فيما تغص المساجد بالمصلين، ويعود من انقطعت صلاته الى الصلاة خلال أيام شهر رمضان، تجد مقاهي العاصمة السورية، وجزء كبير من مطاعمها تقدم خدماتها لزبائنها كالمعتاد، ففيما منع مقهى الروضة تناول الطعام فيه منذ أشهر خلت، وفرض على زبائنه تناول القهوة والشاي والنارجيلة فقط، تجد فيه وفي اليوم الأول من رمضان، رجلا يحمل ساندويتشه، ويتناول طعامه، هاربا من الاحراجات أمام عائلته الصائمة، فـ (عرفان زينو) يقول انه لا يصوم رمضان، مع أن جميع أفراد عائلته صائمون، خصوصا وأن زوجته مواضبة على كامل الطقوس الدينية، وقد حجت مرتين، وهو :" يحترم معتقداتها، ولكنه يرفض إلحاحها في دعوتها إليه لهذه المعتقدات"، ويضيف:" أجد نفسي مضطرا الى أن أتناول سندويشتي هنا في المقهى كي لا أحرجها" ، و :" لكنني أتناول الإفطار مع عائلتي تماما كما لو كنت صائما".
العاصمة السورية دمشق، صاحبة الجامع الأموي، المركز الإسلامي الأول في الدولة المركزية الإسلامية، وإحدى حواضر التبشير الإسلامي، تبدو وكأنها شديدة المرونة إزاء الإفطار العلني، فمن المعهود أن تجد من يرفع سيجارته ويدخن في الشارع العام وفي زحمة المارة، ومن المعهود أن تجد من يجلس وراء زجاج المقهى وهو يأخذ نفس نارجيلة، بل من المعهود أن تجد من يعترض على ذلك هامسا ببعض العبارات التي تلوم المفطر العلني، ولكن ملامته لا تقدم أو تؤخر من واقع الحال، ومن الوارد أيضا أن تسمع حوارات تتصل بحق الإفطار العلني أو الحث على تحريمه، ففيما يؤكد بشير سراقبي على أن القانون يحرم الإفطار العلني خلال شهر رمضان ، مضيفا بعد أن يرشف شايه أن عقوبة الإفطار العلني هي السجن كامل الشهر الفضيل، يجيبه ومن الطرف المواجه رجلا يتحسس غليونه ليقول :" إن سوريا بلد علماني"، وأنه حتى فترة أيام الانفصال ، وهي الفترة لتي تلت الوحدة السورية المصرية،كان الإفطار العلني يقود الى السجن ، متابعا:" ولكن بعد وصول البعث الى السلطة، ونشوة اليسار بكافة فصائله، طوي القانون، دون أن يلغى، وبات قانونا لا يعمل فيه، حتى صار الإفطار العلني مظهرا اعتياديا، عكس معظم العواصم العربية من الدار البيضاء وصولا لعمان، فما بالك بالرياض؟ .
الإفطار العلني، أو فرض الصيام، موضوع مدار نقاش في التجمعات السورية، ففي الوقت الذي تجد فيه من يعتبره ظاهرة منافية للإسلام، تجد من يعتبر الإفطار العلني حق لايجوز النقاش فيه، معتبرا أنه مساحة من الديمقراطية فرضها تطور اجتماعي – تاريخي، هو تعبير عن التعدد الديني والاثني والعقائدي في سوريا، ففي العاصمة السورية على سبيل المثال، يتعايش 73 طائفة ومذهب ديني واثني، جزء كبير منها غير مسلم، أو من المذاهب الإسلامية التي تجانب الإسلام السني بالكثير من الطقوسيات، فهنا والكلام ليوسف خوري، المترجم السوري المعروف:" مسيحيون، ويهود، ويزيديون، ودروز ، وعلويون، ومراشدة وسلسلة طويلة من الديانات والمذاهب والعقائد، وهنا العلمانيون اللادينويون، ولكل من هؤلاء عقائده فكيف تفرض عقائد على عقائد ومن يصوم فليصم ومن يفطر فليفطر، ولكل الحق في ممارسة عقيدته".
من الجانب الآخر، ثمة من يعترض على هذا الكلام بالقول أن دين الدولة هو الإسلام،ومعظم القوانين الرئيسية كقانون الأحوال الشخصية، هو قانون إسلامي، فلماذا يكون هذا التناقض مابين واقع الحال الذي فرضه المجتمع وبين القانون الوضعي الذي تخضع له المحاكم في البلاد؟ ومتى فصل الدين عن الدولة في سوريا؟ ولماذا يفصل في الصيام ولا يفصل في الزواج المدني على سبيل المثال؟".
في العاصمة السورية، يختلف رمضان عن أية عاصمة أخرى، فبمقدور المفطر أن يأخذ من رمضان كل مكاسبه:" الوجبات العائلية الشهية.. السهرات الرمضانية وخيم رمضان باحتفالاتها.. متابعة الدراما التلفزيونية المتنوعة.. الراحة الوظيفية حيث يكون التساهل في ذروته وبكافة قطاعات العمل، وبوسعه أن يدخل مقهى الروضة، ومطعم الريس، وخمارة في أول شارع حلب"، بوسع المفطر أن يعمل كل ذلك، مع بعض نظرات لائمة ن الصائمين.
© 2006 البوابة(www.albawaba.com)