تقرير التنمية العربية 2004

منشور 06 نيسان / أبريل 2005 - 07:05

بعد ولادة عسيرة أدت إلى تأخيره أشهراً عدة، صدر رسميا الثلاثاء "تقرير التنمية العربية 2004"، تحت عنوان "نحو الحرية في الوطن العربي". وأجمع مراقبون على أنه "يتسم بالجرأة والحيادية في انتقاده للأوضاع، خصوصا تدني مستوى الحرية في جميع البلدان العربية".

وطالب التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالمشاركة مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وبرنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية(أجفند) بمباشرة إجراء إصلاحات قانونية وسياسية، والحد من احتكار السلطة الذي يحظى به المتنفذون في معظم دول المنطقة.

ورأى التقرير، الصادر بعد تأخير أشهر نتيجة العديد من الخلافات، ومنها الخلاف مع واشنطن حول بعض مضمونه الذي ينتقد احتلال العراق وفلسطين، انه "حتى مع وضع القهر الخارجي جانباً، فإن الحريات مستهدفة من سلطتين، أولاهما الأنظمة غير الديموقراطية وثانيتهما سلطة التقليد والقبلية المستترة بالدين أحياناً". مشيراً إلى أن "تضافر السلطتين على الحد من الحريات والحقوق الأساسية أدى إلى إضعاف مناعة المواطن الصالح وقدرته على النهوض".

ولفت التقرير إلى أن الحريات، خصوصا حرية الرأي والتعبير والإبداع، "تعاني أوجه الكبت والقمع في غالب البلدان العربية (...) إذ ظل الصحافيون مدى ثلاثة أعوام (2001- 2003) هدفاً لملاحقات قضائية متعددة في قضايا الرأي، فضلاً عن صدور أحكام قضائية قاسية بحق بعضهم".

وأوضح التقرير انه باستثناءات قليلة وشكلية في بعضها، لا تجرى في البلدان العربية المعنية انتخابات رئاسية حرة يتنافس فيها أكثر من مرشح في انتخاب عام.

وأشار الى كثرة العمليات الانتخابية التي تجرى على الساحة العربية، مضيفاً انها في غالبها طقوس إجرائية تمثل تطبيقاً شكلياً لاستحقاقات دستورية، عانى معظمها تزييف إرادة الناخبين، وتدني تمثيل المعارضة، وبهذا لم تؤد دورها المفترض كوسيلة للمشاركة.

وبينما عرج التقرير على الحقوق السياسية والاقتصادية في العالم العربي، من خلال دراسات أشارت إلى أن 32 مليون نسمة يعانون نقص التغذية، في 15 بلداً عربياً، انتقد أيضاً معاناة النساء مما سماه "عدم المساواة والتمييز ضدهن في القانون والواقع" رغم محاولات التطوير.

وجعل التقرير الحرية "عاملاً فاصلاً" كإشكالية في العلاقة بين الحرية في العالم العربي ومصالح القوى المهيمنة عالمياً. إذ يرى أن اكتشاف النفط وإنشاء دولة إسرائيل كان لهما أبلغ الأثر في مواقف الدول الكبرى حيال الحرية في الوطن العربي، بعدما أصبح تدفق النفط بأسعار مناسبة والموقف من إسرائيل عاملين يحددان الى درجة كبيرة رضا تلك القوى العالمية عن هذه الدولة أو تلك، بصرف النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما أدى إلى استفحال القمع والقضاء على فرص التحول الديموقراطي في الدول العربية.

وغمز التقرير من قناة الدساتير العربية من زاوية "إطلاق الحريات وإنشاء الأحزاب السياسية" موجهاً انتقادات إلى غالبية الدول العربية، وكذلك في ما يخص استقلال القضاء، إضافة إلى استئثار السلطة التنفيذية بالسيطرة على كل شيء، وبما يمنح رأس الدولة صلاحيات واسعة، وأحياناً مطلقة.

وركز على ثلاثة معوقات، هي: استمرار الاحتلال الاسرائيل للأراضي الفلسطينية، ثم احتلال الولايات المتحدة للعراق، وأخيرا تصاعد وتائر الإرهاب، بما يشمله الأول من تدمير لحياة الفلسطينيين، والثاني من خروج الشعب العراقي من واقع حكم مستبد ليواجه سلطة احتلال أجنبي أسوأ زادت معاناته الإنسانية، إلى الإرهاب بما خلفه من زرع للخوف في المجتمعات المدنية العربية.

وعرض التقرير الجديد لبعض الايجابيات في مجال الحرية في الوطن العربي، مشيرا الى توجه بعض الحكومات وفي شكل حذر نحو الانفتاح السياسي على قوى المعارضة، والافساح في مجال العمل العام، وذلك مع عدم نفي استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في عدد من الدول العربية، ومعاناة منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام من القيود في عدد آخر، مشيرا إلى مسألة تمكين المرأة حيث يرى أن المغرب حقق الإنجاز الأكبر بإصدار المدونة الجديدة للأسرة التي لبت الكثير من مطالب الحركة النسائية في ضمان حقوق النساء.

المعشر

وأقر نائب رئيس الوزراء وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء ومراقبة الأداء الحكومي في الأردن الدكتور مروان المعشر أن التقرير (وهو الثالث من ضمن سلسلة تقارير التنمية الإنسانية) "أثار الجدل والمناقشة قبل صدوره نتيجة اختلاف وجهات النظر حول نتائجه وتوصياته"، غير أنه لاحظ "وجود إجماع على ما حققه مثل التقارير السابقة التي ساهمت في تفكيك الصورة الحالية لواقع التنمية الإنسانية العربية وتحليلها وإعادتها إلى جذورها الأولى(...) إضافة إلى تقديم رؤية مجتهدة لسبل دفعها قدما وتجاوز أسباب تردي الأوضاع". وأشار إلى أن الأردن، بوصفه جزءا من العالم العربي يطمح الى بناء منطقة تتمتع بالسلام والطمأنينة والديموقراطية للوصول إلى مجتمعات مستقرة وآمنة توفر العيش الكريم لمواطنيها وتضمن نموا اقتصاديا وتقدما اجتماعيا وسياسيا مبنيا على مبادئ العدل والمساواة والكرامة الإنسانية.

ريما خلف

واعتبرت الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة ومديرة المكتب الإقليمي الدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الدكتورة ريما خلف أن التقرير وجد ان حال الحريات في العالم العربي تشكو من نقص بدرجات مختلفة، ولكن ترتفع مستوى الحريات الشخصية والاقتصادية مقارنة بالحريات السياسية، كما تعاني حرية الرأي كبتا وقمعاً.

وعرضت بعض الانتهاكات التي يعانيها العالم العربي، ومنها: "منع تشكيل الأحزاب في سبع دول عربية، كما تنتهك حريتها في البلدان التي تسمح بها من خلال منع تأسيسها أو حلها، وتنتهك حق المواطن في الحياة من السلطات أحيانا ومن جماعات متطرفة، وتهدر ضمانات المحاكمة العادلة بإحالة المدنيين على القضاء العسكري أو المحاكم الاستثنائية كما تستخدم الأخطار الخارجية وذريعة مكافحة الإرهاب وسيلة لإعلان حالة الطوارئ التي أصبحت حالة مستدامة في بعض الدول العربية بما يعصف بكل الضمانات المتعلقة بحقوق الأفراد وحرياتهم ويجعل السلطة التنفيذية في حل من قيود الدساتير والقوانين على نواقصها".

ورغم الصورة القاتمة التي رسمتها، لاحظت أن الساحة العربية "بدأت تشهد بعض الانفراج بعد تصاعد وتائر المناداة بالإصلاح من القوى السياسية والمدنية في أكثر من بلد عربي، وبدأ الأردن بإعداد أجندة وطنية ترجع الى الإصلاح الإداري والسياسي".

تركي بن طلال

ممثل برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية (أجفند) الأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز أمل في أن يتمكن التقرير بما شمل من مضامين تحليلية ونقدية "من توسيع الفضاءات العربية بمناقشات جدلية وحوارات موضوعية مطلوبة يمكن أن تفيد أكثر إذا تحسبت لما يمكن استشفافه (...) وهو الرغبة في تأصيل البحث بالعودة إلى الجذور وتأكيد تراكمية الفكر التنموي وعدم القطع مع الماضي". ودعا "كل الحرصاء على الإصلاح الحقيقي النابع من الذات إلى دعم هذا التوجه وتعزيز استقلاليته ليكون بمنأى عن أي تأثير سواء من قوى دولية أو حكومات المنطقة".

الأرياني

عضو فريق القراء للتقرير ورئيس الوزراء اليمني السابق الدكتور عبد الكريم الأرياني، الذي عرض للصعوبات التي واجهت إطلاق التقرير، حذر من "الاكتفاء بالتحدث والصراخ والمطالبة بالتحرر من النفوذ الخارجي قبل أن نحرر أنفسنا من قوالبنا الفكرية التي بنيناها داخلنا نتيجة إحباطاتنا التي خيمت على نفوسنا بفعل التدخلات الخارجية في شؤوننا التي حولناها "غلالة" تحجب عنا رؤية واقعنا "ومشجبا" نعلق عليه كل عللنا".

وقدم وصفا "أدبيا رائقا" لتعامل العرب مع رياح التغيير التي تهب على العالم، إذ قال: "من ضمن العقد والتعقيدات التي تعوق وصولنا إلى الحكم الرشيد أن الرماد الذي تذروه رياح التغيير في العالم على عيوننا جعلنا نلعن الرياح ونترك الرماد على حاله". متسائلا: "هل سننتظر نزول وحي التغيير علينا من السماء العليا حتى نقبل به؟!".

أبو المجد

عضو الفريق الاستشاري للفريق المعد للتقرير الدكتور أحمد أبو المجد، عرض للمنهجية التي استند إليها أعضاء الفريق عند إعدادهم التقرير، "بعيدا عن الحساسيات التي يولدها إسراف بعض غير العرب من الساسة والحكام في الإلحاح على ضرورة اتخاذ الإصلاح في العالم العربي منهجا يحددونه هم ولا يرضون عنه إلا بقدر استجابته رؤياهم ومعاييرهم في ما يعد صالحا وما لا يعد كذلك".

وتم إعداد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الجديد بواسطة مجموعة من المفكرين وواضعي السياسات والممارسين العرب، وهو الثالث في سلسلة البرنامج حول "التنمية الإنسانية في العالم العربي".

وتناول التقريران السابقان للعامين الماضيين ما يعانيه العالم العربي من نواقص تتمثل في ميادين المعرفة والحقوق السياسية وحقوق المرأة وأثارا العديد من ردود الفعل المؤيدة والناقدة داخل العالم العربي وخارجه. ويستهل التقرير الجديد الصادر أمس في جنيف مقدمته بالقول ان مبادرات إصلاح رسمية ومن منظمات المجتمع المدني طرحت منذ العام الماضي في الوطن العربي بغية معالجة بعض أوجه القصور في البلدان العربية.

وكان أهم المبادرات الرسمية "بيان مسيرة التطوير والتحديث" الذي صدر عن القمة العربية في أيار 2004 ودعا إلى استمرار الجهود وتكثيفها لمواصلة مسيرة التطوير العربية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، تحقيقا لتقدم المجتمعات العربية، النابع من إرادتها الحرة.

كما ظهرت مبادرات للقطاع الأهلي كان أهمها "إعلان صنعاء" الذي تمخض عن المؤتمر الإقليمي حول الديموقراطية وحقوق الإنسان، ثم "وثيقة الإسكندرية" التي صدرت عن مؤتمر قضايا الإصلاح العربي.

موجز تقرير برنامج الأمم المتحدة الانمائي والصندوق العربي للإنماء وبرنامج الخليج العربي لدعم المنظمات "أجفند"

العالم العربي يعاني نقصاً في الحريات والحكم الصالح... والإصلاح الجزئي لم يعد كافياً

يطرح التقرير معالجة متعمقة لنقص الحرية والحكم الصالح في العالم العربي، ولعل هذه القضية هي الاشد حضوراً في المناقشة الدائرة داخل المنطقة وخارجها في الوقت الراهن. وهذا التقرير هو الاصدار الثالث من سلسلة "تقرير التنمية الانسانية العربية" التي ترمي الى طرح نواة فكرية تعين في صوغ مشروع النهضة عبر حفز مناقشة جدية حوله في البلدان العربية.

لقد اضحت ازمة التنمية في الوطن العربي من الجسامة والتعقيد وتشابك الجوانب، بحيث اصبح اي اصلاح حق لاحدى النواحي المطلوبة لبناء نهضة انسانية في المنطقة يستلزم ان يمتد الى جنبات المجتمعات العربية كافة. فلم يعد الاصلاح الجزئي كافياً مهما تعددت مجالاته، بل ربما لم يعد ممكناً من الاساس بسبب احتياج الاصلاح الجزئي الفعال لبيئة مجتمعية حاضنة. ومن ثم، فإن الاصلاح المجتمعي الشامل في البلدان العربية لم يعد حرصاً على مصالح راهنة مهما كان نوعها. ذلك ان القيد السياسي على التنمية الانسانية في البلدان العربية هو الاكثر وطأة والابعد اعاقة لفرض النهضة فيها.

تطورات التنمية الانسانية منذ اصدار تقرير "التنمية الانسانية العربية 2003"

يبدأ التقرير، على النهج الذي درجت عليه هذه السلسلة، برصد الاحداث على المستويات القطرية والاقليمية والعالمية، التي يقدّر انها ستترك اثراً ملحوظاً على مجمل مسيرة التنمية الانسانية في الوطن العربي.

تصاعد وتائر المناداة بالاصلاح

طرحت منذ نشر تقرير "التنمية الانسانية العربية 2003"، مبادرات اصلاح، رسمية ومن منظمات المجتمع المدني، استهدفت معالجة بعض من اوجه القصور في البلدان العربية. وكان اهم المبادرات الرسمية "بيان مسيرة التطوير والتحديث" الذي صدر عن القمة العربية التي انعقدت في ايار 2004. ودعا البيان الى استمرار الجهود وتكثيفها لمواصلة مسيرة التطوير العربية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، تحقيقاً لتقدم المجتمعات العربية النابع من ارادتها الحرة. ودعا البيان تحديداً الى "تعميق اسس الديموقراطية والشورى، وتوسيع المشاركة في المجال السياسي والشأن العام وفي صنع القرار، في اطار سيادة القانون، وتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين واحترام حقوق الانسان وحرية التعبير... وضمان استقلال القضاء. "كما ظهرت خلال فترة اعداد التقرير مبادرات عديدة من القطاع الاهلي مطالبة بالاصلاح، كان اهمها "اعلان صنعاء" الذي تمخض عن المؤتمر الاقليمي حول الديموقراطية وحقوق الانسان ودور المحكمة الجنائية الدولية (صنعاء، كانون الثاني 2004). و"وثيقة الاسكندرية" التي صدرت عن مؤتمر "قضايا الاصلاح العربي، الرؤية والتنفيذ" (الاسكندرية آذار 2004).

وفي الوقت نفسه، صعدت القوى السياسية والمدنية في الوطن العربي من تحركها الايجابي نحو الاصلاح السياسي، وحققت اختراقات مهمة في بعض الاحيان. فقد نجحت المنظمات الحقوقية والسياسية في المغرب في حث الحكومة على الاعتراف بخروق سابقة، ابرزها ملف اختفاء المعارضين السياسيين، والسعي لمعالجة القضية.

وفي البحرين، بدأت اللجنة الوطنية للشهداء وضحايا التعذيب تطالب بتعويضات لعائلات الذين قتلوا وعذبوا بيد قوات الامن في الاحداث السياسية السابقة، كما طالبت بمحاكمة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الانسان، وفي سوريا، صعد اعضاء الجمعيات والمنظمات من مطالبتهم بإلغاء حالة الطوارئ واطلاق الحريات. كما اعلن "الاخوان المسلمون" مبادرة للاصلاح السياسي في مصر.

وشهدت المملكة العربية السعودية بداية هذا العام حيوية غير مسبوقة في المبادرات المدنية، تميزت بتقبل نسبي لها من الحكومة. وقدمت العديد من الوثائق لولي العهد تضمن بعضها مطالب بعض الجماعات الفرعية كالشيعة في الحريات الدينية والحقوق المدنية والمساواة بين المواطنين. ونددت اخرى باعمال العنف ودعت الى الانفتاح السياسي كمخرج للازمة الحالية. وطالب بعضها باصلاح وضع المرأة وضمان مشاركتها الكاملة في الحياة العامة. وتضمنت احدى هذه العرائض الدعوة لملكية دستورية واصلاحات سياسية اساسية منها الانتخابات والرقابة على المال العام واصلاح القضاء.

وفي فلسطين، نشطت منظمات المجتمع المدني في مختلف المجالات، من مقاومة الاحتلال الى الدفاع عن حقوق الانسان الى المساهمة في عمليات الاغاثة والمساعدات الانسانية والمطالبة بالاصلاح.

كما شهدت المرحلة محاولات للتغيير من الخارج، بدأت بمشروع الشرق الاوسط الكبير الذي طرحته الادارة الاميركية على مجموعة الدول الثماني. الا ان تحفظات من اطراف عربية ومن دول اوروبية، حدت الولايات المتحدة الى تعديل هذه المبادرة وطرح مشروع معدل اطلق عليه اسم "مشروع الشرق الاوسط الاوسع"، وُضعت له اهداف اكثر تواضعاً، وتم اقراره داخل مجموعة الدول الثماني في حزيران 2004.

غير ان مبادرات الاصلاح النابعة من داخل الوطن العربي والوافدة من الخارج، قامت في مناخ اقليمي وعالمي معوّق.

بيئة اقليمية ودولية معوقة

كان لاستمرار الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، ولاحتلال الولايات المتحدة للعراق، ولتصاعد وتائر الارهاب، آثار بالغة السوء على التنمية الانسانية العربية.

الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين يخنق الحرية ويعوّق التنمية الانسانية

فقد استمر انتهاك اسرائيل لحق الفلسطينيين في الحياة من خلال عمليات الاغتيال المباشر للقادة الفلسطينيين، وقتل المدنيين خلال اغاراتها على مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة. وبين شهري ايار 2003 وحزيران 2004، اسفرت عمليات القصف والاجتياح المتتالية عن مقتل 768 فلسطينياً واصابة 4064 آخرين. وبلغت نسبة القتلى من الاطفال تحت سن 18، 22,7% خلال تلك الفترة. كما واصلت اسرائيل انتهاك الحقوق والحريات العامة والشخصية للفلسطينيين. وتجلى ذلك في اعمال العقاب الجماعي التي اتخذت اشكالاً عديدة، منها الاعتقالات التعسفية والحبس والاغلاقات المتكررة للاراضي الفلسطينية.

وصعدت اسرائيل كذلك من سياسة هدم المنازل، وتخريب الممتلكات، وتجريف الاراضي. وفي شهر ايار 2004 وحده، تم تشريد قرابة اربعة آلاف فلسطيني في "رفح" نتيجة لتدمير منازلهم بواسطة جيش اسرائيل.

وادى ذلك كله الى تكبيد الفلسطينيين خسائر اجتماعية واقتصادية فادحة، فأضحى 58% من السكان يعانون من الفقر.

واستمرت اسرائيل في انشاء جدار الفصل الذي لا يحترم الحدود بين المناطق المحتلة واسرائيل، مما يشكل توسعاً متعمداً من اسرائيل على حساب فلسطين. وفي 9 تموز 2004، واستجابة لطلب الجمعية العامة للامم المتحدة، اصدرت محكمة العدل الدولية (لاهاي) حكماً استشارياً قضى بأن انشاء الجدار مناقض للقانون الدولي،وان على اسرائيل هدم ما انشئ منه في الاراضي المحتلة والتعويض عن جميع الاضرار المترتبة على انشائه.

تداعيات احتلال العراق على التنمية الانسانية

نتيجة لغزو العراق واحتلاله، خرج الشعب العراقي من تحت وطأة حكم استبدادي انتهك جميع حقوقه الاساسية وحرياته، ليقع تحت سلطة احتلال اجنبي زاد من معاناته الانسانية.

في ظل الاحتلال، تدهور امن المواطن العراقي واستبيحت حياته مجددا. وقدرت دراسة علمية اعداد الوفيات المرتبطة حصرا بالغزو والعنف المصاحب للاحتلال بنحو 100000 قتيل عراقي.

وبسبب فشل قوات الاحتلال في تنفيذ التزامها كسلطة احتلال، وفق اتفاقات جنيف في توفير الامن للمواطنين، شهد العراق انفلاتا امنيا غير مسبوق. وانتشرت اعمال القتل والارهاب في معظم ارجائه. وطالت المنظمات الدولية والجمعيات الانسانية، اضافة الى المدنيين العراقيين.

وكانت النساء هن الاكثر معاناة، حيث تعرضن منذ الاحتلال للخطف والاغتصاب من قبل عصابات محترفة. كما تعرضت سجينات للاغتصاب من جنود الاحتلال في بعض الحالات.

وتعرض الآلاف من العراقيين للاعتقال والتعذيب. وعومل المعتقلون وغالبهم من المدنيين، معاملة لاإنسانية ولاأخلاقية في سجن ابو غريب وغيره من سجون الاحتلال، مما شكل انتهاكا واضحا لاتفاقات جنيف.

من ناحية اخرى ،لم تنجح سلطات الاحتلال حتى في توفير الخدمات الاساسية. فلم تصل قوات الاحتلال ببعض الخدمات (مثلا الكهرباء والماء والهاتف) الى مستويات ما قبل الحرب. وقد بين تقرير اميركي ان سلطات الاحتلال لم تنفق على اعادة اعمار العراق حتى نهاية تشرين اول 2004 سوى 1,3 مليار دولار من اصل 18,4 مليار دولار خصصها الكونغرس الاميركي لهذا الغرض، اي اقل من 7%.

مواجهة النواقص الثلاثة، تقدم يخالطه تراجع

اقدمت بعض البلدان العربية خلال هذه الفترة على خطوات للتغلب على النواقص الثلاثة في المعرفة والحرية وتمكين المرأة. الا ان التقدم نحو هذه الغاية كان متفاوتا، وعانى مجال الحرية، على وجه الخصوص، نكسات.

وشهدت تلك الفترة تطورات ايجابية في ميدان التعليم كان اهمها تنامي الاهتمام بنوعيته. فشاركت تسع دول عربية في دراسة الاتجاهات الدولية في الرياضيات والعلوم. واتخذ اتحاد الجامعات العربية قرارا بانشاء مؤسسة مستقلة لتقييم نوعية التعليم العالي.

وفي مجال تعزيز الحكم الصالح، بدأت بعض الحكومات العربية توجها حذرا وانتقائيا نحو الانفتاح السياسي على قوى المعارضة وافساح مجال العمل العام. ورغم ذلك، تراجعت مؤشرات المشاركة الشعبية، واستمرت انتهاكات صارخة لحقوق الانسان، وعانت منظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام تشديد القيود عليها. كما تعرض المراسلون الصحفيون للقتل خاصة على ايدي قوات الاحتلال. فقد وصل عدد المراسلين الذين قضوا خلال عام 2003 في البلدان العربية الى 14 مراسلا، قتل 12 منهم في العراق، من ضمنهم خمسة على ايدي قوات الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة واثنين من قوات الاحتلال الاسرائيلية في فلسطين.

كما استمر انتهاك حقوق الجماعات الفرعية خاصة في دارفور، حيث ظل الصراع مستعرا وتفاقمت المعاناة الانسانية رغم التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار، وتدخل من المجتمع الدولي.

وفي مجال تمكين النساء، حقق المغرب الانجاز الاكبر باصدار المدونة الجديدة للاسرة التي لبت الكثير من مطالب الحركة النسائية في ضمان حقوق النساء، وبخاصة في ما يتصل بالزواج والطلاق ورعاية الابناء. وشهدت معظم البلدان العربية اطراد ارتقاء النساء لمناصب عليا في الجهاز التنفيذي، وتوسيع فرص مشاركتهن في المجالس النيابية.

عند التمعن في مجمل التطورات التي امكن رصدها منذ اصدار تقرير "التنمية الانسانية العربية" الثاني، يمكن الخلوص الى ازمة التنمية الانسانية في البلدان العربية لم تشهد بعد انفراجا يعتد به. وثمة بدايات اصلاح في اكثر من مجال من تلك التي يدعو لها التقرير، ولكنها ما زالت جنينية ومتناثرة. ولا خلاف في ان بعض الاصلاحات التي قامت حقيقية وواعدة، ولكنها لا ترقى في مجملها الى مستوى القضاء على مناخ كبت الحرية المستقر.

حال الحرية والحكم

لا مراء في ان الحرية شرط ضروري وحيوي، وان لم يكن الوحيد. لقيام نهضة عربية جديدة. كما ان قدرة العالم العربي على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية مرهونة بمدى انحسار الاستبداد وبمدى تقدم قضية الحقوق والحريات الاساسية.

ويتفاوت نطاق مفهوم الحرية بين حدين: الاول ضيق يقصرها على الحقوق والحريات المدنية والسياسية، والثاني شامل يضيف الى الحريات المدنية والسياسية – بمعنى التحرر من القهر – التحرر من جميع اشكال الحط من الكرامة الانسانية، مثل الجوع والمرض والجهل والفقر والخوف. وذلك هو النهج الذي يسلكه هذا التقرير.

الا ان الحرية هي من الطيبات الانسانية الخواتيم التي تحتاج بنى وعمليات مجتمعية تفضي اليها وتصونها، وتضمن اطرادها وترقيتها. وتتلخص هذه البنى والعمليات المجتمعية الضامنة للحرية في نسق الحكم الصالح الذي يقوم في المحاور التالية:

صون الحرية بما يضمن توسيع خيارات الناس (يحمي جوهر التنمية الانسانية).

الارتكاز الى المشاركة الشعبية الفعالة، مع تمثيل شامل لعموم الناس.

الاعتماد على المؤسسات بامتياز، نقيضا للتسلط الفردي، بحيث تعمل مؤسسات الحكم بكفاءة وبشفافية كاملة، وتخضع للمساءلة الفعالة في ما بينها في ظل فصل السلطات والتوازن بينها، ومن قبل الناس مباشرة من خلال الاختيار الدوري الحر النزيه.

سيادة القانون، المنصف والحامي للحرية، على الجميع على حد سواء.

سهر قضاء كفء ونزيه ومستقل تماما على تطبيق القانون، وتنفيذ السلطة التنفيذية احكامه بكفاءة.

ولا يكون الفرد حرا تماما الا في مجتمع / وطن حر. فأين حال الحرية والحكم في الوطن العربي من هذا الانموذج؟

الحريات المدنية والسياسية: بين النقص والنقص الفادح

يتدنى مستوى التمتع بالحرية في جميع البلدان العربية، وان بدرجات متفاوتة. فالحريات، حتى عندما نضع القهر الخارجي جانبا، مستهدفة من سلطتين: سلطة الانظمة غير الديموقراطية، وسلطة التقليد والقبلية المتسترة بالدين احيانا. وادى تضافر السلطتين على الحد من الحريات والحقوق الاساسية الى اضعاف مناعة المواطن الصالح وقدرته على النهوض.

تعاني الحريات، لا سيما حرية الرأي والتعبير والابداع، وجوها من الكبت والقمع في معظم البلدان العربية، باستثناء اختراقات محدودة في بعض البلدان او بعض النواحي. فقد ظل الصحافيون مثلا على مدار ثلاثة اعوام (2001 – 2003) هدفا لملاحقات قضائية متعددة في قضايا الرأي، وصدرت في حق بعضهم احكام قضائية قاسية، وتعرض بعضهم لاعتداءات بدنية او للاحتجاز. وقد وصف تقرير "مراسلون بلا حدود" لعام 2002 المنطقة بأنها ثاني اكبر سجن للصحافيين في العالم. وادى اتفاق وزراء الداخلية العرب على استراتيجيا لمكافحة الارهاب في مستهل العام 2003 الى مزيد من القيود على حرية الرأي والتعبير، بل وعلى غيرها من حقوق الانسان.

وشملت انتهاكات حرية الرأي والتعبير الاعتداء على الناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الانسان بسبب ابداء ارائهم.

وامتد التضييق على حرية الرأي والتعبير الى صنوف الابداع الادبي والفني كافة. بل ان محاولة الهيمنة على الفكر في بعض الدول العربية وصلت درجة منع التداول لروائع اغنت التراث العربي ككتاب "النبي" لجبران خليل جبران، وكتاب "الف ليلة وليلة".

كما انتهكت حرية تكوين الجمعيات برفض تأسيس جمعيات او حلها. وانصبت معظم هذه الاجراءات السلبية على المنظمات الاهلية العاملة في مجال حقوق الانسان وباستثناءات قليلة، وشكلية في بعضها، لا تجري في البلدان العربية المعنية انتخابات رئاسية حرة يتنافس فيها اكثر من مرشح في انتخاب عام. في بلدان عربية ثلاثة فقط هي الجزائر والسودان واليمن وفي رابعة تحت الاحتلال هي فلسطين، يجري انتخاب الرئيس من خلال انتخابات مباشرة يتنافس فيها اكثر من مرشح ويقيد حكم الرئيس المنتخب فيها بفترات محددة. وما زالت سوريا ومصر تعتمدان اسلوب الاستفتاء، حيث يتم ترشيح الرئيس من مجلس الشعب، ثم يجرى استفتاء شعبي. وتراوح النتائج في مثل هذه الاستفتاءات الرئاسية بين الاكثرية المطلقة والاجماع التام.

وثمة مجالس نيابية منتخبة كليا او جزئيا في بقية الدول العربية باستثناء دولتين، هما السعودية والامارات، ولكن رغم كثرة العمليات الانتخابية التي تجري على الساحة العربية، ظلت ممارسات الحق في المشاركة طقوسا اجرائية تمثل تطبيقا شكليا لاستحقاقات دستورية. وعانى معظمها تزييف ارادة الناخبين وتدني تمثيل المعارضة. وبهذا لم تؤد الانتخابات دورها المفترض كوسيلة للمشاركة او تداول السلطة، فاعادت انتاج الفئات الحاكمة نفسها في معظم الحالات.

كما تستباح الحياة الخاصة والشخصية في بعض الدول العربية، تارة من السلطات السياسية عبر خرق حرمة المنزل، والرقابة على المراسلات الخاصة والتنصت على المكالمات الهاتفية، وطورا من فئات اجتماعية باسم العرف والتقاليد.

الانسان المحاصر خارج الحريات الاساسية

تنتهك بعض السلطات الحق في الحياة، خارج اطار القانون والقضاء. وتلاحظ منظمات حقوقية ان البيانات الرسمية التي تصدر حول عمليات القتل تتميز بقلة المعلومات، ولا تشير في بعض الدول حتى الى اسماء القتلى. ولا يجري اي تحقيق معلن في هذه الحوادث.

وتنتهك الحق بالحياة ايضا جماعات متطرفة من خلال التصفيات الجسدية والتفجيرات وتسويغ العنف. كما ان المواجهات المسلحة التي تدور بين السلطات الامنية والجماعات المسلحة تؤدي الى وقوع ضحايا بين المدنيين، تفوق نسبتها بينهم نسبتها بين المتقاتلين.

وتشهد المنطقة منذ بدء الحملة الدولية لمكافحة الارهاب ارقاما غير مسبوقة في الاعتقالات، وتنتهك الضمانات القانونية للمجردين من حريتهم، ويتعرض كثيرون منهم للتعذيب وسوء المعاملة. ولا يكفل لهم حتى ضمان سلامتهم الشخصية في السجون والمعتقلات ومراكز الاحتجاز. ولعل مشكلة المفقودين في السجون هي من المآسي التي لا تزال تؤرق العديد من المواطنين في الدول العربية كافة.

كما تُهدر ضمانات المحاكمة العادلة في العديد من البلدان العربية، من خلال احالة المدنيين الى القضاء العسكري، واستخدم اشكال القضاء الاستثنائي المتعددة مثل محاكم الطورىء ومحاكم امن الدولة والمحاكم الخاصة والمحاكم العرفية.

القهر الخارجي يترافق مع استهداف للحقوق من الأنظمة والتقليد المتستر احياناً بالدين

الفئات الحاكمة تعيد إنتاج نفسها والقوى الدولية تعامت حتى وقت قريب عن الانتهاكات

الإقصاء خارج المواطنة

لعل اقصى اشكال الاقصاء خارج المواطنة هو امكان سحب الجنسية من المواطن العربي الذي تتيحه بعض التشريعات العربية بمقتضى قرار اداري من مسؤول حكومي دون مستوى الوزير في بعض الحالات.

انتهاك حقوق الجماعات الفرعية

غير ان الانتهاك المعمم لحقوق الانسان في البلدان العربية يتحول الى انتهاك ابشع حين يتضاعف بالتقاطع مع خصوصيات ثقافية، دينية او عرقية. ففي مناطق النزاعات المزمنة في العراق والسودان، عانت الجماعات الفرعية اضطهاداً سافراً او مبطناً.

ويشمل هذا الصنف من القهر المزدوج للجماعات الفرعية في بعض البلدان العربية الخليجية فئات اخرى عدة يأتي في مقدمهم "البدون"، والمتجنسون. وينظر للفئة الاولى كأجانب، وتعامل الفئة الثانية كمواطنين من الدرجة الثانية لا يحق لهم الترشح في الهيئات التمثيلية أو التصويت في الانتخابات. كما تتكرر الظاهرة نفسها مع فئة "اصحاب البطاقات" في المناطق الحدودية في السعودية، والاكراد المحرومين من الجنسية اثر تعداد 1962 في سورية، و"الاخدام" في اليمن. ولا تنجو العمالة الوافدة في البلدان العربية النفطية، بما في ذلك العرب، من معاناة بعض اشكال التمييز حسب المعايير الدولية، اشتهرت من بينها مسألتا نظام "الكفيل" واساءة معاملة عمال الخدمة المنزلية، خاصة النساء.

وتخلق الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية حالتين شاذتين في موريتانيا والسودان. ففي الاولى تعاني طائفة "الحراطين" (الارقاء المحررين) من اشكال شبيهة بالرق. اما في السودان، فقد ادى النزاع المسلح الى عمليات اختطاف متبادل بين القبائل المنغمسة في النزاع العسكري للنساء والاطفال في اشكال شبيهة بالرق ايضاً.

الاقصاء المزدوج: المرأة

تعاني النساء بشكل عام من عدم المساواة بينهن وبين الرجل، ومن التمييز ضدهن في القانون وفي الواقع. وعلى الرغم من الجهود المطردة لتطوير وضع المرأة، تظل هناك مجالات عديدة تتعثر فيها الجهود، ويمكن اجمالها في: المشاركة السياسية للمرة، وتطوير قوانين الاحوال الشخصية، وادماج المرأة في عملية التنمية، وحرمان المرأة المتزوجة من اجنبي من منح الجنسية لابنائها، وعجز النظام التشريعي القائم عن كفالة الحماية للنساء في مجال العنف في الوسط العائلي او العنف الصادر عن الدولة او المجتمع... كما يبلغ العنف ضد النساء ذروته في مناطق النزاعات المسلحة، خاصة في السودان والصومال والعراق.

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

تبين نتائج الدراسات التي اجريت على خمسة عشر بلداً عربياً، ان 32 مليون شخص يعانون نقص التغذية، اي ما يقارب 12% من مجموع سكان هذه الدول. وفي التسعينات، ازداد العدد المطلق لناقصي التغذية في الوطن العربي بأكثر من ستة ملايين نسمة، وكانت اسوأ النتائج في الصومال والعراق. وما زال الاعتلال الجسدي ينتاب سنوات حياة المواطن العربي. فإذا ما استبعدنا سنوات المرض من توقع الحياة عند الميلاد، يفقد العربي للمرض عشر سنوات او اكثر من حياته المتوقعة. اما التعليم، فينتقص من انتشاره كمياً، مستوى غير مقبول من الامية الهجائية (حوالي ثلث الرجال ونصف النساء، 2002) وحرمان بعض الاطفال العرب، مهما قلت نسبتهم، حقهم الاصيل في التعليم الاساسي. وينتقص من قيمته جوهرياً التردي النسبي في نوعيته، بمعنى افتقار المتعلمين للقدرات الاساس للتعلم الذاتي وملكات النقد والتحليل والابداع.

تصور العرب لتمتعهم بالحرية

صمم فريق التقرير، بالتعاون مع بعض مؤسسات قياس الرأي العام، مسحاً ميدانياً لتقصي مفهوم الحرية عند العرب، وللتعرف على تقديرهم لمدى التمتع بالحريات المختلفة في بلدانهم. ونفذ المسح في خمس دول عربية فقط (الجزائر والاردن وفلسطين ولبنان والمغرب)، تضم حوالي ربع العرب.

وعبر المجيبون في البلدان العربية الخمسة عن مستوى اعلى نسبياً من التمتع بالحريات الفردية، في حين اعربوا عن تقديرهم بقلة نسبية في التمتع بالحريات العامة، خصوصاً تلك المعبرة عن الحكم الصالح. فجاءت حريات التنقل والزواج والملكية وحرية "الاقليات" في ممارسة ثقافتها الخاصة على رأس مكونات الحرية المتحققة برأي المجيبين، بينما كان اقلها تحققاً قيام معارضة فعالة، واستقلال الاعلام والقضاء، وشفافية الحكم وامكان مساءلته، ومحاربة الفساد.

وحول التغير في مدى التمتع بعناصر الحرية المختلفة (ان كان قد تحسن او تراجع) في السنوات الخمس السابقة على وقت المسح، قدر المجيبون ان اعلى تحسن في التمتع بعناصر الحرية تحقق في مجال الحريات الفردية، مثل المساواة بين النوعين وحرية الزواج والفكر والتحرر من الجهل والمرض، وحرية "الاقليات" في ممارسة ثقافتها وحرية المنظمات الاهلية والتعاونية. هذا على حين قدروا ان أشد معدلات التدهور في التمتع بالحرية كانت في مجالات محاربة الفساد، وشفافية الحكم ومساءلته، واستقلال القضاء والمساواة امام القانون، بالاضافة الى انتشار الفقر.

البنى المعوقة للحرية

لماذا بقي العرب الاقل تمتعاً بالحرية بين مختلف مناطق العالم؟ وما الذي يفرغ المؤسسات "الديموقراطية"، حين تنشأ في العالم العربي، من مضمونها الاصلي الحامي للحرية؟

لقد حاول البعض تفسير هذا التفارق في سياق اشكالية العلاقة بين الشرق والغرب وثنائيتها، والتي عادة ما تربط القطب الاول بـ"الاستبداد" باعتباره سمة للشرق والحضارة الشرقية، في حين تربط القطب الثاني بالحرية باعتبارها ميزة للحضارة الغربية. كما ادعى البعض احياناً ان العرب والمسلمين لا يمكن ان يكونوا ديموقراطيين، وبسبب العروبة "العقلية العربية" او الاسلام. الا ان الدراسات تشير الى ان هنالك تعطشاً، منطقياً ومفهوماً، لدى العرب لنبذ الحكم التسلطي والتمتع بالحكم الديموقراطي. ففي مسح القيم العالمي، الذي شمل تسع مناطق من العالم بما فيها البلدان الغربية المتقدمة، جاء العرب على رأس قائمة الموافقة على ان "الديموقراطية افضل من اي شكل آخر للحكم". كما جاؤوا بأعلى نسبة رفض للحكم التسلطي (حاكم قوي لا يأبه لبرلمان او انتخابات).

ولا ريب ان السبب الرئيسي لاخفاق عملية التحول الديموقراطي في العديد من الاقطار العربية لا يرجع الى مسائل ثقافية بقدر ما هو تعبير عن تضافر بنى اجتماعية وسياسية واقتصادية عملت على غياب او تغييب القوى الاجتماعية والسياسية المنظمة القادرة على استغلال ازمة النظم التسلطية والشمولية، وبالتالي الى افتقار الحركة الديموقراطية الى قوة دفع حقيقية. اضافة الى ذلك، فان ثمة بعض الاشكاليات التي خصت هذا الجزء من العالم دون سواه وساهمت في تعميق ازمة الحرية.

اشكاليات الحرية والحكم في مطالع الالفية الثالثة

التناقض بين الحرية في البلدان العربية ومصالح القوى المهيمنة عالمياً

برز في النصف الاول من القرن الماضي عاملان قدر ان يصبح لهما ابلغ الاثر في مواقف الدول الكبرى تجاه الحرية في المنطقة العربية، هما اكتشاف النفط وانشاء دولة اسرائيل. فقد ادى اكتشاف النفط بوفرة في المنطقة، وتعاظم دوره في الاقتصادات المتقدمة الى ان يصبح تأمين تدفق النفط باسعار مناسبة على رأس مصالحها في المنطقة العربية. ونظراً الى ارتباط مصالح بعض الدول الغربية باسرائيل، اصبح من اهم معايير رضى هذه القوى، بخاصة الولايات المتحدة الاميركية، عن دولة عربية ما هو موقفها من دولة الاحتلال الاسرائيلي وممارساتها.

وكانت النتيجة ان تعامت القوى الدولية، حتى وقت قريب، عن انتهاكات حقوق الانسان في البلدان العربية ما دامت الدول المعنية لا تهدد هذه المصالح. وترتب على ذلك استفحال القمع والقضاء على فرص التحول الديموقراطي في البلدان العربية.

وزادت احداث الحادي عشر من سبتمبر بعدا اضافياً لهذا التوتر حين اختارت الادارة الاميركية الحالية التضييق على الحريات المدنية والسياسية، بخاصة للعرب والمسلمين، سبيلاً لمكافحة "الارهاب" كما تعرّفه. وقد ادى لجوء بعض البلدان الغربية الى ممارسات تعد قمعية وتمييزية، خاصة بالنسبة الى العرب والمسلمين، الى اضعاف موقف القوى المطالبة بالحرية والحكم الصالح في البلدان العربية في مواجهة سلطات لم تعد ممارساتها تختلف جذرياً عن النموذج الذي كان يعد المثال للحرية والديموقراطية في العام.

حرية بلا حركات سياسية تناضل من أجلها؟عانت قضية الحرية قلة حضور حركات سياسية عربية ذات عمق جماهيري واسع تناضل من اجلها. اذ لم تضع الحركات السياسية التي لاقت رواجاً شعبياً واسعاً، خاصة التيار القومي العربي والتيار الاسلامي لاحقاً، الحرية على رأس اولوياتها الفعلية. وحين أولت هذه الحركات اهتماما لقضية الحرية، طغى عليها بعد التحرر الوطني الذي ساهم في اعلاء اولويته، ولا شك، اتقاد الصراع مع القوى الاستعمارية في النطاقين الاقليمي والعالمي.

تفسيرات مناوئة للحرية

التيار الرئيسي في الفقه الاسلامي مع الحرية من دون حيف. وترى التأويلات الاسلامية المستنيرة في آليات الديموقراطية، عندما تستقيم، واحدا من الترتيبات العملية التي يمكن ان تستخدم لتطبيق مبدأ الشورى. ومن المبادئ الجوهرية في الاسلام التي توجب اقامة الحكم الصالح، تحقيق العدل والمساواة، وكفالة الحريات العامة. وحق الامة في تولية الحكام وعزلهم، وضمان جميع الحقوق العامة والخاصة لغير المسلمين.

غير ان هذه المبادئ السامية، والتفسيرات المستنيرة النابعة منها، لا تنفي ان تفسيرات للاسلام ما فتئت توظف من قوى سياسية، سواء في السلطة او المعارضة، لدعم التسلط او ترسيخه في المستقبل – وذلك هو الاحتمال الاكثر خطرا.

فخ الانتخاب لمرة واحدة

استعملت الانظمة العربية ما سمي "فخ الانتخاب لمرة واحدة" في المجتمعات الاسلامية لتخويف الفئات المجتمعية المتطيرة من ارتقاء جماعات اسلامية متشددة سدة الحكم في البلدان العربية. كما استعمل لتبرير تدخل قوى خارجية في دعم نظم حكم تسلطية، بدعوى ان افساح المجال لجميع القوى المجتمعية، ومن انشطها سياسيا التيار الاسلامي، سينتهي بوصول هذه القوى للحكم والاستبداد به بحيث يصبح التنافس الديموقراطي تاريخا منقضيا بعد هذه المرة الوحيدة.

التذرع بالخصوصية للتنصل من التزام حقوق الانسان

يقصد بحقوق الانسان في الفقه المعاصر مجموعة الحقوق التي تضمنتها المواثيق الدولية والمكفولة للانسان لمجرد كونه انسانا، بصرف النظر عن جنسه ودينه ولونه وعرقه وفكره وعقيدته. ولكن كثيرا ما تثار قضية "الخصوصية" في البلدان العربية بفرض الانتقاص من عناصر القانون الدولي لحقوق الانسان.

ورغم وجود اجتهادات فقهية توفق بين القانون الدولي لحقوق الانسان والشريعة، يستند البعض الى تفسيرات تقليدية سائدة للشريعة الاسلامية تركز على التباين بينهما، للمناداة بعدم الالتزام بالشرعة الدولية لحقوق الانسان.

البنية القانونية

ان الظاهرة التي تميز البناء التشريعي العربي في تعامله مع قضايا الحريات العامة وحقوق الانسان هي الفجوة بين مختلف المستويات التشريعية (الالتزامات الدولية، والدساتير، والتشريعات العادية)، وبين هذه المستويات التشريعية من ناحية وواقع الممارسة الفعلية من ناحية اخرى.

دساتير تمنح الحقوق، وقوانين تصادرها

حريات الرأي والفكر والتنظيم: تتضمن العديد من الدساتير العربية احكاما خاصة بحرية الفكر والرأي والمعتقد، وبحرية الاجتماع السلمي وتكوين الجمعيات والانضمام اليها. الا ان الدستور قد ينص في صلب مواده على عدد من القيود على حق تكوين الجمعيات حفاظا على متطلبات الامن القومي او الوحدة الوطنية. ويسمح بالظاهرة الحزبية في 14 بلدا عربيا، في حين تحظر الجماهيرية الليبية والبلدان العربية الاعضاء في مجلس التعاون الخليجي (السعودية، والامارات، وقطر، والبحرين، والكويت وسلطنة عمان) تشكيل الاحزاب السياسية فيها.

وتحيل الدساتير الى التشريع العادي لتنظيم الحريات والحقوق. وغالبا ما يجنح التشريع العادي الى تقييد الحق، بل مصادرته احيانا، تحت ستار تنظيمه. وبهذا يفقد النص الدستوري على الحقوق والحريات – رغم ما قد يوجد فيه احيانا من قصور – كثيرا من جدواه، ليتحول الى مجرد واجهة دستورية تتفاخر بها الدولة امام المجتمع الدولي، رغم كونها لافتة فارغة من اي مضمون حقيقي. من تلك النصوص التشريعية التي تحظر او تقيد ممارسة حقوق الاضراب والتظاهر والتجمهر والاجتماع السلمي.

وفي الدول التي تقوم على الاقرار الدستوري بالتعددية الحزبية، اشترط المشرع ضرورة الترخيص المسبق لانشاء اي حزب من هياكل يغلب على تشكيلها الطابع الحكومي، وتضع تشريعات اخرى شروطا غير منضبطة لنشاط الاحزاب تفتح الباب امام ممارسة الدولة سلطة الحل بزعم مخالفة هذه الشروط.

اما انشاء الجمعيات الاهلية وممارسة نشاطها في البلدان العربية فيخضع لقيود شديدة ولرقابة صارمة، وذلك باستثناء عدد قليل من التشريعات العربية التي تنحو منحى ليبراليا في تعاملها مع مؤسسات المجتمع المدني مثل المغرب ولبنان.

ومن قبيل الانتهاكات التشريعية لحقوق الانسان في البلدان العربية القوانين التي تقيد حرية الصحافة او تصادرها بدعوى التنظيم. يتحقق ذلك من طريق نص التشريع على جواز الرقابة المسبقة (في احدى عشرة دولة) او اللاحقة على الصحف، او تلك النصوص التي تفرض القيود على حق اصدار الصحف بحيث تجعل من الترخيص باصدار الصحيفة وسحب هذا الترخيص سلاحا في يد السلطة التنفيذية. ولم يرد نص على حق الصحافي في الحصول على المعلومات والاخبار، الا في تشريعات خمس دول عربية هي مصر والسودان واليمن والاردن والجزائر.

ان المشرع العربي في تنظيمه لحرية الرأي والتعبير، بما في ذلك التنظيم القانوني للصحافة ووسائل الاتصال الجماهيري، يغلب ما يتصوره هو من اعتبارات للامن والمصلحة العامة على قيم الحرية والتعددية واحترام حقوق الانسان. وبهذا تمتلئ التشريعات العربية العقابية منها وغير العقابية بعديد من النصوص التي تنظر الى النشر الصحافي والبث المسموع والمرئي وممارسة حرية التعبير عموما على انها انشطة خطرة تجدر احاطتها بسياجات قوية من المحظورات والقيود التي تفرض على هذه الانشطة جزاءات رادعة(...).

دولة "الثقب الاسود"

تجسد الدولة العربية الحديثة الى حد كبير التجلي السياسي لظاهرة "الثقب الاسود" الفلكية، حيث تشكل السلطة التنفيذية "ثقبا اسود" يحول المجال الاجتماعي المحيط به الى ساحة لا يتحرك فيها شيء ولا يفلت من اسارها شيء.

نجد هذه المركزية المتزايدة في الجهاز التنفيذي مضمنة في النصوص الدستورية للدول المعنية، التي تمنح رأس الدولة صلاحيات واسعة، باعتباره الرئيس الاعلى للجهاز التنفيذي ولمجلس الوزراء، وللقوات المسلحة، وللقضاء والخدمة العامة.

اضافة الى الصلاحيات المطلقة المركزة في يد الجهاز التنفيذي، فان هناك آليات اضافية تتيح للحاكم مزيدا من تركيز السلطات في يده. وعلى سبيل المثال، فان ما يسمى بالاحزاب الحاكمة (إن وجدت) ما هي في الواقع الا مؤسسات تابعة للجهاز التنفيذي، حيث يتم تعيين المسؤولين الحزبيين (او المرشحين في حال الانتخابات) من الرئيس الذي يعتبر في الوقت نفسه رئيس الحزب. وهذا يعني عمليا ان البرلمان يصبح جهازا بيروقراطيا يعينه الجهاز التنفيذي ولا يمثل الشعب بحق.

اضافة الى ذلك، فان الجهاز التنفيذي يستخدم القضاء العادي والاستثنائي لاقصاء وتحجيم الخصوم والمنافسين وحتى بعض الاتباع المتمردين. ويقترن هذا بما يسمى "الفساد المسكوت عنه"، حيث يسمح للانصار المقربين باستغلال مناصبهم للاثراء غير المشروع، في حين يظل "تطبيق القانون" عليهم سلاحا مشهرا لضمان استمرار ولائهم الكامل.

وتعتبر اجهزة المخابرات هي الآلية الاهم في تعزيز سلطة الجهاز التنفيذي. وهذه الاجهزة ليست مسؤولة امام الاجهزة التشريعية او الرأي العام، اذ تخضع مباشرة لهيمنة الرئيس او الملك. وتملك صلاحيات تفوق صلاحيات اي جهاز آخر. ويمتلك الجهاز الامني موارد هائلة، ويتدخل في جميع صلاحيات الجهاز التنفيذي، خاصة في ما يتعلق بقرارات التوظيف وتقنين الجمعيات، حتى اصبح من الشائع اطلاق صفة "دولة المخابرات" على الدولة العربية المعاصرة.

ولئن تفاوتت الدول العربية في تجسيدها لهذه الملامح العامة، وخاصة في هامش الحريات الذي تسمح به دون ان تعتبره تهديدا، فان القاسم المشترك بين الانظمة هو تركيز السلطات في قمة هرم الجهاز التنفيذي، والتأكد من ان هامش الحريات المتاح (الذي يمكن تضييقه بسرعة عند اللزوم) لا يؤثر في القبضة الصارمة على السلطة.

ازمة الشرعية

في غياب شرعية تستمد من ارادة الاغلبية، لجأت معظم الانظمة العربية الى الاستناد الى شرعيات تقليدية (دينية/ قبلية) او ثورية (قومية/ تحريرية) او ابوية تدعي الوصاية على المجتمع بحكمة "رب العائلة". بيد ان الفشل في التصدي للقضايا الكبرى مثل قضية فلسطين والتعاون العربي، ووقف التدخل الاجنبي، والتنمية الانسانية، اضافة الى ضعف تمثيل الدولة العربية للقوى الفاعلة في المجتمع وقيام مواجهة بينها وبين هذه القوى، جعلها تواجه ازمة شرعية مزمنة. فباتت بعض هذه الانظمة تركز في خطابها للجماهير على شرعية الانجاز (او الوعد به) في مجالات محددة، مثل الاقتصاد، او السلام، او الرخاء والاستقرار، او المحافظة على القيم والتقاليد. وكان مجرد الحفاظ على كيان الدولة في مواجهة تهديدات خارجية في بعض الاحيان انجازا يكرس الشرعية.

وتعضد بعض الانظمة الآن شرعيتها باعتماد صيغة مبسطة وفعالة لتبرير استمرارها، وهي كون هذا النظام بعينه اهون الشرين، وخط الدفاع الاخير ضد الاستبداد الاصولي او ما هو اسوأ، اي الفوضى وانهيار الدولة، وهو ما اسماه البعض "شرعية الابتزاز".

ومع تآكل شرعية الابتزاز، بسبب الادراك المتزايد بان عدم وجود البديل الصالح هو في حد ذاته ثمرة من ثمرات سياسات الانظمة التي اغلقت منافذ العمل السياسي والمدني بما يمنع تبلور البدائل، فان استمرارية "دولة الثقب الاسود" اعتمدت الى حد كبير على اجهزة التحكم والدعاية، اضافة الى تحييد النخب بالترغيب والترهيب، والمسارعة الى عقد الصفقات مع قوى الهيمنة الاجنبية او الاقليمية، او الى التكتل في ما بين الدول، لتعزيز وضع النخب الحاكمة ضد القوى الصاعدة.

القمع وافقار السياسة

يتأرجح وضع المجال السياسي العربي اليوم بين دول تنهج المنع القاطع لأي تنظيم حزبي، وبين دول تسمح بتعدد حزبي مشروط، غالبا ما يشمل بالتحديد حظر أهم واقوى حزب معارض، مع انحياز الدولة الى حزب تنشئه السلطة، ويسمى "الحزب الحاكم". وتضع الدول التي تسمح بالعمل الحزبي عراقيل في وجه احزاب المعارضة، تتمثل في حرمانها الموارد والتغطية الاعلامية، والتحكم في اجراءات الترشيح والانتخاب، واستخدام القضاء والجيش والاجهزة الامنية لتحجيم نشاطها، وملاحقة قادتها وناشطيها والتأثير في نتائج الانتخابات.

وتعاني احزاب المعارضة، اضافة الى ما تواجهه من قمع رسمي، مشكلات داخلية لا تقل خطورة. برغم احتكام هذه الاحزاب نظريا في نظمها الى الديموقراطية، فان الممارسة تكشف عن تسلط النخبة السياسية النافذة في غالبية هذه الاحزاب، فترتب عن ذلك ان اصبحت القيادات ابدية لا تنتهي في الغالب الأعم الا بالوفاة، مع استثناءات نادرة، مما شكك في شعاراتها الحداثية والديموقراطية.

وهناك الانشقاق "الطائفي" الحاد في المجتمع السياسي بين الاحزاب الاسلامية من جهة، والاحزاب العلمانية من ليبرالية وقومية من جهة اخرى (مع وجود انقسامات طائفية اخرى مذهبية وعرقية وقبلية واقليمية). وقد دفع هذا التشرذم الطائفي بعض الاحزاب والقوى السياسية الى تفضيل التعاون مع الحكومات غير الديموقراطية على التعاون مع منافسيها الحزبيين لارساء اسس حكم ديموقراطي يكون مفتوحا للجميع.

