تعديلات دستورية تمر من حلبة الملاكمة

منشور 06 كانون الثّاني / يناير 2022 - 06:12
تعديلات دستورية تمر من حلبة الملاكمة

أصر مجلس النواب الأردني أن يدخل موسوعة غينيس قبل نهاية عام 2021 حين أحال جلسة مناقشة التعديلات الدستورية إلى حلبة للملاكمة والمصارعة، وسجل رقما قياسيا بأطول عراك عنيف بالأيدي، هذا عدا عن التهديد والشتائم التي شارك بها العديد من النواب، بمن فيهم رئيس المجلس، عبد الكريم الدغمي.

أول الاشتباكات كانت بين الدغمي والنائب سليمان أبو يحيى الذي طلب من الرئيس رفع الجلسة حين احتدت المناقشات، وتعالت الأصوات احتجاجاً على تصريحات وكلام رئيس اللجنة القانونية، عبد المنعم العودات، فما كان من الدغمي إلا أن خاطب أبو يحيى متهما إياه أنه "يصب الزيت على النار"، فرد أبو يحيى واصفاً الرئيس بأنه لا يعرف شيئاً، فكان الجواب الفوري من الدغمي "إخرس وإطلع بره".

قبلها كان سجال آخر بين الدغمي والنائب رائد سميرات انتهى بتهديد رئيس المجلس له بطرده من الجلسة، فأجابه سميرات متندرا وساخراً "ناقص تحمل لنا قنوة".



هذه المشادات الكلامية جزء من مشهد سادته الفوضى تحت قبة البرلمان، وتحول مجلس النواب إلى محط سخرية على منصات التواصل الاجتماعي.

ما حدث يفتح الباب لسيناريوهات متخيلة ربما أهمها أن كل ما جرى كان ممنهجا، فالصراع الذي فجره التعديل المقترح بإضافة كلمة "الأردنيات" للمادة المتعلقة بحقوق الأردنيين سمح بخلط الأوراق، والأهم أن هذه المعارك "الطوش" تحرف البوصلة عن التعديلات الدستورية الجوهرية كي تمر بهدوء، ودون احتجاجات، ويبقى الناس منشغلين بفيديوهات الملاكمة، والضربات القاضية التي سددها النائب، حسن الرياطي.

مشاركة النائب عن كتلة الإصلاح حسن الرياطي أتاحت، وسمحت بمحاولة تسويق أن  "جماعة الإخوان المسلمين" التي تقود كتلة الإصلاح البرلماني هي من دبرت في ليل، وأشعلت الصراع لإفشال جلسة النواب، ورغم الضخ الإعلامي فإن توريط الإخوان بهذا السيناريو لم ينطلِ على الشارع، وباعتقادي أن ما حدث تحت القبة هو مزيج بين عمل ممنهج، ونمط من العبث، والأداء الهزيل للبرلمان.

ستمر التعديلات الدستورية كما أرادتها الدولة، والتغيير الذي أجراه النواب شكلي، ولن يتعدى تبديل اسم مجلس الأمن الوطني والسياسات الخارجية إلى مجلس الأمن القومي، وإلغاء النص الذي يضع العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني رئيساً له، وقد كان هذا مرسوما، ومعروفاً قُبيل بدء النقاشات، حين سُربت معلومات للصحافة اليومية بذلك، وحين تحدث رئيس اللجنة القانونية، عبد المنعم العودات أن الملك رأس الدولة، وهو حكماً يرأس السلطة التنفيذية، وبالتالي لا حاجة لهذا النص.

تملك الدولة "أغلبية مضمونة" في مجلس النواب، وبسهولة تستطيع أن تمرر ما تريد، وهي لا تمانع بمكاسرات، وصراخ، وتنديد من أقلية نيابية تعارض، فهذا من متطلبات توزيع الأدوار تحت القبة، لأن كل ذلك لا يُفضي إلا لجعجعة، والقرار يملكه في نهاية المطاف النظام.

