حول مشروع إردوغان الليبي

منشور 29 كانون الثّاني / يناير 2020 - 07:52
لا تقتصر أطماع الرئيس التركي على الغاز والنفط، بل يطمح في إقامة منطقة نفوذ تركية في شمال أفريقيا
لا تقتصر أطماع الرئيس التركي على الغاز والنفط، بل يطمح في إقامة منطقة نفوذ تركية في شمال أفريقيا

نيرڤانا محمود

مطار إركان في قبرص الشمالية ليس كأي مطار آخر. كل الرحلات القادمة والمغادرة من هذا المطار تابعة لشركات طيران تركية، فقبرص الشمالية أو "التركية"، هي دولة لا تعترف بها أي دولة في العالم، باستثناء تركيا.

إن سبق لك زرت قبرص الشمالية وجلست في هذا المطار مثلما فعلت أنا، فستفهم ماذا تحاول أن تفعل تركيا الآن في ليبيا.

بعد 46 عاما من انقسام جزيرة قبرص والاحتلال التركي لجزئها الشمالي، تعيد تركيا نفس التجربة في ليبيا، ولكن بنكهة عثمانية.

لا تقتصر أطماع الرئيس التركي على الغاز والنفط، بل يطمح في إقامة منطقة نفوذ تركية في شمال أفريقيا، بناء على النموذج القبرصي. منطقه لا سلم فيها ولا حرب... وبالتأكيد لا أفق لحل شامل. منطقة معزولة عن واقعها الجغرافي، وتعتمد اعتمادا كليا على تركيا سياسيا واقتصاديا.
اعتمد الرئيس التركي على عدة أوراق لتحقيق السيناريو القبرصي في ليبيا. بداية عمد إلى كسب ود العديد من الشباب الليبي من خلال تحريك الحنين إلى ماضٍ قديم وهو ولفترة الحكم العثماني تحديدا. حنين يؤججه الإسلامويون بينما يزرعون نار الفرقة في المجتمع الليبي، بل ويشبهون قوات خليفة حفتر "بالقرامطة" الخوارج على الشرعية.

كما اعتمد إردوغان على توطيد صلاته بالليبيين المنحدرين من أصل تركي، وهم معروفون بالكراغلة، ومعظمهم يتمركزون في غرب ليبيا.

ثم جاء الدعم العسكري التركي المباشر لحكومة فايز السراج بعد أن وقع الطرفان اتفاقيتان للتعاون العسكري والبحري.

والتي تبعها إرسال الآلاف من المقاتلين السوريين للدفاع عن المناطق التي تسيطر عليها حكومة الوفاق تحت غطاء "حماية الشرعية" ضد "تمرد" المشير حفتر.

مهمة هذه الميليشيات هي خلق نموذج "أدلبي" في غرب ليبيا، كزرع الألغام والعبوات الناسفة وتفخيخ المباني، بهدف منع قوات الموالية لحفتر من التقدم في الأماكن المأهولة بالسكان في كل من طرابلس ومصراته.

على المستوي الدولي، يؤكد الرئيس التركي أنه يدعم حلا سياسيا في ليبيا، بل إنه وقع على البيان الختامي لمؤتمر برلين الذي يدعو بنده الخامس والعشرين إلى إنشاء مجلس رئاسي وتشكيل حكومة ليبية موحدة يصدق عليها مجلس النواب الليبي.

أي أن وثيقة برلين تربط أي حل سياسي بموافقة مجلس النواب الليبي، المعروف بولائه لخليفة حفتر. وهناك درجة من الارتياح العربي، خصوصا من الأطراف الداعمة للمشير خليفة حفتر، بنتائج مؤتمر برلين، التي يرونها تحجم الدور التركي في ليبيا.

ولكن توقيع الرئيس التركي على هذه الوثيقة، بصيغتها الواضحة، يهدف إلى دعم صورته كراع للسلام في ليبيا. ولكن على أرض الواقع، يعرف إردوغان جيدا، أن حلفاءه من الميليشيات في غرب ليبيا قد قطعوا "شعرة معاوية" التي كانت تربطهم بمجلس النواب الليبي ولن يقبلوا بأي تسوية مستقبلية يصادق عليها هذا المجلس.

أما زيارة الرئيس التركي للجزائر، ومن قبلها تونس، فإنها تهدف إلى إقناع الدولتين بانتهاج سياسة "حياد إيجابي" تجاه المعضلة الليبية، أو بمعنى آخر "إن لم تكونوا معنا فعلى الأقل لا تكونوا علينا". وذلك بهدف خلق شرايين حياة مستقبلية بين الكيان المتبلور في غرب ليبيا وجيرانهم في تونس والجزائر، إن لم يكن بصورة رسمية، فعلى الأقل بطرق غير رسمية.
شمال قبرص هي مثال حي، من قلب أوروبا، على قدرة تركيا على إحداث نوع من الشلل السياسي والعسكري يخلق حالة من لا سلم ولا حرب تستمر لعقود.

فرص خلق نموذج قبرصي في ليبيا لا تعتمد بالضرورة على قدرة حلفاء إردوغان على تحقيق انتصارات ميدانية، بل على فشل الأطراف الدولية والعربية في منع الكيان الموالي لتركيا من التواجد في ليبيا.

كل ما يحتاجه إردوغان الآن هو الضغط على الأطراف الدولية في اجتماع جنيف المقبل لتثبيت وقف إطلاق النار في ليبيا، ولكنه وفي نفس الوقت، سيسعى جاهدا لإفشال محادثات السلام بين طرفي النزاع. فهو لن يسمح بتنفيذ أي اتفاق دولي يلزم حكومة السراج بنزع سلاح الميليشيات وأعاده المقاتلون السوريون إلى سوريا، مما سيفقد حكومة السراج شريعتها أمام المجتمع الدولي.

ومن ثم أي فشل لمؤتمر جنيف القادم في الوصول إلى تسوية سياسية تطبق على أرض الواقع سيؤدي إلى ولادة دويلة في طرابلس ومصراته، بنكهة قبرصية، تدين والولاء للزعيم التركي ـ رجب طيب إردوغان.

مواضيع ممكن أن تعجبك