تقرير.. إسلاميو الأردن: من رحم النظام إلى حضن الربيع العربي

تاريخ النشر: 01 يوليو 2013 - 08:07 GMT
إسلاميو الأردن خرجو من رحم النظام
إسلاميو الأردن خرجو من رحم النظام

"انقلب السحر على الساحر"، حدث ذلك مطلع العام 2011 عندما ابتعدت الحركة الإسلامية في الأردن - كما لم تفعل سابقاً - عن حضن النظام الذي ترعرعت في كنفه على مدار ثمانية وستين عاماً من وجودها التنظيمي، طمعاً في جني قطاف "الربيع العربي" الذي وصلت حرارته إلى الأردن.

قبل "الربيع" كانت الحركة الإسلامية تضبط علاقتها مع النظام الأردني على قاعدة "لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة"، فهي أداة النظام في خمسينات القرن الماضي حارب فيها الأحزاب والتنظيمات القومية والشيوعية، وهي الوحيدة التي سمح لها بالبقاء عندما أعلن قانون الطوارئ في المملكة العام 1957 وحظّر بموجبه العمل السياسي.

وعلى القاعدة نفسها مثّلت الحركة الاسلامية القوة المعارِضة الرئيسية للنظام بعد إلغاء قانون الطوارئ وعودة الحياة الديمقراطية الى البلاد في العام 1989.

تتشكّل الحركة الإسلامية في الأردن من ذراعين تنظيميين، هما جماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في العام 1945، وحزب "جبهة العمل الاسلامي" الذي تأسس في العام 1992 كذراع سياسية للجماعة. حال "الشدّ والجذب" تلخِّص علاقة الحركة بالنظام، وفق ما يقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية حسن أبو هنية لـ"NOW"، وهذه الحالة بلغت مداها مطلع الربيع العربي، عندما رغبت الحركة الاسلامية بإسقاط الثورات العربية على الواقع الأردني طمعاً في تحصيل مكتسبات سياسية أكبر، من دون أن يبلغ طموحها حدّ إسقاط النظام كما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن.

طموح الحركة الاسلامية النهائي في الأردن تمثّل في إصلاح النظام وتعديل قانون الانتخابات النيابية بما يسمح بتشكيل حكومات برلمانية، وقد اعتقدت جازمة أن هذا التعديل سيمكّنها من الوصول الى رئاسة الحكومة وبالتالي إدارة شؤون البلاد، بحسب أبو هنيّة. لكنه طموح لم يتحقق حتى الآن، ليبقى التوتر سيد العلاقة.

بداية التوتر في علاقة الأصدقاء والحلفاء التاريخية (النظام والحركة الاسلامية)، يؤرّخ لها أبو هنية بالعام 1989 حين حصدت الحركة اثنين وعشرين مقعداً في مجلس النواب الذي كان عدد أعضائه آنذاك ثمانين نائباً، ما جعل النظام يستشعر خطر رغبة الحركة الإسلامية في المزيد من السيطرة على مواطن صنع القرار، فسعى الى محاصرتها.

لكن التوتر لم يصل حدَّ القطيعة حتى حين وقّع الأردن في العام 1994 اتفاقية "وادي عربة" للسلام مع اسرائيل، والتي اعتبرتها الحركة "خيانة للقضية الفلسطينية"، ولا تزال تطالب إلى الآن بإسقاطها، ورغم ذلك بقي الطرفان "وفيّين" للصداقة والتحالف التاريخيين.
نقطة أخرى في سجل الفراق كانت في العام 2006، حين وضعت الحكومة الأردنية يدها على الذارع الاقتصادية للحركة الإسلامية المتمثلة بجمعية المركز الإسلامي؛ ويقول أبو هنية إن سيطرة الحكومة على الجمعية كانت ورقة ضغط على الحركة الاسلامية، وخاصة على ذراعها السياسية حزب جبهة العمل الاسلامي".

وتكشف برقيةٌ صادرةٌ عن السفارة الأميركية في عمان بتاريخ 1 تشرين الاول /أكتوبر2009، سرّبها موقع "ويكيليكس"، قوةَ هذا المركز الذي كان يمثّلها بالنسبة للجماعة، إذ قدّرت الوثيقة موجوداته بأكثر من مليار ونصف المليار دولار.

الضغط كان موجّهاً يومها ضد أمين عام الحزب زكي بني ارشيد، الذي اعتُبِر شخصاً راديكالياً، انحدرت العلاقة في عهده، وهي تستمر في الانحدار.

ومع اطلالة الربيع العربي ووصول القوى الإسلامية في دول هذا الربيع الى السيطرة على مقاليد السلطة، كانت شهية الحركة الاسلامية الأردنية في الوصول إلى السلطة محطة جديدة في مسار التوتر المتصاعد مع النظام الأردني. واستثمرت الحركة الظرف الموضوعي للبلد في ظل احتقان سياسي وضعف اقتصادي، لتقود موجة التظاهرات التي بدأت مطالبها معيشية وتحولت الى سياسية، تطالب بإصلاحات تحجّم صلاحيات الملك، وتعديل قانون الانتخابات بما يمهّد لحكومة برلمانية.

لكن الإصلاحات لم تتحقق، فقررت الحركة الاسلامية معاقبة النظام بمقاطعة الانتخابات النيابية، رغم محاولات النظام الجاهدة لإقناعها بالمشاركة. ويقول بني ارشيد، الذي يشغل الآن منصب نائب مراقب جماعة الاخوان المسلمين، لـ"NOW" إن "الشعب يريد الاصلاح، ومطالبه واضحة، إذ يريد حكومات برلمانية تعبّر عنه ليصل الاردن الى الديمقراطية".

بني ارشيد يؤكد على "سلمية الحراك الاردني"، وهو الحراك الذي شهد على مدار عامين أحداث عنف لم تشهدها البلاد سابقاً، وبلغت ذروتها بمطالبات متفرقة بإسقاط النظام. وقد حمّل النظام الحركة الاسلامية مسؤولية جرّ البلاد الى ما لا تحمد عقباه، وجيّش أنصاره في مواجهتهم في واحدة من اكبر حملات الحشد السياسي في تاريخ المملكة، والتي وصلت حد الاعتداء على مقارّ الحركة ووصف قياداتها بـ"العملاء والمخربين والمموَّلين خارجياً".

في المقابل يحمّل بني ارشيد النظام مسؤولية الاحداث من خلال عدم استجابته للمطالب الاصلاحية، التي يقول إنها مطالب الشعب الاردني وليست مطالب الحركة الاسلامية فقط.

وبعد عامين على الربيع العربي يوجّه بني ارشيد سؤالاً إلى النظام الاردني: "هل تريد الإصلاح والبقاء، أم هل تريد الحفاظ على منظومة الفساد والاستبداد؟".

لم يتوقع أحد ان تصل العلاقة بين النظام والحركة الإسلامية في الأردن الى ما وصلت اليه، إذ بالرغم من التوتر القابل للانفجار الذي يحكمها اليوم، لا تزال الحركة تُتَّهم بأنها صنيعة النظام وأحد أهم ركائز بقائه، وهي تهمٌ يوجّهها القوميون واليساريون، ويرون ان للحركة ألف طريق وطريق تعود من خلالها الى رحم النظام تطبيقاً لقاعدة "لا عداوة دائمة".

لكن وبعد عامين على الحراك الأردني، وفيما يرى النظام أن "البلاد تجاوزت الربيع العربي"، لا يزال بني ارشيد مصرّاً على ان "الربيع العربي لم ينتهِ، والربيع الأردني مستمر".

رنا زعرور

لبنان الان