بقيتم هنا لأنّكم روح سوريا وعقلها وإرادتها الحرّة

منشور 04 تمّوز / يوليو 2020 - 10:43
العاصمة دمشق
العاصمة دمشق

بقلم: محمد سعيد حمادة*

السوريّون الذين ظلّوا في في البلد. بعضهم تلفّه حسرة عدم خروجه منها، وبعضهم يضرب يأسٌ كبير روحه، وبعضهم يشعر بأنّه حقل تجارب للفساد، وبعضهم يعرف أنّه ملطشة مزايدة للمرتاحين من الفاسدين السابقين أو اللاحقين وحقل تجريب لغويّ لهم، وبعضهم أصبح عدوًّا بين ليلة وضحاها لأنّه لا يمشي في ركب التهليل والتطبيل ولا ينتظم في نسق "حاضر سيّدي"، وبعضهم تؤلَّف عليه الأساطير والحكايا لأنّه من المعروف عنه أنّه لا يمكن وضعه تحت إبط أحد، وبعضهم وبعضهم... غير أنّهم جميعًا يكافحون من أجل يصمدوا ويعيشوا، وكلّ بأسلوبه الغشيم في تدبير أمور حياته اليوميّة أمام الطغيان الغاشم لجامعي الثروة ومقتنصي الفرص؛ لهؤلاء السوريّين أنتم تاريخ سوريا وصنّاعه وروحه لأنّكم روح سوريا وعقلها وإرادتها الحرّة.

في مرحلة من أعقد مراحل التاريخ في العالم، يسجَّل اليوم أنّ شعبًا تتناهشه الضباع من كلّ حدب وصوب وتتناهبه رياح الفتنة الفاسدة من الداخل والخارج ممسكٌ بروح البقاء متفنّن باختراع الاستمرار مبدعٌ في خلق الحياة.

الحياة لسوريا، وسوريا ناسٌ وأرض وأرواح منها من يعيش فيها ومنها من يعيش خارجها لكنّ حياته فيها، وأنتم حياتها، لا أولئك الذين يعيشون بينكم ويمتصّون دمكم من السلبيّين المقرونين بالعنف اللفظيّ والقسوة البشريّة التي لم ترتقي إلى قيم الإنسان وإن استخدمت قشرة لغته لأنّهم في ظلام الظلم والعبوديّة فاقدون لمعنى الحرّيّة.

ليس تنظيرًا هذا ولا اختراع مسكّن لنا لتخفيف مواجهة أشباح الموت، بل محاولة بسيطة لفهم وجودنا في التاريخ ووعينا في صنع حركته، وقد اخترنا بملء حرّيّتنا بقاءنا هنا، والتاريخ تصنعه الحرّيّة لا استبداد العبوديّة التي ألزمت كثيرين في البقاء لأن لا ملجأ لهم إلاّ أن يبقوا ويمارسوا مزيدًا من العبوديّة بالتنظير والاتّهام والقسوة والتجريح والتعالي المضحك هروبًا إلى الأمام من معرفتهم أنّهم لا شيء ومتلاشون ومندثرون حتمًا.

أجيال اليوم هي تاريخ سوريا كلّه ومعاناتها عبر العصور، ولا سبيل لها إلا أن تتحدّى وتستمرّ ليكون لها ولسوريا السلام. ولا سلام لسوريا إلّا بأن نتماسك كتفًا واحدًا وعقلاً صلبًا بأنّ السوريّين جميعًا مواطنون ممتازون ليسوا على درجات دينية أو عرقيّة أو مذهبيّة.

*كاتب وناشط سياسي سوري/ دمشق

مواضيع ممكن أن تعجبك