حقوق الإنسان في الصحافة المحلية: حين تستحضر القضايا ويغيب أصحابها
محمد عمر
في العاشر من الشهر الجاري مرت الذكرى الـ56 للاعلان العالمي لحقوق الانسان، دون ان تنفع كثيرا في تذكير وسائل الإعلام المحلية بحقوق "البشر بعالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة وبالتحرر من الخوف والفاقة".
استطلاع رأي ظهر في صحيفة "الغد" (10 كانون أول) استجوبت فيه، هالة الخياط، ثلاثة من نشطاء حقوق الانسان أكد فيه اثنان منهم على "حالة الانفصام بين اقوال الحكومة وممارساتها".
ثم عادت "الدستور" لتستدرك نفسها، فقد أجرت ليلى الكركي، استطلاعا لرأي عدة مواطنين حول كيفية رؤية المواطن لمفاهيم حقوق الإنسان (14 كانون أول).
باقي اليوميات اكتفت، بمقالين مترجمين ظهرا في "العرب اليوم" (11 و12 كانون أول)، ومقال لنبيل غيشان (15 كانون أول) دعا فيه إلى ترشيد منح رخص لجمعيات حقوق الإنسان، ومقال لفوزي السمهوري، رئيس الجمعية الأردنية لحقوق المواطن، بمناسبة الذكرى، ومقال لهاني الدحلة في "الرأي" (9 كانون أول)، ومقالة صغيرة جدا ظهرت في بريد قراء "الدستور" (11 كانون أول).
أما كتاب الاعمدة الثابتين، الذين تعج بهم اليوميات والاسبوعيات، وهي ميزة تمتاز بها الصحف الاردنية عن نظيراتها العربيات، فلم ينتبه احد منهم للذكرى، وبقوا منشغلين بـ"قضايا"، يبدو انها اهم كثيرا من حقوق الانسان، باستثناء مقالين ظهرا في "الرأي" لناديا العالول ووليد السعدي (14 كانون أول).
فيما عدا ذلك، فقد تشاركت الصحف بنشر اخبار قصيرة وقليلة، إما وصلتها عن طريق وكالات الانباء، مثل بيانات او تقارير وزعتها منظمات دولية تعنى بحقوق الانسان وجميعها لا يتعلق بالاردن، او اخبار وصلتها عن طريق الفاكس من منظمات محلية عن بضعة نشاطات تزامنت مع الذكرى، وفيما اختارت بعض الصحف وضع اسم مراسلها على الخبر مثلما تفعل صحيفة "الغد"، لم تفعل غيرها الشيء نفسه.
وظهر رسم كاريكاتوري وحيد لخلدون غرايبة في "الرأي" (9 كانون أول).
صحيفة "الديار" كانت الغائب الاكبر عن الذكرى، وبالكاد يمكن العثور على خبر واحد في الصحيفة عن المناسبة.
واختفت من الصحف أي تحقيقات عن الانسان الاردني وعن مظاهر انتهاكات حقوقه، سواء اتت من الحكومة او من البنى الاجتماعية والثقافة السائدة، وباستثناء تقرير واحد حول حملة الحد من العنف الاسري (الدستور 11 كانون أول) تزامن بالصدفة مع الذكرى، فان الصحف خلت من مثل هكذا تقارير وتحقيقات برغم كل المشاكل التي يعانيها المواطن وبالرغم من عدة نشاطات شهدتها البلد، مثل الندوة التي نظمتها جامعة آل البيت عن حقوق الانسان او الندوة التي نظمتها احدى الجمعيات الاهلية عن جرائم الشرف في الاردن، ناهيك عن تفاعلات قصة اضراب سائقي الشاحنات الذي تفاعل خلال الاسبوع وأدى الى احراق شاحنات في الرشادية.
اللافت للنظر ان حجم التغطية الخبرية لنشاطات المنظمات الأهلية وحتى الرسمية المعنية بحقوق الانسان على كثرتها في الاردن، كانت ضئيلة جدا لدرجة أنها تترك انطباعا لدى القارئ بان هذه المنظمات مرت على الذكرى مرور الكرام.
هاني الدحلة، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، يحمل الإعلام المسؤولية ويقول "جميع منظمات حقوق الإنسان في الأردن تشكو من عدم تعاون الإعلام بشكل فعال مع نشاطاتها. وهي لا تقوم بتغطية هذه النشاطات بالشكل المطلوب".
ويوضح الدحلة انه عندما ترسل منظمته أخبارا عن نشاطاتها وبيانات فهي لا تجد الاهتمام الكافي وخاصة من اليوميات.
ويعزو الدحلة السبب إلى "أن الصحف تجعل من نفسها رقيب، ولا تريد أن تأتيها أية مساءلة من أية سلطة لأنها نشرت خبرا أو بيانا. لذلك تمتنع عن النشر لكي تبقى مطمئنة".
ويرى ان "هناك رقابة ذاتية مبالغ بها أكثر مما هو مطلوب".
بعد مرور اكثر من نصف قرن على الاعلان العالمي لحقوق انسان، وبعد عقود من ثورة الحريات والحقوق المدنية والطريق الطويل والشاق الذي قطعته الانسانية على درب التحرر فان الاعلامي الاردني بقي بعيدا بعض الشيء عن كل هذه المفاهيم.
ويعتقد الكثير من المراقبين ان هذا البعد ناجم عن ضعف انتشار ثقافة الديمقراطية في المجتمع المحلي عامة، وبين الاعلاميين بشكل خاص.
يقول المحامي زهاء المجالي، من مركز عمان لحقوق الإنسان، ان المركز عقد اربع دورات خلال عام لتعزيز ثقافة الاعلاميين الديمقراطية.
