حرب الهياكل العظمية بين دمشق وتل أبيب

تاريخ النشر: 29 يونيو 2006 - 06:38 GMT

دمشق : البوابة

بعد قرابة نصف القرن من اعتقاله وإعدامه، تأخذ جثة الجاسوس الإسرائيلي، ايلي كوهين، موقعا بين الأحياء المتقاتلين على الضفتين السورية- الإسرائيلية، لتبدو عظام الرجل المدفونة بسرية كاملة( للحد الذي ارتفعت فيه إلى مصاف الأمن القومي السوري) ، لتبدو هذه العظام وكأنها انتقلت اليوم من هيكل عظمي حمل رجلا اطلع على أسرار دولة وكشفها لدولة معادية، إلى هيكل عظمي يجلس فوق طاولة المفاوضات ليقود مجددا، طريق مفاوضات بين دولتين، نشبت بينهما سلسلة حروب، كانت الحرب الأبرز فيها حرب 1967 والتي مازال الكثير من السوريين يحيلون هزيمتهم فيها إلى تلك الأسرار التي كشفها كوهين عبر جهاز بدائي للإرسال، كما عبر رسائل الحبر السري التي كانت في تلك الفترة ، التكنولوجيا الأكثر تقدما في علم الجاسوسية، والخيول الأشد سرعة في توصيل الرسائل من، و.. إلى .

سلفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلي السابق (واسمه مترجما للعربية : سلمان سلام)، اشترط حسب ما نشرته مصادر إعلامية ومن بينها صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن، اشترط على دمشق لمعاودة المفاوضات، أن تعطي دمشق "إشارات جدية عن نواياها السلمية"

من خلال إعادة رفات الجاسوس الإسرائيلي (الذي أعدمته دمشق) ايلي كوهين إلى تل أبيب.

كثير من السوريين، ينظرون إلى المطلب الإسرائيلي هذا بالجدية المطلوبة، والجدية إياها، ربما يستمدها السوريين، من معلوماتهم، وإطلاعهم على التقدير البالغ الذي يكنه عدوهم إلى جثث قتلاه، على الأقل عبر قراءتهم لتجربة حزب الله اللبناني، في مجموعة من صفقات المبادلة التي خاضها هذا الحزب باستبدال أسراه مع جثث إسرائيلية، بما سمح لحزب الله أن يجد في الصفقات إياها وآخرها في الشهر الخامس من العام الفائت، أن يجد فيها صفقات رابحة، إلى الدرجة التي جعلت التقاط الجثث وأسرها واحدة من تكنولوجياته الحربية، والنظرة الجدية من قبل السوريين إلى المطلب الإسرائيلي، جعلتهم يتذمرون ضمنا من آخر مبادلات الجثث وهي المبادلة المصرية – الإسرائيلي التي حدثت نهاية العام الفائت، لستة من الشباب المصريين الذين تاهوا في رفح واعتقلتهم القوات الإسرائيلية ، بشخص الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، معتبرين أنها الصفقة الأكثر خسارة بين المبادلات، وجاء التعبير السوري يومها، عبر مواقف محطة المنار التلفزيونية المملوكة لحزب الله اللبناني، الذي رأى في الرئيس المصري حسني مبارك مفاوضا خاسرا، مما سيسمح بافتراض أن يدخل السوريين بمفاوضات رابحة مع الجانب الإسرائيلي بخصوص جثة الجاسوس الإسرائيلي ايلي كوهين، حتى ولو أخذت عظام كوهين شكلا من أشكال :( حسن النوايا) الذي طالب به وزير الخارجية الاسرئيلي (سيلفان شالوم) آنذاك.

طرفي الصفقة: دمشق – تل أبيب، وموضوعها جثة ايلي كوهين، والسؤال الذي مازال الكثير من السوريين يجهلونه، وان كان راسخا في حكاياتهم اليومية هو:

من هو ايلي كوهين؟

ثمة حكاية تتصل بالرجل، والحكاية يعقبها سؤال:

- ما الذي سيأخذه السوريون مقابل الجثة؟

حكاية ايلي كوهين

في رسالة من موريس كوهين (شقيق الجاسوس الإسرائيلي ايلي كوهين) لزوجته، وكان قد نقلها كتاب : ( اليهود – العرب – قومية أم دين؟ لالياهو شهرباني 2003) جاء:

" اسمعي ما سأقوله لك ، أنا وايلي وأخوتي ولدنا في مصر، لكن جذورنا من حمص، أمي من عائلة طويل، وأبي كان معروفا باسم شحاذة الجندي وهما من مواليد سوريا"

غير أن اللواء صلاح الظلي، رئيس المحكمة العسكرية التي حكمت على كوهين بالإعدام عام 1965، يشارك شهرباتي استخلاصه بأن ايلي سوري الأصل، غير أن المعلومات التي يوردها في كتابه:" الجاسوسية وحرب الأيام الستة"، تذهب باتجاه اعتقاد آخر تتصل بأصول ايلي كوهين، معتمدا في استخلاصه على ذاكرته الشخصية وحدسه إذ يقول في كتابه المذكور أنه حالما رأى ايلي كوهين يقف أمامه في المحكمة، تذكر تاجرا يهوديا عاش وأولاده في مدينة دير الزور السورية، وكان اسمه (كرجي) وهو تاجر ألبسة جاهزة، وخلال تظاهرات قام بها سكان المدينة احتجاجا على نكبة 1948 حطموا واجهة محل التاجر اليهودي (كرجي) ما أدى إلى رحيله وأولاده عن المدينة، ويضيف الظلي أنه حالما واجه ايلي كوهين (شديد الشبه بالتاجر كرجي) ارتبك كوهين وتغير لونه،

غير أن ما كتبه موريس شقيق ايلي كوهين، سيبقى الوثيقة الأكثر جدية عن أصول العائلة التي هاجرت سوريا نهاية عام 1948 لتذهب إلى الأرجنتين ومن ثم إلى إسرائيل، وفي الأرجنتين تم تجنيد ايلي كوهين تحت اسم (محمد كامل ثابت) لصالح الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وبمهمة محددة، هي الوصول الى دمشق، والبحث عن الضابط النازي المتخفي (انجمان) ، ليكون التحاقه بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لمهمة رئيسية لم تكن التجسس ، حيث قدم ايلي كوهين بجواز سفر يحمل اسم أمين كامل ثابت ، وعلى ظهر باخرة قادما من نابولي إلى الاسكندرية ومن بعدها الى بيروت ، ليصل العاصمة اللبنانية في 8/ 11/ 1962 ، ومنها يصل دمشق برا برفقة واحد من عملاء الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية واسمه ماجد شيخ الأرض، وهو سوري – عربي، أعدم مع كوهين لاحقا، وفي دمشق يبدأ رحلة بحث عن الضابط النازي، دون نتائج، إلى أن القي القبض على الضابط المقصود في الأرجنتين ، ما أنهى مهمة ايلي كوهين الذي عاد إلى إسرائيل وهناك اقترح على الاستخبارات العسكرية تجنيده كجاسوس، بعد أن أكد أنه بات شديد المعرفة بالحياة السياسية في سوريا وبنخب تجارية واقتصادية واسعة في البلاد، ما سمح لقيادة الاستخبارات الإسرائيلية بقبول عرضه وإعادته إلى دمشق ، وفي دمشق استطاع (كوهين) أن يؤسس لشبكة من العلاقات بصفته رجل الأعمال السوري المهاجر إلى الأرجنتين، وليبدأ بعدها رحلة امتدت ثلاثة سنوات، استطاع خلالها التسلل إلى مواقع مفتاحية في البلاد ومنها موقع :(عضو قيادة قطرية لحزب البعث الحاكم ) ، وهو الأمر الذي بقي مجهولا عن القيادة السورية لتكشف السفارة الهندية وعبر شكوى قدمتها الى الخارجية السورية، عن موقع للإرسال اللاسلكي يشوش على إرسالها، وبالتالي لتقوم الاستخبارات السورية، بالتقصي عن جهة التشويش ويقتحم أفرادها شقة ايلي كوهين في منطقة أبو رمانة الدمشقية، وتقبض على ايلي كوهين وهو يقوم بإرسال تقاريره الاستخباراتية، وبعدها ليحاكم أمام المحاكم العسكرية ويعدم في ساحة المرجة، الساحة الأكثر شهرة في العاصمة دمشق