وداعاً لدستور الملك طلال عام 1952، هذا ما يراه معارضون، وخبراء قانون، ورجال من صلب النظام الآن، فالتعديلات المهمة تعطي صلاحيات منفردة للملك في التعيين لكل القيادات العسكرية، والأمنية، والقضائية، والدينية، وكذلك رئيس الديوان الملكي، ووزير البلاط والمستشارين، وإذا ما أضيف له قيادة "مجلس الأمن القومي" فإن الحكومة تُنتزع صلاحياتها الرئيسية والجوهرية، لصالح حكومات ظل موازية، لا يمكن مراقبتها أو مساءلتها.

كل ذلك يجري تحت يافطة الإصلاح، وتحديث المنظومة السياسية، والاستعداد لحكومات حزبية برلمانية، وبالتالي فإن السلطة تريد هذه الحكومات "منزوعة الدسم"، وتقدم هذا التصور في سياق أبعاد السلطات العسكرية، والأمنية، والدينية، عن التجاذبات السياسية، وعن سيطرة الأحزاب.

التعديلات الدستورية، وتوسيع صلاحيات الملك مرتبطة بسيناريو افتراضي يُلقي سؤالا، ماذا لو حكم الإخوان المسلمين، أو حتى الشيوعيين بعد سنوات؟  هل يُعقل أن يكونوا قادرين على اختيار قائد للجيش، أو المخابرات، أو تعيين مفتي المملكة من أتباعهم، واستباقا لهذه السيناريوهات التي لا يُعرف احتمال حدوثها، تحصن هذه المواقع بإبقائها حصراً بيد صاحب العرش.

منذ تأسيس الدولة الأردنية كان التعيين في قيادة الجيش والمخابرات والأمن، والعديد من المواقع حكماً بيد الملك دون الحاجة للنص عليها، فلا أحد يُنازعه على سلطته، وأكثر من رئيس سابق للوزراء -ما زالوا شهودا- أبدوا حيرتهم واندهاشهم من هذه الانعطافة للنظام.

قدمت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية بعض التعديلات الدستورية تعتبر خطوة للأمام، تسعى لتمكين النساء والشباب، وتحاول أن تُنصف المرأة، لكن التعديلات بعمومها كانت تُمكن السلطة من إحكام سيطرتها أكثر، فطرح الثقة بالحكومة أصبح يحتاج لـ 25 بالمئة من أعضاء مجلس النواب، بعد أن كان 10 نواب يستطيعون أن يفعلوا ذلك، وأُعيد النص على أن رئاسة المجلس النيابي لعام واحد، وأن النواب يستطيعون حجب الثقة عن "الرئيس" في أي لحظة، مما يضعف استقلاليته، ويجعله تحت ضغط الأغلبية البرلمانية المضمونة التي في جيب السلطة دائما.

بالاعتذارات التي بدأها رئيس مجلس النواب، وتوالت على لسان نواب آخرين سعى البرلمان لترميم صورته المخدوشة مسبقا، وإطفاء نار الغضب في الشارع مما حدث، وبقي في جعبة اللجنة القانونية شكاوى متبادلة بين مجموعة من النواب، ومن المحتمل أن يُقدم بعضهم للمساءلة والعقاب كأكباش فداء.

 بعد إقرار التعديلات الدستورية، وبانتظار إقرار قانوني الانتخاب والأحزاب تكون صلاحية مجلس النواب قد أوشكت على الانتهاء، ويقترب حينها سيناريو الحل، وإن حدث، فإن الحكومة تكون قد أنجزت مهمتها، وقد تصمد إلى أن تجري انتخابات نيابية مبكرة، وقد ترحل قبل ذلك إيذانا بمرحلة سياسية جديدة، عمادها، وعنوانها مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وهذه المهمة حتما تحتاج قائدا جديدا، بمواصفات خاصة.

نضال منصور - الحره


© 2000 - 2022 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك