بقوة القانون: تعذيب الابناء بحجة التأديب ثقافة اردنية برسم الافول

منشور 15 أيلول / سبتمبر 2007 - 10:09

عمان-البوابة

يبدو ان زمن ثقافة "ابني وانا حر في تربيته" التي يتذرع بها الكثير من الاباء لتبرير انتهاجهم اساليب "تأديبية" لا يخلو بعضها من الوحشية مع ابنائهم الاطفال، قد شارف على الافول في الاردن.

وما يؤذن بدنو هذا الاستحقاق هو توصيات احالها "المجلس الوطني لشؤون الأسرة" الى وزارة العدل، ويقترح فيها تعديلات جوهرية على المادة 62 من قانون العقوبات التي تحدد المسموح والممنوع في "تأديب الابناء".

وخلصت الى هذه التوصيات لجنة استشارية شكلها المجلس وتضم في عضويتها وزارات العدل والاوقاف والتنمية والمركز الوطني للطب الشرعي ومديرية الامن والمجلس القضائي وديوان التشريع ومجلسي الأعيان والنواب اضافة الى ممثلين عن هيئات حقوقية وناشطين حقوقيين.

ويرى مختصون ان التعديلات المقترحة سيكون من شأنها دفع الاباء الى التفكير مئة مرة قبل الاقدام على ممارسات "تأديبية" ضد ابنائهم يرقى بعضها الى حد وصفه بالجرائم، كما في حال طفل اوردت صحيفة "الرأي" قصة صفعة تلقاها من ابيه وافقدته السمع في احدى اذنيه.

وتوضح منى هندية مديرة وحدة السياسيات والتخطيط في المجلس الوطني لشؤون الأسرة في تصريحات للصحيفة أن أهم توصية كانت تلك التي تعاطت مع مفهوم "العرف العام" الوارد في البند (أ) من المادة 62.

فهذا البند كما هو الان يتحدث بشكل فضفاض حول حق الاباء في تأديب الابناء "على نحو ما يبيحه العرف العام". ويترك الى القاضي تقدير مدى اندراج الفعل ضمن العرف العام.

وبينت هندية أن الضوابط المقترحة والمتعلقة بهذه المادة تتمثل بان يكون التأديب (بمعنى الضرب) "بعد استخدام الأساليب التربوية كالتوجيه والكلمة الحسنى والنصح وعدم استخدام الصراخ والتهديد واللكم".

وأضافت ان "من بين الضوابط إن يكون عمر الطفل قد تجاوز العاشرة..وعدم ضرب الطفل أمام الآخرين إضافة إلى ملاءمة العقوبة".

وأشارت هندية الى ان "الضوابط اشتملت أيضا على أن لا يكون الضرب على الوجه والظهر وظاهر اليدين ولا يخدش جلدا ولا يسيل دماء ولا يكسر عظما ولا يكون موجعا مؤلما أي يكون خفيفا ولا يترك تغييرا في لون الجلد إضافة إلى عدم استخدام أداة حادة وعدم رج أو هز أو نفض الطفل".

وأوضحت هندية أن هذه الضوابط تم رفعها لوزارة العدل التي كان من ضمن اقتراحاتها لتعديل هذه المادة ان يتم "الأخذ بالمعيار الوارد بالشريعة الإسلامية من حيث المباح ليكون ما عداه ممنوعا".

واكدت ان هذه التعديلات تم اعدادها "مع الأخذ بالاعتبار أن ضوابط التربية تستدعي قيام سلطة أبوية تكون بمثابة الرقيب الدائم الذي يعاين سلوك الأبناء، ويتابع التزاماتهم بأداء واجباتهم، ومن ثم انسجامهم مع أعراف وعادات وتقاليد مجتمعهم".

ولم تتطرق هندية الى عقوبات محددة لمخالفة الاباء للضوابط المقترحة، لكن قانون العقوبات يتعامل مع الجنح والجرائم المرتكبة ضد الافراد على السواء دون الاخذ بتوصيفات العلاقات الاسرية بينهم، وان كانت هذه العلاقات يمكن ان تلعب دورا في الاسباب التقديرية المخففة للعقوبة.

ثقافة متوارثة

تشير الدراسات الى ان أغلبية الناس يعتقدون أن الضرب التأديبي ليس فقط جيد بل هو أساسي لتنشئة الأطفال.

ومن ضمن ما تظهره الدراسات أن 90% من الآباء يَضربون الأطفال لغاية 5 سنوات بمعدل 3 مرات أسبوعيا وأن 52% من الأطفال الذين أعمارهم بين 13 و14 سنة يضربون على ايدي ابائهم بشكل متكرر، وأن 20% من الطلبة في المرحلة الثانوية يضربون على اوقات متفاوتة.

كما بينت الدراسات أن 60% من الآباء يضربون أولادهم بالصفع على الوجه أو على اليدين أو المؤخرة وأن 20% يقومون بدفع الطفل أو بحمله من أحد أطرافه بعنف، وأن 15% يستخدمون العصا أو أية أداة منزلية لتأديب الطفل وأن 10% منهم يقومون عادة بقذف جسم ما، صادف أن يكون بيدهم على الطفل.

آثار مدمرة

ويبين أخصائي الطب الشرعي هاني جهشان في تصريحات لصحيفة "الرأي" ان "العقاب الجسدي للطفل بكافة أشكاله وبأي مدى لشدته، وبغض النظر عن أي محاولة لتبريره أو تلميعه، هو طريقة غير فعالة لتعديل السلوك من الناحية النفسية".

ويؤكد ان "ضرب الطفل قد يجعله يتجنب السلوك السئ مؤقتا، إلا أن التزام الطفل بهذا السلوك هو لفترة وجيزة، وسيولد لديه خوفا من أن يشاهد وهو يرتكب الخطأ، فيلجأ للقيام به سرا، حيث أن الضرب لن يعلم سلوكا جديدا، ولن يعلم السيطرة على النفس، بل على العكس وعلى المدى البعيد فإن الضرب سيترك عند الطفل سلوك العصيان وعدم التواصل الحضاري مع الآخرين، وتدني مستوى احترام ألذات، والكآبة".

ويقول جهشان ان "التأديب بالضرب هو الطريق السالك دائما باتجاه الإساءة الجسدية للطفل ولأن الضرب فعال بشكل مؤقت، يجعل ذلك الأب أو الأم أن يضربا بجرعة أشد كلما عاد الطفل وأخطأ مرة أخرى، وبذلك يصبح العقاب الجسدي هو الاستجابة القياسية للسلوك السئ، ما يزيد من شدة الضرب ويزيد من تكراره بشكل يتجاوز العرف المقبول عند بعض الأشخاص".

ويلفت جهشان الى ان الأبحاث تشير الى أن ما يزيد على 85% من جميع حالات الإساءة الجسدية للأطفال، ناتجة عن فرط التأديب وعن العقاب الجسدي.

ويضيف أن الضرب في كثير من الحالات "يؤدي إلى أذى غير متوقع، فالصفع على الوجه قد يؤدي مثلا إلى ثقب طبلة الأذن، ورج الطفل قد يؤدي إلى ارتجاج الدماغ والعمى أو الوفاة، والضرب المباشر وبأي وسيلة كانت قد يضر بالعضلات، وبالأعصاب، وبالأعضاء التناسلية، أو بالعمود الفقري".

ويتابع ان "ضرب الأطفال على ظاهر اليدين يؤذي المفاصل والأوعية الدموية الدقيقة وقد يؤدي إلى حدوث التهاب المفاصل الصغيرة بعد عشرات السنين، وقد ينتج عن سقوط الطفل عند تعرضه للضرب إصابات شديدة في جسمه".

ويذهب جهشان الى حد التحذير من ان التأديب عبر الضرب قد يصل الى حد ارتكاب إساءة جنسية للطفل، كما يشير في مقابلة مع موقع "الامة اون لاين".

فهو يؤكد ان الدراسات اثبتت ان "اللطم أو استخدام القوة على مؤخرة جسم الطفل هو نوع من أنواع الإساءة الجنسية للطفل، لأنها قد تولد شعورا بلذة مختلطة بالألم".

وفي المدى البعيد، يرى جهشان ان "الضرب التأديبي ما هو إلا عملية تدريبية منظمة لتعليم الطفل العنف، حيث يتعلم مبدأ أنه من المقبول أن يستخدم القوي قوته ضد الضعيف، وأنه من الطبيعي أن تحل المشاكل بواسطة العنف، وتتعزز هذه الفكرة بعملية التكرر من قبل شخص محبوب ومرغوب به، ويؤدي ذلك لتولد سلوك تعامل عنفي بين الطفل وأشقائه ومع زملائه في المدرسة، ومع زوجته مستقبلا ومن ثم مع أطفاله".

وعن قواعد تأديب الأطفال في الشريعة الإسلامية يوضح احد الأخصائيين في الشريعة ان حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر" يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بضرب الولد الذي يأبى الصلاة إلا في سن العاشرة، مع أنه قبل ذلك أمره بتوجيه الأولاد للصلاة وهم في سن السابعة، ومعنى ذلك أن الفارق بين التوجيه بالكلمة والتوجيه بالضرب ثلاث سنوات.

(ينشر بالتزامن مع صحيفة "النشمية")


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك