نسيم الخوري
تقيم في ذاكرة الأكراد أبداً تجربة حية قابلة للتكرار تكاد تكون مجهولة من الكثيرين اسمها "مهاباد" . هذه تجربة تكاد تنسحب، للأسف، على الكثير من الأقليات المرشوشة فوق مساحات الوطن العربي وتضاعيفه . طبعاً هذا الإنسحاب يرضع سراً أو جهاراً من أثداء "إسرائيل" والغرب المطواع لها ولرغباتها واستراتيجياتها من دون محاججة، لكنه يقوى في النبرة والميول والرغبات والتحركات الطافية على سطح التجارب الكثيرة المبعثرة دينياً ومذهبياً بعدما أفرزتها خفايا "ثورات الربيع العربي" من مقاربات الإخوان وصولاً الى النصرة و"داعش" وغيرهما من المسميات الكثيرة التي تسمم جوهر الدين الإسلامي وتشوه صورته في الأرض لكنها تقويه بما يخالف أركانه وفضائله . وهنا وجه الخطورة والمسؤولية . لا يمكن تحديد المسؤولية في نظري في زمنٍ ما عدنا نفهم شيئاً عند الكلام الشائع عن المجتمع الدولي أو الإقليمي وحتى المحلي بسبب ملامح التمزقات المتعددة .
وعلى الرغم من أن "مهاباد" وغيرها من الأفكار المماثلة حية وتستيقظ بقوة بفضل "داعش" وغيرها، فإن الطرق نحو حلم الاستقرار محفوفة بالمحاذير والمخاطر، سواء أكان الأمر في تركيا والعراق وإيران المسكونة على الدوام بتضامن جدي للحد من أية سلطة تعطي الأكراد تفكيراً جدياً من تكرار تجربة مهاباد، أو كان الأمر في تجارب أخرى مرتقبة على الطريق .
ما هي "مهاباد" أولاً؟
تعتبر جمهورية "مهاباد" الكردية الجمهورية المخطوفة الأقصر عمراً في تاريخ الجمهوريات في التاريخ، والتي تمكن الأكراد من إعلانها في إيران . فقد تمكن الأكراد من إعلان دولتهم المستقلة هذه خلال فترة لم تتجاوز الأحد عشر شهراً، أي بين يناير/كانون الثاني وديسمبر/كانون الأول ،1946 وذلك بعد دخول الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية (وقد احتفل العالم ومعه ألمانيا بذكراها المئة على شواطئ النورماندي في فرنسا قبل شهر) إلى جانب الحلفاء في يونيو/حزيران 1941 وهي حرب كان لها تأثير كبير في الحركة القومية الكردية في إيران .
سميت هذه الجمهورية "مهاباد"، وهي منطقة تقع بين مناطق النفوذ السوفييتي في شمالي إيران والنفوذ البريطاني في جنوبها . بدأت هذه الدولة في منطقة كانت فارغة من السلطات الإيرانية، نواتها جمعية أنشأها مثقفون أكراد باسم "جمعية من أجل تجديد كردستان" عرفت باسم "كومالا" وحظيت بدعم السوفييت وحمايتهم، إلى أن حولها القاضي الكردي محمد إلى "الحزب الديمقراطي الكردي" الذي وضع دستور الاستقلال الذاتي، وفرض تعليم اللغة الكردية، وإدارة الأكراد لحكمهم الذاتي في أولويات برنامجه .
وفي 22 يناير/كانون الثاني ،1946 أُعلنت "جمهورية مهاباد" الكردية وانتُخب القاضي محمد رئيساً لها في 11 فبراير/شباط، ودعمها مصطفى البرزاني بمؤازرة عسكرية أتت من العراق . وكان شعاع تلك الدولة 80 كلم فقط . كان لها علمها ووزاراتها وجيشها وصحافتها وإذاعتها وبرامجها التعليمية باللغة الكردية، وباشرت علاقاتها الخارجية مع أذربيجان المجاورة التي كانت قد أعلنت بدورها انفصالها عن إيران في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1945 .
