ماذا عن تساقط الحريات في مصر ؟

ماذا عن تساقط الحريات في مصر ؟
2.5 5

نشر 30 حزيران/يونيو 2014 - 08:02 بتوقيت جرينتش عبر SyndiGate.info

شارك بتقييم المحتوى:

 
PRINT Send Mail
التعليقات (0)
تساقط الحريات في مصر
تساقط الحريات في مصر

اشتد النقاش خلال الأيام الماضية في مصر وخارجها حول تراجع الحريات، واتخذ البعض مجموعة من الشواهد الشكلية للتدليل على صواب موقفهم، وتأكيد أن هناك انتكاسة في مجال حرية الرأي والتعبير تمر بها البلاد، وكانت أهم المظاهر التي جرى الترويج لها، الحكم بالسجن الذي أصدرته محكمة جنايات القاهرة على عدد من العاملين في قناة الجزيرة بالقاهرة، والمعروفة بـ«خلية الماريوت»، واعتذار الكاتب علاء الأسواني عن الاستمرار في كتابة مقاله الأسبوعي بجريدة «المصري اليوم» المستقلة، بذريعة أن الأجواء غير مواتية للكتابة بحرية، وكان الكاتب بلال فضل أوقف عموده اليومي بصحيفة «الشروق» المستقلة من قبل للسبب ذاته.

كانت أحكام «خلية الماريوت» القشّة التي قصمت ظهر البعير( كما نقول في مصر) وتسببت في إطلاق سيول من الانتقادات، من قبل منظمات حقوقية وجهات سياسية في دول غربية مختلفة، خاصة أن عددا من المحكوم عليهم بالسجن لمدة تصل إلى عشر سنوات يحملون جنسيات بريطانية وهولندية وأسترالية، وقد تحولت هذه القضية إلى شرارة لإدانة الحكومة المصرية، واتهامها بالتضييق على الحريات.

الواقع أن الفريق الذي تبنى الإدانة وكال الاتهامات وقع في أكثر من تناقض فاضح، منها التعامل مع “خلية الماريوت” باعتبارها قضية رأي، بينما هي في الأصل قضية جنائية بامتياز، حيث أدين المحكوم عليهم بتهم تتعلق بالتجسس والتخابر والإضرار بالأمن القومي، وقدمت للمحكمة أدلة تفيد بذلك، كما أن الفريق المتباكي على تساقط الحريات، لم يوجه لوما واحدا للتجاوزات التي ارتكبتها قناة الجزيرة في حق مصر، ولم ينطق ببنت شفة حول مدى التزام «الجزيرة مباشر مصر» بالمعايير الصحيحة للإعلام، مع أنها لجأت إلى «الفبركة» في أحيان كثيرة، لاسيما في الأحداث المتعلقة بالإخوان.

من جهة ثانية، توقّف الكاتبين الأسواني وفضل، جاء بإرادتهما، ونتيجة خلاف بشأن السياسة التحريرية للصحيفتين اللتين كانا يكتبان فيهما (المصري اليوم والشروق)، وهما صحيفتان مستقلتان، بمعنى أن لو افترضنا جدلا أن هناك رقابة رسمية، فهما بعيدتان عنها، لأنهما غير مملوكتين للدولة، وفي حالة الأسواني تحديدا، الذي كتب مقالات لاذعة نقدا للسياسة الأمنية في مصر، أعلن الرجل أن توقفه جاء بسبب تجاهل الصحيفة وضع إشارة لمقاله في الصفحة الأولى، كما هو متفق بينهما.

الإدانات التي ساقتها منظمات حقوقية تضمنت سقوط نحو عشرة قتلى من الزملاء الصحفيين في أماكن عمل مختلفة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ومع أن أحدا لم يعرف من قتلهم بالضبط، لأن مصرعهم جاء وسط مظاهرات واشتباكات متفرقة، إلا أن أصابع الاتهام وجهت إلى أجهزة الجيش والشرطة، التي سقط منها مئات القتلى والجرحى، بمعنى أنه من الصعوبة القطع بوجود استهداف متعمد لهؤلاء الزملاء، كما أن هناك عشرات من الإعلاميين، مصريين وأجانب، انتقدوا السياسات الرسمية ولم يتعرضوا لأذى ولا زالوا على قيد الحياة ويؤدون عملهم بحرية مطلقة.

الحاصل أن حالة من الخوف انتابت قطاعا مهما من الإعلاميين في مصر وخارجها، واتخذت من الأحكام القضائية المتشددة أداة لتأكيد نعيها لمستقبل الحريات، وكان الاتهام بالتسييس للقضاء الباب الملكي للقلق، وكأنه أصبح يصدر أحكاما لإرضاء السلطة، وهذه مغالطة كبيرة، لأن القضاء من أهم الحصون التي لم ينخر فيها سوس الفساد، الذي أتى على أشياء كثيرة في مصر مؤخرا، وأن أحكام الإعدامات والأحكام المشددة عموما لها دوافعها القانونية، وفقا لكل قضية.

أما حجة التسييس فمردود عنها ببساطة، لأن الأحكام المغلظة جلبت لمصر مشكلات دقيقة وعرضتها لضغوط سياسية عميقة، وصلت إلى حد توجيه اللوم، والانتقادات الحادة، واستدعاء السفراء، كما أن نبيل فهمي وزير الخارجية السابق أكد أنه أمضى وقتا طويلا خلال زيارته للولايات المتحدة مؤخرا، من أجل الدفاع عن القضاء، عقب صدور أحكام الإعدامات الشهيرة من محكمة جنايات المنيا، فأي تسييس الذي يعرّض أصحابه لكل هذه الأنواع من الضغوط السياسية؟

المؤكد أن السلطات الرسمية في مصر لم تعتقل أحدا بسبب رأي كتبه في صحيفة أو موقع إلكتروني، ولم تحبس أحدا جراء كلام قاله في محطة فضائية، وكل الأحكام القضائية التي صدرت في حق إعلاميين لها علاقة مباشرة بقضايا جنائية، وإذا كانت الانتقادات الغربية لها دوافع سياسية يمكن تخمينها، فلماذا يتزايد شعور عدد من الإعلاميين في مصر بالقلق على مصير الحريات، وهل هناك تضييق أصلا؟

من خلال خبرتي الصحافية التي تمتد إلى أكثر من عشرين عاما، أستطيع أن أحدد ثلاثة أسباب رئيسية لظهور هذه «الفوبيا» القوية، بما جعل البعض يشك في احتمال تساقط المزيد من هامش الحريات المتاح.

الأول، ضيق أفق بعض الإعلاميين، الذين يتصورون أن النقد قد يغضب الحاكم، فيلجأون إلى تضييق الحريات بإرادتهم، حتى أصبح عدد منهم ملكيا أكثر من الملك نفسه، ونحت معالم هذه الصفة في وسائل الإعلام الخاصة قبل العامة.

الثاني، انتماء الرئيس الجديد عبدالفتاح السيسى إلى المؤسسة العسكرية، المعروفة بالانضباط والشائع عنها إصدار الأوامر من أعلى إلى أسفل وعدم تحمل النقد، ولّد أجواء من القلق في الوسط الإعلامى، خشية تضييق معايير هذه المؤسسة على الصحفيين في مصر، مع أن السيسي أكد احترامه للحريات.

الثالث، علاقة عدد من المسؤولين في وسائل الإعلام المختلفة بالسلطة، أو سعيهم للوقوف إلى جوارها، طمعا في مغنم أو مغرم أو درءا لشبهة، جعل البعض يبالغ في ولائه لها، عن طريق تخفيف مساحة الانتقادات، وكانت النتيجة ولادة صراع من العدم لا نعرف مداه.

كاتب مصري

 

اقرأ أيضاً:

احالة ثلاثة بينهم اسرائيليان للمحاكمة بتهمة التجسس في مصر

السيسي يثير جدلا في الخرطوم بعد عبارته: "السودان جزء من مصر"

Alarab Online. © 2014 All rights reserved.

اضف تعليق جديد

 avatar