بول الرسول ورضاع الرجال..وماذا بعد؟!

تاريخ النشر: 30 مايو 2007 - 06:32 GMT

-بسام العنتري

هل في الاسلام تعاليم سرية او احكام "مخجلة"؟

قفز السؤال الى رأسي وانا اتابع انباء احالة الازهر احد علمائه الى التحقيق بسبب فتوى استند فيها الى حديث منسوب الى النبي يبيح رضاعة الرجل من امرأة غريبة، وكذلك الجدال الدائر حول رواية عن شرب الصحابة بول الرسول من باب التبرك.

حديث الرضاع الذي اقام الدنيا ولم يقعدها وكانما اكتشف بالامس ولم يكن قد لبث في الكتب اكثر من 1400 عام، يروي كيفية اعطاء الرسول رخصة الى امراة (ام حذيفة) من اجل ارضاع شخص تربى في بيتها صغيرا (سالم) ولما بلغ صار دخوله عليها محرما.

ما قاله عالم الازهر قياسا هو ان على من يريد تجنب "الخلوة غير الشرعية" مع زميلته في العمل ان يسعى الى الرضاعة منها.

الذي اثار انتباهي بشدة في رد فعل الازهر، هو ان المشيخة الاسلامية العريقة لم تنكر او حتى تحاول انكار "صحة" الحديث الذي استندت اليه تلك الفتوى.

وتساءلت في نفسي: اذا كان الازهر لا ينكر صحة الحديث، فلماذا وعلى ماذا يعاقب هذا العالم؟، وهو بالمناسبة رئيس قسم الحديث في الجامعة التابعة للمشيخة الازهرية.

ما بدا لي هو ان الازهر الذي بدا مستفزا، قرر معاقبة الرجل لتجرؤه على التحدث حول احدى التعاليم التي تريد لها مشيخته ان تظل طي الكتمان!

ولا ادل على هذا مما قاله محمود حمدي زقزوق وزير الاوقاف المصري واحد ابرز خريجي الازهر ردا على سؤال حول رواية اثارت جدلا متزامنا وتحدثت عن شرب الصحابة لبول النبي من باب "التبرك".

الوزير اعتبر في رده ان مثل هذه الفتاوى "وان صحت، لا يجوز ذكرها، أو ترديدها"!.

لا يساورني شك في ان حديث "الرضاعة" يتنافى مع النص القرآني والفطرة البشرية، وباعتقادي ان هذا امر تدركه المشيخات والسالفون ممن مرروه وادرجوه باعتباره من الصحاح.

وواقع الحال انه لم يكن بيد أي من المشيخات او اولئك الذين فرضوا علينا بوصفهم علماء سوى التسليم بهذا الحديث، ولسبب بسيط وايضا مخيف.

فهؤلاء حددوا قواعد صارمة يحكمون من خلالها على الاحاديث المنسوبة الى النبي، فاذا جاءت منسجمة مع هذه القواعد اخذوا وسلموا بها، حتى لو كانت متعارضة مع القرآن.

وهم اذ ذاك، اعتبروا ان عدم الاخذ بالاحاديث المتعارضة مع القرآن والمنسجمة في ذات الوقت مع قواعدهم، كان سيعني حتما انهيار هذه القواعد والتي ساروا على هداها لمئات السنوات.

وللخروج من مأزق تناقض بعض الاحاديث التي صححوها مع القرآن فضلا عن الفطرة البشرية، لجأوا الى "ليّ" اعناق المعاني والدلالات فيها لجعلها متماشية مع النص الالهي والفطرة السليمة.

وانا هنا اقر بانني لم يسعفني الحظ في الوقوف الى الان على تكتيك واضح لجأ اليه العلماء من اجل ليّ عنق حديث "رضاع الكبير"، اللهم سوى اعتبارهم له "خاصا" بحالة بعينها و"لا يجوز" تعميمه.

لكن هذه الحجة لا تنطلي، لانها تتعارض مع مبادئ الاقتداء بالرسول وتنزيه نطقه عن الهوى وعمومية رسالته للبشرية،..بمعنى انه لم يبعث لحل مشاكل فردية كمشكلة أم حذيفة ومولاها سالما!.

وكثيرة هي الامثلة على ليّ اعناق المعاني والالفاظ في الاحاديث المراد لها الخروج "قسرا" بهيئة غير متضادة مع القران والفطرة. على اني ساورد احدها، والذي استرعاني وبعث في نفسي الاسى.

في خطبة الوداع، التي لم يكن الدس فيها ممكنا لكونها القيت على مسامع الاف المسلمين المحتشدين في يوم الحج، يقول عليه الصلاة والسلام:

"أما بعد أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. لكم أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة (وفي روايات: فاحشة مبينة)، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".

في المعنى الذي تتناسق فيه عبارتا: وطء الفراش والفاحشة، يبدو من الصعب ان يقفز الى فهم المرء امر سوى الزنا. لكن المشايخ افهمونا ان ذلك غير صحيح. فهم يقولون ان الفاحشة تعني هنا: الكلام البذئ.

ولا ادري الى ماذا انتصروا في هذا، هل لعرف يرفض ان يكون عقاب إتيان امرأة الفاحشة اقل من قتلها، ام لفهم خاص بهم يعتبر لغتنا السليمة حمالة اوجه في رسم ودلالات الفاظها؟.

وهم في ما يتصل بهذا الحديث اخذتهم الحمية وانطلقوا في الليّ والتبرير والتاويل، الامر الذي فوت عليهم فهم الحكمة التي قصدها رسول الله، وهي الاخذ بالاقل ضررا.

والحكمة كما رأى المتمهلون في اطلاق الاحكام، هي ان الرسول اراد لمؤسسة الاسرة (زوجا وزوجة وابناء) ان لا تنهار بسبب خطيئة يرتكبها عضو في هذه المؤسسة المقدسة.

وهو تدرج من اعلانه ان الله سبحانه وتعالى (أذن) بمعنى اباح لجوء الرجل الى سلسلة عقوبات متتالية زمنيا للمرأة مقترفة الخطيئة (الفاحشة) وبما يترك مجالا لها للانتهاء والتوبة. فان فعلت واقتنع الزوج بذلك، عادت المياه الى مجاريها وكفيت الاسرة شر الانهيار.

هناك امثلة اخرى على مسألة الاتيان بمعان مغايرة للمألوف، والويل لمن يجادل في ذلك، لانه سيتهم بالتطاول على اساطين اللغة من الاوائل، فضلا عن احتمال رميه بالكفر.

ولكن، هل اساطين اللغة وفقهاؤها معصومون بحيث لا نجادل في ما يلقنوننا اياه من معاني اللغة؟. الاجابة التي اراها هي "لا".

فكيف لي ان اسلم بان هؤلاء علموا وفقهوا "كل شئ"وان علي التسليم بفقههم، عندما اصطدم بتفسيرات عجيبة لهم، ليس فقط لمعاني كلمات بعض الاحاديث، وانما ايضا لدلالات الفاظ في القران.

فهذا ابن عباس مثلا يقدم بطريقة مثيرة لتفسيره الاية التي يقول فيها تعالى: "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن". يقول ابن عباس لسائله عن الاية: ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر؟. ثم قال: "سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى".

لا اظن ان بمقدوري التسليم بان الاوائل علموا وفقهوا "كل شئ"، وان مجادلتنا في ما ذهبوا اليه ترقى الى الطعن بشخوصهم، كما يخوفنا البعض ممن رفعوا اولئك الاوائل الى مرتبة العصمة، والبسوا اقوالهم سطوة تتجاوز في قوتها نص القران.

الاوائل ادخلوا في ثقافتنا امورا لم ترد في القرآن كمثل: احتشاد قوى الخير والشر على ضفتي نهر استعدادا لمعركة فاصلة يقود المسيح معسكرها الاول بعد عودته الى الارض وبالتحالف مع شخصية تدعى المهدي، في حين يقود المعسكر الثاني مخلوق يقال له الدجال.

وقد اسهب الاوائل في سرد تفاصيل غاية في التشويق والغرابة حول هذه المعركة الفاصلة التي تطلق عليها الثقافة المسيحية "هرمجدون"، ودون ان يخبرونا لماذا لم ترد أي من هذا التفاصيل في القرآن، ولو على سبيل الاشارة حتى؟.

اقول، وربما هناك غيري، ان هذه الاقاصيص من المستبعد تماما ان ترد على لسان الرسول.

ودون الخوض في التفنيد، اورد مسألة واضحة، على الاقل بالنسبة لي، وهي ان عيسى عليه السلام لا يمكن ان يكذب على الله الذي تنقل كلماته حوارا سيدور بينهما يوم القيامة، وينكر فيه المسيح علمه بما فعله الناس بعده.

وحسب الاية، فان عيسى عليه السلام يقول مجيبا رب العزة الذي سأله ان كان أمر الناس ان يعبدوه "وكنتُ عليهم شهيداً مادمتُ فيهم فلما توفيتني كنتَ أنت الرقيب عليهم".

