تقارير: حال من البلبلة لا تزال تشوب العلاقات السعودية- السورية

منشور 21 كانون الأوّل / ديسمبر 2009 - 07:24
قلّة لم تلاحظ ما قاله وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، لصحيفة "النيويورك تايمز" يوم الثلاثاء الماضي، وما يمكن أن ينعكس عنه على الصداقة السورية- السعودية في لبنان.

ووفق مجلة  لبنان الان فمن الأمور التي أشار إليها الأمير هو أنّ لبنان لا يمكن أبداً أن يكون سيّداً طالما أنّ "حزب الله " يمتلك أسلحة اكثر من الجيش الوطني". أما عن إيران فتابع قائلاً إنّه لا يجب السماح للجمهورية الإسلامية ببناء أسلحة نووية، قبل أن يذكر أنّه "يشك" بالتأكيدات أنّ البرنامج النووي الإيراني أهدافه سلمية.

ووفق المجلة  فلا شيء في هذا الكلام يشيرالى قرب حصول خلاف بين الرياض ودمشق. صحيح أن سعود الفيصل هو ليس صلة الوصل بين المملكة العربية السعودية وسوريا، وهو دور أوكل على ما يبدو الى ابن الملك عبد الله، عبد العزيز. ولكن كلامه يعبّر ضمنيا وبشكل واضح وإن غير مباشر، عن ماهية الأولويات السعودية في لبنان والشرق الأوسط، وبالتحديد احتواء إيران وممثّلها الأقوى "حزب الله".

ولعلّ الغموض الذي يلف زيارة سعد الحريري الى دمشق يشكّل إشارة إضافية الى أنّ الأمور ليست على خير ما يرام بين سوريا والمملكة العربية السعودية، اللتين لديهما مصلحة في البقاء على اتفاق؛ السعودية بهدف تحقيق مشروع الملك عبد الله بالوصول الى "الوحدة العربية" في وجه إيران الصاعدة، وسوريا لأنّ التقارب مع الرياض منحها مساحة كافية لإعادة التأكيد على فرض إرادتها في لبنان. وعلى الرغم من إعراب الحريري عن نيّته زيارة سوريا في وقتٍ قريب، فإنّ بعض التقارير تشير الى أنّ الدعوة الرسمية السورية سوف تتأخّر. وقد يعني ذلك أنّ السوريين يريدون فرض المزيد من الشروط على زيارته، بعد سماحهم لمدير مديرية الأمن العام السابق جميل السيّد، بإحراج رئيس الوزراء اللبناني من خلال طلبه مثول بعض المساعدين المقربين من الحريري أمام القضاء السوري.

غير أنّ السبب الرئيس للتوتر بين السعودية وسوريا هو علاقة سوريا بإيران. ففي حين لم تتضّح بشكل علني شروط التطور في العلاقات بين دمشق والرياض، يبدو واضحاً أنّ المملكة العربية السعودية تتوقّع من بشار الأسد أن ينأى بنفسه عن طهران بطرق واضحة وملموسة، وأن يساعد على احتواء "حزب الله". وحتى الآن لم تتوضّح الأمور على أي من الجبهتين، وسط بروز إشارات تدل على أن نظام الأسد ينوي أن يلعب على العداء بين السعودية وإيران ويستغله لصالحه.

فلنأخذ مثلاً، التظليل في المعلومات الذي قام به الوزير عدنان السيد حسين الأسبوع الماضي. فقبل زيارة الرئيس ميشال سليمان الى واشنطن، قال السيّد حسين- الذي يزعم أنّه من ضمن وزراء رئيس الجمهورية، ولكنّه في الحقيقة تحوّل الى ناطق باسم سوريا و "حزب الله"- قال إنّ الرئيس سوف يطلب من الأميركيين اعتبار تطبيق القرار 1559 مسألة داخلية لبنانية، وبالتالي "سحبها" من التداول في المجتمع الدولي. وفي النهاية تبيّن أنّ هذه المعلومات عارية عن الصحة، وأنّها مجرّد مؤامرة مُغرضة لتفشيل اللقاء مع باراك أوباما، مع أنّها تذكّر كذلك بأنّ الرئيس لا يستطيع أن يناور ضد مصالح سوريا و"حزب الله".

لا بدّ وأنّ هذه الحادثة وعّت السعوديين؛ فأدركوا أنّ السيد حسين مجرّد دمية ناطقة باسم سوريا و "حزب الله" اللذين يسعيان من خلاله الى الفرض على سليمان إلغاء قرار يدعو الى نزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية، لا سيّما "حزب الله". وهذا لا يعبّر إطلاقاً عن تطبيق الأسد "للأمور الملموسة" التي تتوقّعها منه الرياض للحدّ من نفوذ الحزب. وهو وضع السعوديين في موقف حرج مع الأميركيين (كي لا نقول المصريين) الذين بقوا مشككين بإمكانية أن تغيّر العلاقات الأفضل بين السعودية وسوريا السلوك السوري في لبنان، وأن تدفع الأسد الى قطع علاقته بطهران.

المشكلة تكمن بأنّ السعوديين باتوا اليوم سجناء الانفتاح على دمشق. وقدرتهم على التأثير في لبنان باتت أقل من قدرة سوريا، وبالتالي فإنّ أي جهد للتغيير في شروط الاتفاق قد يغيّر ميزان القوة في لبنان ضد الرياض وحلفائها المحليين. وهذا يعني بأننا أمام مرحلة غير واضحة المعالم في الحياة السياسية اللبنانية، حيث يمكن لسوريا أن تزيد من نفوذها، حتى فيما يستمر الملك عبد الله وبشار الأسد بوضع واجهة من الملاطفة والمجاملة لعلاقتهما.

وفي هذا السياق، يصبح بإمكاننا التفكير بما حصل فعليّاً في دمشق مؤخراً، حيث انفجر الجزء الخلفي من حافلة كانت تقل حجاجاً إيرانيين. السوريون زعموا بأنّ هذه الحادثة تسبب بها إنفجار إطار الحافلة، وهو تفسير يجده مضحكاً كل من يتفحّص صور الحادث، أو يسمع القصص التي يرويها شهود عيان. إذا كان السوريون يخفون شيئاً، فهذا يعني بانّهم يشعرون بالحاجة الى إخفائه. ما هو هذا الشيء؟ ما الذي حصل بالفعل؟ لا يسعنا سوى التكهّن، ولكن في سياق تصلّب المواقف على الجانبين السوري والسعودي، وبالنظر الى رمزية استهداف حافلة إيرانية، يصبح من الجائز التساؤل عمّا إذا كان الأمران متعلقين ببعضهما البعض بشكلٍ من الأشكال، بدون التوصّل الى أي استنتاجات.

العلاقات السورية- السعودية هي مزيج من المصالح المتوازية (في العراق)، التعاون الذي يفتقر الى الثقة المتبادلة (في عملية السلام العربي- الإسرائيلي وفي لبنان)، والعدائية الخفية والحذرة (تجاه إيران). وهذا لا يعبّد الطريق أمام علاقة استراتيجية جديدة بين الأسد والملك عبدالله، ولكنّه بالطبع يجعل التفكير بحصول طلاق بينهما أمراً معقداً جداً.

ولسوء الحظ، فإنّ لبنان سوف يبقى خط مواجهة في هذا الزواج القائم على المصلحة


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك