تناقض المصالح المحلية والدولية يعصف بشروط التوافق السياسي بين الموالاة والمعارضة في لبنان

تاريخ النشر: 04 نوفمبر 2006 - 06:24 GMT
أججت مسودة الاتفاق مع الأمم المتحدة لإقامة محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري ورفاقه، وبسائر الأحداث الأخرى من اغتيالات ومحاولات اغتيال حتى نهاية العام 2005، الخلافات مجددا بين مكونات الساحة السياسية اللبنانية وغدا الاتفاق بين الحكومة ومعارضيها حلما بعيد المنال.

الرئيس اللبناني إميل لحود المختلف على شرعية ولايته الحالية رفض المسودة واعتبرها غير مناسبة لمعالجة ملف قضية اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، أما حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله وأحد اللاعبين الرئيسيين في الساحة السياسية اللبنانية، فقد اختار هذه المرة قناة المنار الذراع الإعلامية لحزبه، ليرد على مسودة الاتفاق لكن بطريقته الخاصة، فقد أمهل الحكومة الحالية مدة أسبوع لتمضي قدما في خيار حكومة الوحدة الوطنية بما يضمن الفاعلية لممثلي حزب الله وحركة أمل والتيارات الموالية عموما، وإلا فالموعد مع المظاهرات الشعبية في شوارع العاصمة بيروت.

لم تنشغل حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة ذات الأغلبية النيابية كثيرا باعتراضات الرئيس إميل لحود على المحكمة الدولية ولم تعدها من اختصاصات الرئيس وحده لأنها لا تدخل في سياق المعاهدات الدولية، وطالبت بمعالجة الأزمة من أساسها وإلغاء التمديد القسري لإميل لحود رئيسا للجمهورية، لكنها أولت تصريحات حسن نصر الله ما تستحقه من أهمية، لأنها تعبر عن رأي سياسي لفريق عريض في الساحة السياسية يمكنه أن يؤثر في سير الحياة السياسية والعامة في لبنان، لا سيما وأن حزب الله ليس حركة مقاومة فحسب بل أيضا تيار شعبي يعبر عن وجهة نظر سياسية لقطاع من اللبنانيين.

وقد اعتبر السنيورة هذه التصريحات التصعيدية الصادرة عن زعيم حزب الله تعبر عن رغبة مسبقة في تأزيم الوضع السياسي وعرقلة مساعي التوافق، لمعالجة مخلفات الحرب.

أما وزير الدفاع الياس المر فقد قال إنه سيطلب من مجلس الوزراء تكليف الجيش بحفظ الأمن في العاصمة ومواكبة التظاهرات التي يمكن أن تشهدها بيروت بدعوة من قوى المعارضة لإسقاط الحكومة، وأكد أن الشغب ممنوع وكذلك التخريب أو التدمير أو السلاح، في رد مباشر على تصريحات نصر الله للنزول إلى الشارع.

الإدارة الأمريكية التي تراقب الوضع في لبنان بدقة اعتبرت ما جاء في رسالة الرئيس إميل لحود بشأن مسودة المحكمة وما صرح به زعيم حزب الله، خطة متكاملة ومدروسة بدقة من حزب الله وسورية وإيران بهدف الإطاحة بحكومة السنيورة وعرقلة مساعي تشكيل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري ورفاقه.

واعتبر البيت الأبيض على لسان توني سنو المتحدث باسم البيت الأبيض أن أي مظاهرات لإسقاط الحكومة المنتخبة ديمقراطية هي مؤامرة واضحة تنتهك سيادة لبنان والقرارات الدولية 1559 و1680 و1701.

وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس حذرت من موجة اغتيالات جديدة تطال عددا من السياسيين اللبنانيين فيما فهم على أنه اتهام مبكر للجهات المتورطة في اغتيال الحريري لخلق بلبلة أمنية تعيق جهود تشكيل المحكمة الدولية. لكن تحذيرات رايس تزامنت مع تحليق للطيران الإسرائيلي في أجواء لبنان بكثافة عدها البعض مؤشرا على حرب إسرائيلية خاطفة على مواقع لبنانية محددة، لا يملك حزب الله ولا الجيش اللبناني حتى وسائل كافية للرد عليها.