فلو عاد في اخر الزمان، الن يرى ما فعل الناس بعده؟، وبالتالي هل سيكون بمقدوره ان يقول ما سيقوله وفق الاية.

وبالمناسبة، هناك تأويلات للاية جاء بها اولون في سياق سعيهم للموالفة قسرا بين نص القرآن والحديث.

ولكنها تأويلات تصل في الضعف حد السذاجة، حتى لا نتهم اصحابها بمحاولة استغفال الاخرين.

وبما ان عودة المسيح هي ركن اساسي في رواية المعركة الفاصلة، فان سقوطها يعني انهيار الرواية برمتها والعودة بنا الى المربع الاول- مربع الاصل والتابع، القرآن والحديث-.

وهو ذاته المربع الذي اضم صوتي الى الداعين للعودة اليه واعتماده مجددا كما فعل الاولون الاقحاح، وليس الاصحاحيون اصحاب نظرية "التأويل" واجترار المعاني الغريبة للخروج من مأزق التناقض مع النص والفطرة!.

بالامس، تابعت حلقة تلفزيونية على فضائية "الناس" خصصها الشيخ لقضية رضاع الكبير وتطرقت الى الجدل حول رواية شرب الصحابة لبول الرسول.

وهالني تعليق عبر الهاتف لامرأة قالت بانفعال ان الرسول لو كان بيننا الان فانها لن تتورع عن "لحس برازه".

اتفهم تعلق هذه المرأة وحبها للرسول عليه الصلاة والسلام سيرة معظم المسلمين. لكن، الا ينبغي ان نحذر السقوط في ما سقط فيه من قبلنا من اصحاب الديانات الاخرى؟ اليست المغالاة مدخلا للتقديس ثم التأليه؟.

حب الرسول لا ينبغي ان يكون مدخلا لاصطيادنا ومنعنا من التحقق مما ينسب اليه لاعتقادنا ان في ذلك خروجا على اللياقة واهانة له لا يرضاها الله وتغضبه!!!

اليست المغالاة في حب الرسول هي ما دفع اولين الى الباس حديثه سطوة فوق النص القرآني، حتى بات بعض ما يقوله اصلا يقاس عليه القرآن.

الم يكن هذا التناقض هو ما فتح الباب امام "التأويل" وليس "التفسير" للقرآن الذي باتت عباراته عند بعض العلماء بمثابة رموز كرموز رؤيا المنام بحاجة الى "تأويل" وليس الفاظا ميسرة قد تتطلب بعض التفسير.

قال الله تعالى "انا يسرنا الذكر فهل من مدكر".

في يقيني ان الاية كافية لاحالة كل المؤولين الى التقاعد، فهي تبين لنا ان القرآن يسير على الفهم والحفظ. واذا ما تطلب الامر، لبُعد الأمد والشقة بين الناس واللغة، فلا بأس من مفسرين يوضحون ما اختلط سواء من اللفظ او سبب وحكمة التنزيل.

قبل الختام، اورد ملاحظة استرعتني وجاءت على لسان الشيخ الذي ادار الحوار في البرنامج التلفزيوني في فضائية "الناس" ونال خلال ذلك ثناء جزيلا من المتصلين على تفسيره لحكم وخصوصية حديث الرضاع.

الشيخ هاجم بشدة من دعاهم "القرآنيين"، قائلا انهم يدعون الى عدم الاعتراف بالحديث النبوي كله، والاعتماد فقط على النص القراني.

حقيقة، هذه اول مرة اسمع فيها اسم "القرآنيين"، ولم اجد في كل ما بحثت من القراءات والكتب ما يشير الى وجود أي جماعة منتظمة في اطار محدد وتسعى الى الغاء الحديث النبوي.

على اني وقفت على دعوات عديدة لدى جماعات صغيرة الى العودة الى القرآن في الحكم على صحة الحديث.

فان كان هؤلاء قرآنيون في فهم الشيخ وربما غيره ايضا من المشايخ الافاضل الذين لا اكن لهم الا كل احترام، فلكأني بالامر ينفتح على اطلاق الاخرين على الشيخ وزملائه الافاضل اسم "الحديثيين"، على اعتبار تهمة تغليبهم الحديث على النص القرآني.

واني لارجو ان لا تنقسم الامور على هذه الشاكلة من المناكفة، وان تعود الى صحيح بداياتها، بان يكون القرآن النص الازلي المنزه، وان يكون الحديث في مكانته التي نعلم ولا تتنافى، بل تفسر وتفصل وتبين الاحكام.