وادى وضع العراقيل امام مشاركة احزاب المعارضة في السلطة، الى تهميش بعض الاحزاب وضمورها. كما ولد قدرا كبيرا من عدم الثقة في العملية السياسية برمتها، ودفع بالبعض الى اختيار العمل السياسي السري، وانتهاج اساليب العنف والارهاب، او الى السلبية السياسية. من جهة اخرى، ولد اغلاق الفضاء السياسي اقتناعا لدى بعض الناشطين والباحثين بضرورة التعويل على منظمات المجتمع المدني، وخصوصا النقابات والمنظمات المهنية باعتبارها المؤهلة اكثر من الاحزاب السياسية العربية لقيادة المجتمع العربي نحو التنمية والديموقراطية.

الا ان المجتمع المدني يواجه مشكلة المجتمع السياسي مع السلطة بصورة لا تقل عنفا، حيث تسعى السلطة الى الهيمنة على مؤسسات المجتمع المدني بطريقة مباشرة او غير مباشرة، عبر استراتيجيا ثنائية من الاحتواء والقمع. كما تعاني بعض منظمات المجتمع المدني من تبعيتها للاحزاب السياسية العربية التي تتخذها واجهة لتوسيع نفوذها السياسي في الاوساط الشعبية، مما يفقدها القدرة على المبادرة والحركية الذاتية.

ونتيجة لهذا كله، لم تحقق منظمات المجتمع المدني الآمال المعلقة عليها في تجاوز الأزمة السياسية القائمة، بل اصبحت بدورها اسيرة لها، وجزءا من تجلياتها.

تلازم مناخ القمع واشاعة الفساد

كان الفساد الاقتصادي نتيجة طبيعية للفساد السياسي. ويأخذ الفساد في بعض البلدان شكل "الفساد البنيوي"، حيث يعتبر الاستغلال الشخصي للمنصب والتصرف في المال العام امرا طبيعيا في العرف السائد (مثل اخذ العمولات في الصفقات مع الدولة). ويأخذ شكل "الفساد الصغير" في بلدان اخرى ويقصد به اضطرار المواطنين في البلدان العربية للجوء الى توظيف الوساطة والمحسوبية، او لدفع رشوة، للحصول على خدمات كثيرا ما تكون مشروعة، أو لتفادي عقاب ما من جهات الادارة.

واذا كانت معالجة الفساد تحتاج الى اجراءات تشمل، فيما تشمل، اصلاح الاوضاع الاقتصادية وتفعيل القانون وآليات المحاسبة، وضمان الشفافية في الحكم، فان الفساد البنيوي لا علاج له الا باصلاح جذري للبنية السياسية.

البنى المجتمعية سلسلة خنق حرية الفرد

انعكست أزمة البنية السياسية على التنظيم المجتمعي في البلدان العربية بحيث بات هذا الاخير يحمل بذور وأد الحرية. اذ يمكن تشبيه هيكل التنظيم المجتمعي في البلدان العربية، على شدة تنوعه، بسلسلة متشابكة الحلقات – تبدأ من التنشئة في نطاق الأسرة، مرورا بمعاهد التعليم وعالم العمل، والتشكيلة المجتمعية، وانتهاء بالسياسة، في الداخل ومن الخارج – حيث تقتص كل حلقة من الفرد قسطا من الحرية وتسلمه، مسلوبا ذلك القسط من حريته، الى الحلقة التالية من السلسلة لتقتص بدورها نصيبها من حرية الفرد.

تقوم الأسرة، وحدة المجتمع العربي، الى حد يتفاوت من سياق مجتمعي لآخر، على العصبية التي تفرض الرضوخ والتبعية، والتي تعتبر عدوة للاستقلال الذاتي والتجرؤ على الفكر وبناء كيان فريد واصيل. وقد اشتدت العصبية وقوي تأثيرها السلبي على الحرية والمجتمع بسبب غياب او ضعف البنى المؤسسية، المدنية والسياسية، التي تحمي الحقوق والحريات وتساند كينونة الانسان. فكان عندها البديل الوحيد المتاح للفرد هو الاحتماء بالولاءات الضيقة التي توفر له الامن والحماية. وقوّى من العصبية ايضا قلة ما عليه القضاء وتقاعس السلطة التنفيذية عن انفاذ احكامه، مما يجعل المواطنين غير مطمئنين الى حقوقهم خارج اطار العصبية.

وما ان يدخل الطفل المدرسة، حتى يجد مؤسسة تعليمية تغلب على المناهج واساليب التعليم والتقويم فيها نزعة التلقي والخضوع التي لا تسمح بالحوار الحر والتعلم الاستكشافي النشط، ولا تفتح، من ثم، الباب لحرية التفكير والنقد، بل تضعف القدرة على المخالفة وتجاوز الراهن. ويتركز دورها المجتمعي في اعادة انتاج التسلط في المجتمعات العربية.

ولكن التعليم، على تعدد اوجه قصوره، وخصوصا عند الوصول الى مراحله الاعلى، يبقى مصدرا اساسيا للمعرفة والاستنارة، وخميرة لقوى التغيير.

وعندما يتخرج الطالب، وبعد ان يقدّر لفترة البطالة ان تنقضي، يلتحق بأدنى درجات سلم مقيّد جامد، خاصة في الخدمة المدنية.

وفي عالم السياسة، تكتمل حلقات سلسلة خنق الحرية، حيث يزيد من الوقع القهري على الفرد ضيق المجال العام وضعف منظمات المجتمع المدني التي يمكن ان يحتمي بها الشخص من ضعفه كفرد، مما يعظم من قدرة قوى القمع على البطش بحريات الافراد، ناهيك بتنزيل القهر من العالم الخارجي.

ويتحول حصار سلسلة خنق الحرية، مع الوقت، الى حصار داخلي للذات، يصبح فيه الانسان على نفسه رقيبا، يحارب في ذاته كل نزعة للقول والفعل. وقد دفعت هذه التركيبة المعقدة بمواطنين، وحتى مثقفين عرب الى حالة من الاستكانة يغذيها الخوف – الانكار لواقع القهر الرديء، بل والرضوخ السلبي له. ولكن ثمة شواهدعلى ان تزايد الضيق بواقع القهر قد وصل الى حالة من الاستنفار تهدد الرضوخ – الانكار المعتاد، حتى بين فئات مجتمعية كانت حتى وقت قريب تعد من دعائم نسق الاستبداد الراهن، وتدفع الانسان للمطالبة بالحرية.

نمط انتاج يكرس الحكم التسلطي

يفصم نمط انتاج الريع العلاقة الاساسية بين المواطنين، كمصدر للايرادات العامة من خلال الضرائب، وبين الحكم، باعتباره معتمدا على تمويل المواطنين لأداء مهامه، ومن ثم معرضا لمساءلته عن كيفية استخدامه لموارد الدولة التي يقدمها المواطنون من خلال دفع الضرائب، بل يتاح للحكم في نمط انتاج الريع ان يلعب دور المانح، السخي احيانا، الذي لا يطلب مقابلا في صورة ضرائب او رسوم. ويحقق لهذا المانح – المانع ومن ثم، توقع الولاء، في ظل ذهنية العصبية، من رعاياه (...).

مختتم: سدرة المنتهى

قد يبدو من التحليلات السابقة ان ديار مجتمع الحرية والحكم الصالح في البلدان العربية دونها اهوال. وهذا صحيح لا مراء فيه. ولكن علينا ان نتذكر ان منتهى هذه المسيرة العسيرة مقصد هو من النبل بحيث يستحق العناء.وقد حان الأوان لتعويض ما فات. والمؤمل الا تتأخر الامة العربية ثانية عن الامساك بالمسار التاريخي المؤدي الى الموقع الذي يليق بها في عالم جديد شجاع ونبيل، تساهم في اقامته وتنعم بالانتماء اليه.

* عن صحيفة "النهار" اللبنانية 6/4/2005

مواضيع ممكن أن تعجبك