ويلحظ المجالي ان "الوعي في مجال حقوق الإنسان ناقص ليس فقط لدى الإعلاميين إنما لدى جميع المهنيين للأسف الشديد"، موضحا "من خلال الدورات والمحاضرات التي عقدناها للإعلاميين كانت الثقافة متباينة ما بين صفر إلى درجة عالية من الثقافة في مجال حقوق الإنسان".
ويرجع المجالي سبب هذا التفاوت "إلى عدم التركيز الأكاديمي على ثقافة حقوق الإنسان في المدارس والجامعات، ممكن يكون المعتقد الثقافي والاجتماعي السائد في الأردن، أو عدم الاكتراث والمبالاة بثقافة حقوق الإنسان".
ويرى المجالي ان احد أسباب عدم اكتراث الاعلامي بحقوق الإنسان والمواثيق الدولية هو ما يشهده يوميا من انتهاكات خطيرة تمارسها قوى مثل إسرائيل والولايات المتحدة بحق الإنسان العربي في فلسطين والعراق دون ان تحرك المنظمات الدولية ساكنا.
ومع ذلك، فان المجالي يعتقد انه لا مناص من تثقيف الإعلاميين بحقوق الإنسان من خلال هذه الدورات التي يعقدها المركز بهدف "تفعيل دور الإعلامي في البحث في قضايا حقوق الإنسان وتعريفه بها واكسابه مهارات معينة في مجال تغطية قضايا حقوق الإنسان".
ويرى المجالي انه "لا بد من إطلاع الإعلامي على مواطن الخلل في عدم تنفيذ الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها الأردن".
من المهم، ان تستذكر وسائل الإعلام المحلية اليوم العالمي لحقوق الانسان، بمواد واخبار احتفالية على قلتها، لما لهذه الذكرى من منفعة، ولكن يبقى ما هو اهم كثيرا من هذا، وهو مدى الاهتمام الجدي، وكيفية تعاطي وسائل الاعلام مع حقوق البشر، في كل المادة الاعلامية التي تتعاطى معها.
في وقت تقع فيه المنطقة العربية في قلب العاصفة، وبعد درب الآلام الطويل الذي قطعه الانسان العربي، على طريق نيل حرياته وحقوقه الاساسية، فلا زال بين وسائل اعلامنا وكتابنا من يعتقد ان حقوق الانسان "أيديولوجية" جديدة تحاول تصديرها القوى الغربية، او هي احدى مظاهر "العولمة".
اليوم، مع الانتهاكات الخطيرة التي تمارسها الولايات المتحدة الاميركية يوميا في العراق، وانحيازها الكامل إلى جانب إسرائيل، وتعامل الدول الغربية بمعايير مزدوجة مع الواقع العربي، والتركيز على "مكافحة الارهاب"، امنيا، دون النظر الى جذوره واسبابه الحقيقية، تفقد الكثير من وسائل اعلامنا ومحرريها وكتابها الثقة بكل الدعوات الى تحرير الانسان ويذهب البعض الى حد القول بـ"سقوط أيديولوجية حقوق الانسان".
وثمة الكثير من الظلم والاحباط في هذه النظرة، فحقوق الانسان هي شأن انساني عالمي ليس له علاقة بالغرب فقط، واذا كان الغرب معنيا بمصالحه حين يروج للديمقراطية والحريات في عالمنا العربي، فهذا لا يعني ان تتعامل وسائل الاعلام مع هذا الشأن بتجاهل الانسان العربي وحقوقه.
المتابع لوسائل الاعلام المحلية وحتى العربية، سيلحظ مدى تغييب الإنسان العربي والتعامل معه ليس بوصفه انسانا، بل بوصفه "جماهير" و"ارقام" تصلح في مانشيتات أعداد القتلى في العراق أو فلسطين او الجزائر او السودان او أي منطقة ملتهبة عندنا، وما أكثرها، بل لا يستوي في مانشيتات صحفنا مقتل عشرات العراقيين أو الفلسطينيين مع مقتل جندي اميركي أو إسرائيلي واحد.
والظاهرة الابرز في وسائل اعلامنا، هي غياب "الصحافة الاستقصائية"، وتحديدا فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الانسان، وللاسف فان كل الانتهاكات الخطيرة التي تمارسها قوى الاحتلال الاميركي او الاسرائيلي يتم الكشف عنها من قبل وسائل اعلام غربية، لتتبعها الصحف العربية بسيل من "المقالات والتعليقات" الهادفة الى "تعرية ممارسات الاحتلال" الذي يدعي انه جاء للمنطقة لـ"حماية حقوق الانسان.
على أي حال، اذا كنا ذهبنا الى تغطية الصحف للشأن العربي، فهذا لا يعني انه ليس لدينا ايضا الكثير الكثير من المشاكل المحلية التي لا تتبعها الصحافة بالبحث والتقصي. واي قضية قد تصلح مثلا هنا، فموضوع ساخن مثل "العنف الاسري في الاردن" وهو موضوع حملة منذ اشهر، فان صحافتنا تكتفي بتغطية برتوكولية للنشاطات المرافقة للحملة دون البحث عن الظاهرة نفسها وتتبعها والتحقيق فيها.
مفكرون عرب عديدون، تناولوا ما وصفوه بـ"أزمة العقل العربي"، وتجلياته اعلاميا، بوصف هذا العقل يُغلّب "المفاهيم والمصطلحات والعقائد على الانسان الذي صنعها"، وتغليب القضية على صاحبها، ويوما ما وقفت المطربة العربية الاشهر فيروز لتصرخ في احدى مسرحياتها "الي بندفع حقه ناس ليس اغلى من الناس" فهل تعلمنا هذا الدرس البسيط بان "الانسان اغلى ما نملك".