انتخب الكردينال الالماني يوزيف راتسنغر حبرا اعظم جديدا بعد 17 يوما من وفاة البابا يوحنا بولس الثاني، وذلك في خطوة قوبلت بترحيب من قادة العالم الذين اثنوا على "حكمة" و"ثقافة" البابا الجديد الذي اتخذ لنفسه لقب "بنيديكتس (المبارك) السابع عشر".
واكد الرئيس الاميركي جورج بوش ان البابا الجديد الذي يحمل الرقم 265 في سلسلة بابوات الكنيسة الكاثوليكية، رجل يتمتع "بحكمة كبيرة وثقافة واسعة".
وقال "نهنىء البابا بنديكتس السادس عشر..انه رجل يتمتع بحكمة كبيرة وثقافة واسعة، وهو خادم لله".
وكان بوش اول رئيس اميركي يشارك في تشييع بابا من خلال حضور جنازة يوحنا بولس الثاني في الثامن من نيسان/ابريل.
وقد اشاد بوش بيوحنا بولس الثاني حتى لو ان البابا عارض قرار الرئيس الاميركي شن الحرب على العراق في اذار/مارس 2003.
ويعيش حوالى 65 مليون كاثوليكي في الولايات المتحدة التي يشكل البروتستانت الاكثرية فيها.
كما وجه الرئيس الفرنسي جاك شيراك رسالة "تهنئة حارة" الى البابا الجديد بنديكتس السادس عشر، واكد له ان فرنسا ستواصل العمل مع الفاتيكان من اجل السلام والعدل.
وكتب شيراك في رسالته التي نشرها المكتب الاعلامي في قصر الاليزيه "اوجه الى البابا بنديكتس السادس عشر تهاني الحارة وتمنياتي المخلصة لرسالته السامية التي اوكلت اليه للتو على راس الكنيسة الكاثوليكية".
وقال شيراك "ان فرنسا المخلصة لتاريخها وللمبادىء التي توجه عملها، ستواصل الحوار المتسم بالثقة الذي اجرته دائما مع الكرسي الرسولي ولا سيما في المعارك المشتركة لخدمة السلام والعدل والتضامن وكرامة الانسان".
ومن جانبه، اعرب وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم عن امله في ان يواصل البابا الجديد، على غرار سلفه يوحنا بولس الثاني، "مكافحة اللاسامية بكل اشكالها".
واكد شالوم في بيان "على ضوء تاريخه الشخصي، نأمل في ان يكون البابا الجديد وفيا للالتزام الذي اتخذته الكنيسة الكاثوليكية بمكافحة اللاسامية بقوة". واضاف "نأمل ايضا في ان يواصل البابا الجديد العمل من اجل التقارب بين دولة اسرائيل والفاتيكان وبين الكنيسة الكاثوليكية والشعب اليهودي".
وهنأ الرئيس موشيه كاتساف ايضا الحبر الاعظم الجديد معربا عن الامل في ان يواصل الطريق الذي اتبعه يوحنا بولس الثاني في شأن العلاقات بين الكرسي الرسولي واليهودية، كما ذكرت الاذاعة العسكرية.
وبعث رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ايضا ببرقية تهنئة الى البابا الجديد، اكد فيها "آمل في ان تواصل العمل من اجل السلام ومن اجل الاراضي المقدسة".
وعلى صعيدها، طلبت الصين من البابا الجديد ان يقطع علاقات الفاتيكان الديبلوماسية مع تايوان لتوفير الظروف التي تؤدي الى تحسين العلاقات بين بكين والكرسي الرسولي.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية كين غانغع في بيان "نحن مستعدون لتحسين العلاقات مع الفاتيكان بشرطين اساسيين: ان يقطع الفاتيكان علاقاته الديبلوماسية المزعومة مع تايوان (...) والا يتدخل في الشؤون الداخلية للصين بما في ذلك بحجة الشؤون الدينية".
واضاف البيان "نأمل في ان تتوافر لدى ادارة البابا الجديد ظروف ملائمة لتحسين العلاقات الصينية-الفاتيكانية".
الكاردينال يوزف بابا جديدا
وكان البابا الجديد ظهر عقب اعلان انتخابه، على شرفة كنيسة القديس بطرس وصفقت الجماهير بقوة لهذا اللاهوتي الذي رأس مجمع العقيدة والايمان ابان يوحنا بولس الثاني، والذي يعتبر المدافع الاكبر عن العقيدة والثوابت الاخلاقية الكاثوليكية.
وشكر البابا الجديد الجماهير التي تجاوز عددها مئة الف في ساحة القديس بطرس، وحياها قبل ان يمنح بركته "للمدينة وللعالم" كما جرت العادة.
وتم الاعلان عن انتخاب البابا بواسطة دخان ابيض تصاعد من مدخنة كنيسة "سيستينا" حيث كان يعقد الكرادلة مجمعهم المغلق، وتأكد الخبر بعد ذلك بقرع اجراس الفاتيكان.
