دفن الجاسوس المزعوم وجهه بين يديه داخل سجن في غزة وهو يعترف بتقديم معلومات لاسرائيل خلال معاركها مع فصائل فلسطينية.
قال الرجل لصحفيين زائرين في وجود ضابط أمن من حماس يرتدي زيا مدنيا "المخابرات الاسرائيلية قالوا لي ما في حدا من العملاء في غزة بيعرفوا بعض وكله بيشتغل لحاله.. فما تظهروا وخليكم مثل ما أنتم."
وأضاف "كان ينبغي أن أسلم نفسي.. يمكن لو عملت هيك كان ما لقيتني هنا."
وأطلقت حكومة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حملة في الآونة الأخيرة للقضاء على المتعاونين مع اسرائيل وهو ما تأمل أن يساعد على حرمان اسرائيل من أداة فعالة.
وتقول حماس إن الرجل البالغ من العمر 41 عاما والذي لم يذكر اسمه لم يلتزم بالمهلة لتسليم نفسه ولن يعامل بالرأفة عندما يحال إلى المحاكمة.
وتقول وزارة الداخلية في حكومة حماس إن الحملة التي استمرت شهرا وانتهت يوم 11 ابريل نيسان تمثل تحولا في السياسة بعيدا عن أساليب أشد قسوة تجاه الجواسيس المتهمين بتقديم معلومات حيوية مثل أماكن مستودعات الأسلحة أو كبار النشطاء الفلسطينيين.
ويعتقد أن مثل هذه المعلومات ساعدت اسرائيل على تخطيط غاراتها الجوية خلال الصراع الذي استمر ثمانية أيام مع حماس في نوفمبر تشرين الثاني الماضي عندما ضربت طائرات اسرائيلية 1450 هدفا وقتلت أكثر من 170 فلسطينيا منهم كثير من المدنيين.
وكانت حماس تذيع اعترافات مروعة للمتعاونين مع اسرائيل وحكمت على بعضهم بالإعدام.
وفي مشاهد أصابت العالم بالصدمة تم انتزاع سبعة جواسيس مشتبه بهم من حبس تابع لحماس في غزة خلال الصراع في نوفمبر تشرين الثاني وقتلوا بالرصاص في الشارع. وجرت دراجة نارية جثة أحدهم في أنحاء مدينة غزة وكان يركبها مسلحون يهتفون "الله أكبر".
لكن في الحملة الاخيرة التي تم الاعلان عنها عبر لافتات بالشوارع وخطب بالمساجد وعد جهاز الامن الداخلي التابع لحماس بمعاملة من يسلمون انفسهم طواعية برفق.
وتقول حماس إن الحملة تهدف لإعادة مواطنين ضلوا الطريق إلى وطنهم مرة أخرى ومكافحة التجسس من خلال الإقناع.
وقال محمد لافي نائب رئيس جهاز الامن الداخلي "لقد قمنا بحملة توعوية وإعلامية لإرشاد الناس حول مسألة التخابر والعملاء والذين هم أخطر وأسوأ الأدوات التي يستخدمها الاحتلال ضد شعبنا."
ورفض الكشف عن عدد من سلموا أنفسهم قائلا إن مثل هذه المعلومات ستفيد اسرائيل. وتقول حماس إن "عشرات" الجواسيس فقط مسجونون.
وقالت هدى عادل وتعمل سكرتيرة بأحد المكاتب معبرة عن مشاعر الكثير من سكان غزة "هل هو شعر بالرحمة تجاه الأطفال الذين تحولت أجسادهم إلى أشلاء؟ أم إلى جثث القادة التي احترقت وتفحمت؟ فلماذا أشفق عليه."
وكثيرا ما يرفض السكان تزويج أبنائهم أو بناتهم من أقارب المدانين أو من ماتوا من المتعاونين.
وقال شقيق جاسوس مزعوم مسجون لرويترز "إنه لعجيب كيف تتغير حياتك في غمضة عين."
وأضاف الرجل الذي كان يجلس في مقهى بغزة إن الكثير من الناس نبذوا أسرة شقيقه بعد أن سرت شائعات عما فعله.
وتابع يقول "هل سيتقدم أحد للزواج من ابنته.. هل سيرضى أحد أن يزوج ابنته لابن أخي؟"
وقال وزير الداخلية فتحي حماد إن سياسة حماس الجديدة تهدف إلى التأكيد على أن التجسس عمل فردي وعرضت عدم الكشف عن هوية أي شخص يسلم نفسه حتى لا تواجه أسرته ردود فعل غاضبة من الجيران.
وقال حماد لرويترز "كمجتمع علينا أن ندعم هؤلاء العائلات التي أغوى الشيطان أحد أفرادها."
ويقول الكثير من الجواسيس المعترفين إنهم حصلوا على تصاريح اسرائيلية للدخول والخروج من قطاع غزة المحاصر. وكان آخرون رهن الاحتجاز في اسرائيل ووافقوا على التجسس مقابل حصولهم على أحكام مخففة.
وتقول جماعات مدافعة عن حقوق الإنسان إن اسرائيل تحاول أيضا إجبار أبناء غزة الذين يحتاجون رعاية طبية في الخارج على التعاون معها.
ويسعى آخرون وراء المال ويقدمون المعلومات عبر رقائق سرية للهواتف المحمولة أو عن طريق رسائل بريد الكتروني مشفرة.
وقال مسؤول اسرائيلي رفيع لرويترز إن المتعاونين يشكلون أهمية لأن "اسرائيل تواجه تهديدا حقيقيا من غزة نظرا لأن حماس تعتبر كل مدني اسرائيلي هدفا مشروعا".
وسحبت إسرائيل قواتها ومستوطنيها من غزة عام 2005 لكنها تتعرض لهجمات صاروخية منذ ذلك الحين.
ووصف المسؤول حكومة حماس بأنها "نظام ستاليني مستبد" وقال إن الإجراءات التي تتخذها ضد الجواسيس المشتبه بهم ترقى إلى حد "العنف الوحشي والتعسفي ضد أهل غزة مستغلين اتهامات التعاون كمبرر."
ومنذ أن تولت حماس السلطة عام 2007 أعدمت السلطات 14 شخصا منهم ستة أدينوا بالتجسس. وقال حماد إن وزارته تحتفظ بالحق في إعدام المزيد من الجواسيس في المستقبل.
وتوقع السلطة الفلسطينية التي تسيطر جزئيا على الضفة الغربية عقوبات صارمة أيضا على الجواسيس المزعومين. وفي الأسبوع الماضي أدين عضو في قوات الأمن الفلسطينية وحكم عليه بالإعدام لتعاونه مع اسرائيل رغم أن من شبه المؤكد تخفيف العقوبة إلى السجن المؤبد.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن خطة العفو تمثل تحسنا في الإجراءات القانونية المعتادة من جانب حماس والتي تقول إنها تتضمن دائما منع الاتصال بالمحتجزين وانتزاع اعترافات تحت التعذيب.
وقال بيل فان اسفيلد الباحث في المنظمة المدافعة عن حقوق الانسان لرويترز "ينبغي تشجيع خطوات حماس لتقديم بديل لاحتجاز ومحاكمة المتعاونين المزعومين نظرا لوجود مشكلات كبيرة في نظام العدالة الخاص بها."
وقال لافي نائب رئيس جهاز الامن الداخلي وهو يكشف للمرة الأولى تفاصيل بخصوص سياسة سجن الجواسيس المدانين إن أغلب الموجودين بالفعل في السجن ولم يرتكبوا جرائم خطيرة سيجري إطلاق سراحهم بعد قضاء ثلثي العقوبة.
لكن هذا العرض لا يسري على الجواسيس المهمين ومن تسببوا من خلال المعلومات التي قدموها في مقتل أشخاص خلال غارات القصف الاسرائيلي أو عمليات اغتيال لزعماء فصائل فلسطينية.
لكن نظرا لأن نحو ثلث سكان غزة يعانون من البطالة ويعيش 80 في المئة من الأسر تحت خط الفقر تعتقد جمعيات أهلية محلية غير حكومية أن بعض الشبان سيظلون معرضين للاستدراج لنشاط التجسس مقابل الحصول على المال من إسرائيل بغض النظر عن الحملات التي تشنها حماس.
وقال سمير زقوت من مركز الميزان لحقوق الإنسان الذي مقره مخيم جباليا للاجئين في غزة "على الحكومة في غزة معالجة بعض الأسباب التي يتسلل منها الاحتلال إلى بعض الشبان لتجنيدهم وهي الفقر."