وبعد انسحاب الحلفاء من إيران، في مايو/أيار ،1946 أسقطت طهران "جمهورية مهاباد" في 17 يناير/كانون الأول ،1946 وعاد البرزاني مع رجاله إلى العراق ثم التجأ إلى الاتحاد السوفييتي ليعود إليه بعد ثورة عبد السلام عارف، في العام ،1958 أما رئيس "دولة مهاباد"، فقد تم شنقه فيها في 30 مارس/آذار ،1947 في مهاباد .
في ضوء تجربة "مهاباد"، وتجربة الحكم الذاتي للأكراد في ال ،1970 وجشع "داعش" التي لا تشبع، كما يظهر من توسيع رقعة نفوذها، ينشط مسعود البرزاني رئيس كردستان الفدرالية في العراق اليوم الى إعلان جمهوريته المستقلة وتوسيعها لتضم مناطق خلافية تعوم فوق كنوز من النفط مثل كركوك الذي يهرب الى "إسرائيل" عن طريق تركيا التي كانت السباقة في توقيع اتفاقات نفطية مع كردستان العراق . لماذا "إسرائيل"؟
لأنها منذ أن استردت مصر سيناء والعدو "الإسرائيلي" يحدق نحو الموصل بعدما افتقد مصادر الحصول على النفط الذي كان يسطو عليه في الصحراء المصرية وكان يسد احتياجاته ويصدر الفائض عنها، وهو حاول ويحاول وسيبقى يحاول الولوج إلى العراق وغير العراق بهدف هذه المادة الحيوية . ولطالما عرضت "إسرائيل" وبمختلف السبل والأساليب على العراق إحياء خط الموصل - حيفا، وكانت تجابه بالرفض من قبل العراق كما من قبل تركيا الذي كان يعني العرض بالنسبة إليهما خسائر كبرى أهمها إغناء الأكراد من وراء تكريرهم له وإعادة تصديره عائدات وأموال طائلة، لا سيما وأنه خط قد يحل إن تحقق مكان خط كركوك - جيهان .
هل ننسى المياه كأحد أهم العوامل الحيوية التي تجعل "إسرائيل" تتطلع وتتواجد بشكل دائم نحو مياه العراق وخصوصاً مناطق الأكراد الموصوفة بخصوبتها وينابيعها؟ قطعاً لا، لأن القيمة الاستراتيجية للمياه ترتفع، كما النفط، مع حاجة "إسرائيل" الماسة لهذه السلعة الحيوية التي لا تسدها لا مياه الضفة الغربية ولا مياه الأنهر اللبنانية في الجنوب اللبناني التي انتهكت إبان الاحتلال، ولا مانع في قناعات العدو من شرائها كما لا مانع لديه من شراء الكهرباء التي لن تجد "إسرائيل" تعثراً، ربما، في الحصول عليها من هناك .
إضافة الى النفط والماء، يمكننا رصد فتح الأسواق العراقية وغيرها أمام البضائع "الإسرائيلية"، كما المساهمة مع الشركات البريطانية والأمريكية في مشاريع إعادة إعمار العراق كهدف استراتيجي قريب في التطبيع وعملياته، وهذا كله يصب في مجرى الهدف الاستراتيجي البعيد الهادف إلى تقويض جدار الرفض العربي للعدو "الإسرائيلي" على الرغم من انهياراته وتداعياته الكثيرة المتعددة الألوان والوجوه والمرامي .
ينشط "الإسرائيليون" بكثافة في دغدغة أحلام القاطنين خلف الباب الخلفي للعرب عبر علاقات مطردة مع الأكراد منذ إعلانهم حكماً ذاتياً ويشكل وجودهم المتنامي هناك مباشرة وبشكلٍ غير مباشر تهديداً حقيقياً لأمن إيران وسوريا وبلدان المنطقة العربية ككل . هذه الاستراتيجية عبر أنشطة ظاهرها تجاري وخفاياها عسكري تقسيمي سيقلق بعض العرب وهو قطعاً لن يطيل عمر الأقليات وجمهورياتها "المهابادية" الكثيرة المرتجلة والموعودة، وإن كانت محقة بنظر البعض من المضطهدين والمهددين بكيانهم وعاداتهم وثقافاتهم،
بقدر ما يسهل دروب الهجران والتشتت أمامها نحو أرصفة الغرب .
عن صحيفة -الخليج- الاماراتية