الانتقادات الأمريكية المساندة لتيار الرابع عشر من آذار استقبلت في العاصمة اللبنانية بيروت بكثير من الشك والريبة، فقد عدها نبيه بري ـ الذي طرح مبادرة للحوار لقيت استحسان الجميع - بمثابة الحب القاتل، وقال في تصريحات صحفية له:"نطمئن البيت الابيض أن اللبنانيين لديهم من العراقة الديموقراطية ما يجعلهم يحتكمون للحوار والتشاور وليس لنصائح حماة اسرائيل التي تخرق القرارات الدولية كل يوم وطائراتها لا تفارق أجواءنا ودائما تحت سماء القرارات الدولية وآخرها القرار 1701 دون ان يصل هدير محركاتها الى سماء البيت الابيض".

أما دمشق المحاصرة منذ عدة أشهر من كل جانب فقد سارعت إلى نفي أي علاقة لها في التخطيط لأي محاولة انقلابية على حكومة فؤاد السنيورة، ووصفت الاتهامات الأمريكية بالسخيفة وطالبت واشنطن في بيان للسفارة السورية في واشنطن باحترام سيادة لبنان وعدم تحريض بعضه على البعض الآخر، أو تحريضه ضد دول أخرى.

ونفت دمشق ما روجت له بعض الأوساط السياسية والأمنية من أنها تمرر الأسلحة عبر أراضيها إلى حزب الله وقالت بأنها تحترم سيادة لبنان.

وقد اعتبر كتاب وسياسيون لبنانيون مستقلون أن شهادة الإدارة الأمريكية في حق الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة تضعف موقف هذه الأخيرة بالنظر إلى حجم الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية، ليس في منطقة الشرق الأوسط سواء كان في العراق أو في الأراضي الفلسطينية، وإنما في موقفها الداعم لإسرائيل أثناء عدوانها على لبنان في الحرب الأخيرة.

وقال طلال سلمان رئيس تحرير صحيفة السفير في افتتاحيته اليوم: "بالتأكيد فليس مما يزيد في مكانة فؤاد السنيورة علواً أو في الثقة بكفاءته أن تجعله الإدارة الأمريكية رابع الثلاثة: قرضاي أفغانستان ومالكي العراق ومحمود عباس السلطة الفلسطينية. كذلك فليس مما يطمئن اللبنانيين إلى قوة تمثيل حكومتهم للأكثرية أن تأتيها الشهادة من واشنطن مرة في اليوم، على الأقل، وأحياناً ثلاث مرات في اليوم الواحد".

وإذا كانت أزمة الاتفاق على المحكمة الدولية ذات الصلة باغتيال رفيق الحريري ورفاقه ممكنة التجاوز، إذ من حق مجلس الأمن أن يعلن تشكيلها دون العودة إلى الرئيس لحود لحود أو الحكومة اللبنانية، فإن ما يخشاه اللبنانيون أن تستفحل الخلافات مجددا بين الموالين والمعارضين وتعيد عجلة الصراع اللبناني إلى مربع الشارع المخيف. وهو أمر يرشحه أغلب المراقبين إذا لم تستطع النخب اللبنانية أن تتجاوز ولاءاتها الخارجية لعدد من الدول الإقليمية ذات المصالح السياسية المتناقضة والإنصات إلى ما تمليه حاجة اللبنانيين للاستقرار ومعالجة مخلفات الحرب الإسرائيلية.

وإذا كان مطلب حل الحكومة الحالية مجحفا برأي كثير من المراقبين المحايدين بحق التجربة الديمقراطية اللبنانية وبحق الحكومة نفسها التي أبلت بلاء حسنا برأي الكثيرين في الدفاع سياسيا عن لبنان طيلة أيام الحرب، فإن الأمل معقود على خيار توسعة للحكومة الحالية على نحو يستوعب مطالب الفريقين في الإصلاح وتجاوز مخلفات الحرب الإسرائيلية