وقد هيمنت شخصية عميد الكرادلة (راتسنغر) القوية على الفترة التحضيرية للمجمع والتي تخللها 12 اجتماعا عاما للكرادلة.
وبكونه زعيما للتيار المحافظ في الكنيسة ورئيسا لمجمع العقيدة والايمان، وبكونه احد القلائل الذين شهدوا مجمعين مغلقين على التوالي (شارك في انتخاب يوحنا بولس الثاني)، ولكونه مقربا وصديقا ليوحنا بولس الثاني، طرح اسمه لخلافة البابا الراحل ما ان طرحت مسالة الخلافة.
وتشدد راتسنغر في المواضيع العقائدية اكسبه تعاطف التيار المحافظ داخل الكنيسة الذي يعتبر بان يوحنا بولس الثاني قد ذهب بعيدا في بوادر طلب الغفران عن بعض الصفحات السوداء في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية والحوار مع الديانات الاخرى، لكنه يقلق دعاة الحوار مع المجتمع مع الابقاء على الثوابت العقائدية.
وتم انتخاب بنديكتس السادس الذي اصبح زعيما روحيا لاكثر من مليار كاثوليكي في العالم، في اليوم الثاني من المجمع الانتخابي المغلق الذي عقده الكرادلة الناخبون الـ115.
ولخلافة يوحنا بولس الثاني، تمكن راتسنغر من جميع ثلي اصوات الكرادلة الناخبين القادمين من 52 بلدا.
وستلقى على عاتق البابا الجديد مهمة خلافة يوحنا بولس الثاني الشائكة، وهو قاد الكنيسة في حقبة تحول العالم نحو العولمة وجمعت جنازته في الثامن من نيسان/ابريل غالبية زعماء العالم (عدا الروس والصينيين) وممثلي الديانات الكبرى اضافة الى ملايين المؤمنين.
وربما طغت شخصية يوحنا بولس الثاني الكاريسماتية على نقاط الضعف في الكنيسة الكاثوليكية في العالم المعاصر.
وابرز ما سيواجه البابا الجديد على هذا المستوى هو مشكلة تراجع الدعوات الكهنوتية والرهبانية ومنافسة الديانات الاخرى اضافة الى تطور السلوك والعادات الانسانية والاجتماعية.
وبالرغم من مظاهر قوة يوحنا بولس الثاني، شهدت الكنيسة الكاثوليكية تراجعا في نسبة اتباعها في العالم (17% حاليا مقابل 75،17% عام 1978) وباتت نسبة الولادات تفوق نسبة العمادات.
وبالمقابل، تعززت التيارات المسيحية الانجيلية البروتستاتية وتنامت التيارات المادية واللامبالاة من الدين في العالم وخاصة العالم الغربي، كما تابعت الديانة الاسلامية نموها المستمر.
ولم يعد بامكان الانتعاش الكاثوليكي في آسيا وافريقيا ان يعوض التدهور في عدد الدعوات الكهنوتية والرهبانية في اوروبا التي كانت في الماضي منبعا للحركات الارسالية في العالم. ووصل عدد الكهنة عام 2003 الى 405 الاف و450 كاهنا مقابل
416 الفا و392 كاهنا عام 1978.اما في موضوع الحوار المسكوني مع المسيحيين غير الكاثوليك، يرث البابا الجديد ملفا شائكا يتمثل في اتهام الارثوذكس للكاثوليك في دول المعسكر الشيوعي السابق، بممارسة التبشير واستمالة الارثوذكس الى الكاثوليكية بعد عودة الحرية الدينية الى منطقة ما وراء الستار الحديدي.
اما مع البروتستانت، فالمشكلة تبقى على المستوى العقائدي بينما حلت معظم المشاكل العقائدية مع الارثوذكس عدا اولوية كرسي روما الرسولي، او ما يعرف "بعصمة البابا".
وقد يعمد البابا الجديد الى المباشرة فورا بعملية رفع يوحنا بولس الثاني الى مرتبة الطوباوية والى القداسة بعد ذلك، الامر الذي برز كمطلب مهم لدى المؤمنين الكاثوليك منذ جنازته.
وقاد يوحنا بولس الثاني البولندي، الكنيسة الى الالفية الثالثة وتوفي ليل الثاني من نيسان/ابريل عن 84 عاما امضى 26 منها على السدة الرسولية.
وتوفي بعد صراع اليم مع المرض عاشه تحت اعين العالم اجمع، وكان آخر ظهور علني له على شباك جناحه قبل ثلاثة ايام من وفاته.
واعلن الناطق باسم الفاتيكان خواكين نافارو فالس مساء اليوم الثلاثاء ان مراسم التنصيب الرسمية للبابا الجديد ستكون نهار الاحد القادم.
—(البوابة)—(مصادر متعددة)