المُعَلِّمُ المُربِّي

تاريخ النشر: 05 سبتمبر 2022 - 03:44 GMT
د- محمد عناد
د- محمد عناد

  قالَ أَحمد شَوقي يمدَحُ المُعلِّمَ:
قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفَّهِ التَّبْجيلَا
        كادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكونَ رَسولَا


أَعلمتَ أَشْرَفَ أَوْ أَجَلَّ مِنَ الذي
        يَبْني ويُنْشئُ أَنْفُسًا وعُقولَا

    بيتانِ منَ الشِّعرِ قليلا الألفاظِ، غزيرا المعاني، يُظهران حقَّ المعلِّمِ على المُتَعَلِّمِ، وهو حقٌّ مشهورٌ معروفٌ، لا يغفُلُ عنه أحَدٌ؛ لكنْ هلْ نعْرِفُ حَقَّ المُتَعَلِّمِ على المُعلِّمِ؟ وهل يَقتصرُ حقُّهُ على أخذِ العِلْمِ فَحَسْب؟
    لا شكَّ أنَّ حقَّ المتعلِّمِ على المُعلِّمِ أكبر وأجلُّ من تلقِّي العُلوم المعرفيَّة، ولا يقفُ الأمرُ عنْدَ حدودِ التَّلقين والحفْظِ؛ بل يجبُ أن يُنمِّيَ فيه القُدْرَةَ على الاستنباط والتَّفكير؛ لأنَّ الاستنباطَ هو السَّبيل المؤدِّي إلى الإبداعِ والابتكارِ، كما ينبغي على المُعَلِّمِ أن يُراعيَ المستوى العقلي والإدراكي للمتعلِّمِ، وأنْ ينزِلَ إلى مستواه؛ ليتمكَّنَ من إفهامِهِ المادَّة العلميَّة التي يسعى إلى إيصالها إلَيْهِ، وأن يَسْلُكَ الفَصاحةَ في ذلك، ويجنَحَ إلى الاختصار، ويتجنَّبَ العبارات المعقَّدَةَ، والألفاظَ الغريبةَ، وأنْ يوُلِيَ المعانيَ جُلَّ اهتمامِهِ، وألا تطغى الألفاظُ على المعاني.
    وأرى أنَّ الغاية المطلوبة والنِّهاية المثوبة للمُعَلِّمِ أنْ يَجعلَ المُتَعَلِّمَ فَرْدًا فاعلًا ومؤثِّرًا وقادِرًا على تَحَمُّلِ مسؤوليَّاته التي تُسهم إسهامًا كبيرًا في بناء الأسْرَةِ، والمجتمع، ومواكبة التَّطَوُّرِ بما يعودُ بالنَّفْعِ عليهما، وبهذا يظهرُ الفارقُ بين اكتفاءِ المتعلِّمِ بالتَّلقين والحفظ، وبين السَّعي إلى اكتسابِهِ المعرفة العلميَّة والإنسانيَّة التي تكوِّنُ شخصيَّتَهُ، فتجعل منه فردًا متناغمًا ومتفاعلًا في مُحيطه الأسري والاجتماعي.
    وفي ظلِّ النَّهضة الفكريَّة والتَّقنيَّة وانتشار وسائل التَّواصلِ وغيرها، تزداد مهمَّةُ المُعلِّمِ مشقَّة وخطورةً؛ إذ لم يعدْ دورُهُ محصورًا في البناء المعرفي للمتعلِّمِ، وإنَّما السَّعي إلى البناء الإنساني، الذي يجعلُ منه مدركًا للمكان الذي ينبغي أن يكون فيه، ليسهم في بناء المجتمع أولًا، ومن ثمَّ المشاركة في بناء الحضارةِ الإنسانيَّة ثانيًا.
    ولا ينبغي أن يغيبَ عن ذهْنِ المُعلِّمِ أنَّ المدرسة هي البيتُ الثَّاني الذي يُسهم في تشكيل المنظومة الفكريَّة والمعرفيَّة للمتعلِّم،  وأنَّ هذه المنظومة تتطلَّبُ وعيًا عميقًا في بناء الوعي الأخلاقي والإنساني التي ستكون الأُسّ الذي يرتكزُ عليه المتعلِّمُ في بناء فكره، ويأتي في مقدِّمتها: ترسيخ فكرة قبولِ الآخر، وتعزيز ثقافة الاحتواءِ والتَّفاعُلِ معه، بوصفه فردًا من أفراد المجتمع، ونبذِ أي فكرٍ أو فَهْمٍ من شأنهِ إقصاء الآخر، أو تهميشه؛ وأن يُدركَ أنَّ الحياةَ مبنيَّةٌ على التَّباين والاختلافِ، مع الحفاظِ على جسورِ التَّعايُشِ والتَّسامُحِ.
    وقدِ أثبَتَتْ دولةُ الإمارات العربيَّة المُتِّحِدَةُ من خلالِ رؤيتها المستقبليَّة للتَّعليمِ قُدرتها على تحقيق ذلك، إذ تبنَّت سعيًا دؤوبًا في تعزيز العلاقات المجتمعيَّة، وحرصًا دائمًا على توطيد أواصر المحبَّة والتَّعاون بين أفراد المجتمع، وترسيخ مبادئ السلام والتَّسامُحِ والعَيشِ المُشْترك، والمُساهمة في تقديم الإسلامِ والثَّقافة العربيَّة بصورة حضاريَّة، تستندُ إلى مبدأ احترام حقوق الآخرين، والاعتدال والوسطيَّة، ونبذِ التطرُّفِ بأشكاله كافَّة.
د. محمد سليمان
الخبيرُ اللغوي في المعجم التَّاريخي للغة العربية في مجمع الشّارقة