج مساكنة آخر بانه سيتزوج صديقته التي يعيش معها في عمان بعد التخرج من الجامعة فيما شددت احدي الفتيات علي انها تؤيد زواج المساكنة بشرط ان يتحمل الطرفان مسؤولية الموقف.

والملاحظ أن نسب انصار الانفتاح في وسط المجتمع الأردني تتزايد.

وتؤكد هذه الانطباعات التوجهات الليبرالية والمتحررة في موضوعات بعض الصحف التي بدأت تناقش القضايا والملفات الجنسية بشكل أكثر جرأة، فبين صفحات صحف جديدة ومرخص لها رسميا تناقش بعض المسائل الجنسية التي كانت تدخل في باب المحرمات مثل طبيعة العلاقات الجنسية بين الأزواج في الأردن ومثل صرعات انماط الزواجات الرائجة عبر الانترنت.

مقبول ام غير مقبول؟؟

على ان فكرة المساكنة لا تزال تحظى بمعارضة واضحة حتى في صفوف اليسارين العرب ومن الملفت للنظر ان موقعا يحمل اسم "يساري" اجرى استطلاعلا للراي حول المساكنة كانت نتائجه ان 63 في المئة رفضوا الفكرة مقابل 23 في المئة قبلوا بها.

ويقول احد الرافضين للفكرة على منتدى الموقع "بأن مجتمعاتنا ليست جاهزة لتبني مثل هذا طريقة للتعايش . انا لا أخذ الزواج من ناحية دين و قضاء رغبة جنسية أو غيرة ، لكن الزواج هو " الرابط " الوحيد الذي تعترف به مجتمعاتنا العربية ،ولا تكون المساكنة بديلا .. بل تكون خيارا اصلا"!

فيما يقول مشارك اخر " المساكنة بدل الزواج أمر يحتاج الى وعي وفكر و تعفف ملائكي من الطرفين وهذا الأمر مستحيل ، في الغرب الهدف من المساكنة هو التنصل من المسؤولية الأسرية فالمسألة ليست مسألة تقدمية ورجعية".

ويقول ثالث حول سؤال هل تؤد المساكنة " سؤال جدا...اكثر من رائع.ويحتاج لاجابه. لم يستطع الغرب رغم اباحته هذه العلاقه ان يجيب عليها...وانا شخصيا..عشت هذه العلاقة عدة مرات..في عدة اماكن من العالم...وهربت منها لانها سرعان ما تتحول الى زواج بدون زواج..وقصة الزواج وعدمه بهكذا علاقات هي نفسيه اكثر منها ورقيه او توثيقيه..او دينية او مجتمعيه..لانها بالنهايه كلمه بين اثنين..والباقي هو توثيق لهذه العلاقة".

محمد عمر

[email protected]

مواضيع ممكن أن تعجبك