إعدام كوهين كان 18 أيار / ماي/ 1965 ، وحكايته مازالت تقود الإسرائيليين الى خيال الأسطورة، ونعني أسطورة النصر الإسرائيلي في حرب حزيران 1967، فيما تقود السوريين الى خيال آخر يتصل بأسطورة الهزيمة التي يربطها الكثيرون بالجاسوس ايلي كوهين ،وبين الأسطورتين، ثمة خيال ربما يأخذ مساحة أبعد وأكثر اتساعا من حقائق القصة، ما سمح لجثة كوهين أن تكون عنصرا من عناصر المفاوضات السورية – الإسرائيلية المرتقبة.

اتصالات بخصوص الجثة

الصحافة الإسرائيلية ومنها (معا ريف 10/11/2004) نشرت عن اتصال عبر وسطاء مابين الرئيس السوري بشار الأسد، والرئيس الإسرائيلي، موشيه كاتساف، وأكدت أن كاتساف طلب من الرئيس الأسد من بين ماطلب، تسليم جثة الجاسوس الإسرائيلي ايلي كوهين، أما ناديا كوهين، زوجة ايلي كوهين التي تعيش في هر تسليا على مسافة عشرة كيلومترات شمال تل أبيب مع أولادها الثلاثة : (صوفي/ ايريس/ شاؤول) ذهبت بعيدا في العمل من أجل استلام جثة زوجها، عبر وسطاء أوروبيين وأمريكيين، كما أدخلت الفاتيكان كمؤسسة دينية في موضوع استلام جثة زوجها، وهو الموضوع الذي سيكون مرشحا ليحتل مكانة كبيرة في جدول المفاوضات السورية الإسرائيلية.

محللون سياسيون سوريون على مسافة قريبة من القرار السياسي السوري، يفضلون عدم ذكر أسمائهم، يتوقعون مرونة من الحكومة السورية حول هذا الموضوع، غير أنهم يضيفون، بأن الرئيس الأسد وقد ورث من والده الرئيس الراحل، الكثير من حنكة التفاوض، سيجد منافذ عديدة لاستثمار جثة ايلي كوهين، وبترشيد كبير سيسبق بدء المفاوضات بخطوة واحدة ولن يكون لاحقا عليها، فإذا ما أقدمت الحكومة السورية على تسليم جثة الجاسوس الإسرائيلي بعد بدء المفاوضات السورية الإسرائيلية، فانها ستخسر شيئا من الرأي العام الدولي باعتبار المشكلة مشكلة إنسانية، كما ستعتبر الصفقة ناتج ضغط مورس فوق طاولة التفاوض، وإذا ماسلمت الجثة دون أن تكون المفاوضات مؤكدة ووفق التصورات السورية، فسيكون الامر تفريطا بواحدة من أوراق الضغط على إسرائيل، وبالنتيجة فان تسليم الجثة سيكون على عتبة التفاوض، وهذا سيأتي في سياق السياسة السورية إزاء المفاوضات مع إسرائيل، ومابين اللحظة وبدء المفاوضات لن تغلق دمشق الأبواب أمام الصفقة، كما لن تفتحها على الآخر لتأخذ السياسة السورية إزاء هذه المشكلة شكلها الذي أخذته إزاء مجمل سياساتها

سياساتها القائمة على : نصف الباب المفتوح يساوي نصف الباب المغلق