خبر عاجل

رسالة لفرويد بقيت مخفية منذ 1930: تحفظاتي عن الصهيونية

تاريخ النشر: 16 ديسمبر 2004 - 10:16 GMT

هذه الرسالة من سيغموند فرويد تعود إلى 26 شباط (فبراير) 1930، وهي موجّهة إلى حايم كوفلر، عضو "مؤسّسة إعادة توطين اليهود في فلسطين" (كيرين هايسود). وقد ترجم نصّها الكامل لأول مرّة عن الألمانية جاك لو ريدر، ونشرتها مجلّة "كلينيك ميديترانين" (العدد 70، إيريس، 2004) مع تعليق من مؤرّخة التحليل النفسي، إليزابيت رودينسكو، الذي ننشر منه هنا مقتطفات كبيرة:

فيينا، 19 برغاس

26 شباط (فبراير) 1930

حضرة الدكتور،

لا يمكنني النزول عند رغبتكم. لا أستطيع التغلّب على تحفّظي حيال إثارة اهتمام الرأي العام بشخصيّتي، ولا تشجّعني الظروف الحرِجة الراهنة على ذلك أبداً. من يريد التأثير في الحشود يجب أن يكون لديه شيء مدوّ وحماسيّ يقوله لها. وهذا ما لا يسمح به حكمي المتحفّظ عن الصهيونية. لا شكّ في أنّني أكنّ أصدق مشاعر التعاطف مع جهود تُبذَل بحرّية، كما أنني فخور بجامعتنا في أورشليم، وأبتهج عند رؤية الازدهار الذي تشهده مؤسّسات مستوطنينا.

لكن من جهة أخرى، أظنّ أنه لا يمكن فلسطين أبداً أن تصبح دولة يهودية، كما لا يمكن العالمان المسيحي والإسلامي على حدّ سواء، أن يظهرا يوماً ما استعداداً لوضع أماكنهما المقدّسة في عهدة يهود. كان من الأكثر رزانة برأيي تأسيس وطن يهوديّ على أرض غير مشحونة تاريخياً. أعرف بالتأكيد أن مخطّطاً عقلانيّاً كهذا ما كان ليثير حماسة الجماهير ولا ليستقطب تعاون الأثرياء. وأقرّ أيضاً، بكلّ أسف، أنّ تعصّب مواطنينا غير الواقعيّ يتحمّل نصيبه من المسؤولية في إيقاظ الريبة لدى العرب. لا يمكنني أن أشعر بذرّة تعاطف مع تديّن أُسيء تأويله يجعل قطعة من جدار هيرودس مَعْلَماً وطنياً يتمّ بسببه تحدّي مشاعر سكّان البلد.

احكموا بأنفسكم انطلاقاً من وجهة نظري النقديّة هذه، إن كنت الشخص المناسب لمواساة شعب يسيطر عليه أمل غير مبرّر.

فرويد

"لن ترى عين ناظر هذه الرسالة"

في آب (اغسطس) 1929، بعد عامين من نشر "بروتوكولات حكماء صهيون" باللغة العربية، والتي ولّدت بعد بضع سنوات، عداء حقيقياً للسامية في العالم العربي، حصلت اضطرابات في الخليل أجهز خلالها فلسطينيون على واحدة من أقدم مجموعات اليهودية (في فلسطين).

إزاء المطالب القومية للشعب الفلسطيني الذي شعر أن أرضه انتُزِعت منه، انقسم القادة الصهاينة حول السلوك الواجب اتّباعه. اعتبر بعضهم، على غرار فلاديمير زيف جابوتينسكي، أنّ العرب يؤمنون بحكم تركيبتهم البيولوجية بمبدأ الجبريّة، الأمر الذي كان ليمنعهم دائماً من القبول بوجود اليهود، وكان يجب تالياً بناء "جدار حديد" ديموغرافي بين المجتمَعين، في حين أن الآخرين – المنتمين إلى اليسار الاشتراكي – بدأوا يعون ضرورة التعايش، وفكّروا بناءً عليه في إنشاء مجلس تشريعي فلسطيني تُوزّع فيه المقاعد بالتساوي بين اليهود والعرب.

في هذا السياق، توجّه حايم كوفلر، العضو النمسوي في "كيرين هايسود" أو مؤسّسة إعادة توطين اليهود في فلسطين إلى فرويد ليطلب منه، ومن مفكّرين آخرين في الشتات، دعم القضيّة الصهيونية في فلسطين وحقّ اليهود في الوصول إلى حائط المبكى. فردّ عليه فرويد بالرسالة أعلاه التي تُنشر لأول مرّة. من الواضح أن رسالة مؤسّس علم التحليل النفسي لم تعجب أعضاء "كيرين هايسود".

ففي رسالة موجّهة إلى أبرهام شوادرون، الذي كان صهيونياً يمينياً يعمل أمين أرشيف ويجمع المخطوطات الأصليّة، قال كوفلر: "على الرغم من صدق رسالة فرويد وطابعها الحارّ، ليست لمصلحتنا. وبما أنه لا وجود للأسرار هنا في فلسطين، من المحتمل أن تغادر هذه الرسالة رفوف مجموعة المخطوطات الأصليّة في مكتبة الجامعة وتذاع على الملأ. قد لا أتمكّن من أن أكون مفيداً لـ"كيرين هايسود"، لكنني لا أريد على الأقلّ الإساءة إلى قضيّتها. إذا كنت ترغب في قراءة هذه الرسالة بهدف الاطّلاع الشخصي ثم تعيدها إليّ، فأنا مستعدّ لأن أسلّمها إليك".

ردّ شوادرون على كوفلر باللغة العبرية: "أعدك، باسم المكتبة، ألا تراها عين ناظر [أيوب 7/8]". وقد تمّ احترام الوعد بألا ترى عين ناظر هذه الرسالة التي اعتُبِرت كارثية للقضيّة الصهيونية، طوال ستين عاماً تقريباً. لكن بما أنّ أفضل طريقة لإخفاء وثيقة هي إتلافها، أثارت هذه الرسالة، نظراً إلى اللغز الذي أحاط بمكانها وحقيقة وجودها، شائعات عدّة. فهي كانت تحتوي في الواقع على سرّ شائع، إذ إنّ فرويد حظي مرّات عدّة بفرصة التعبير عن رأي مماثل للرأي الوارد في رسالته إلى "كيرين هايسود" حول الصهيونية وفلسطين والأماكن المقدّسة.

فقد بعث في اليوم نفسه – 26 شباط 1930 – برسالة أخرى إلى ألبرت أينشتاين يكرّر فيها الحجج نفسها الواحدة تلو الأخرى: كره الديانة، التشكيك في إمكان قيام دولة يهودية في فلسطين، تضامن مع "إخوانه" الصهاينة – الذين كان يسمّيهم أحياناً "إخوانه في العرق" – وأخيراً التماهي العاطفي مع القضيّة الصهيونية على الرغم من أنه لم يشاطرها يوماً مثلها العليا: "من يريد التأثير في الحشود يجب أن يكون لديه شيء مدوٍّ وحماسي ليقوله لها، وهذا لا ينطبق على حكمي المتّزن والمتباين حول الصهيونية".

أعلن فرويد عن افتخاره بـ"جامعتنا" و"مستوطناتنا"، لكنّه اعتبر أنه من غير الممكن إنشاء دولة يهودية، فعلى حدّ قوله، لن يقبل المسلمون والمسيحيون أبداً بأن يعهدوا بأماكنهم المقدّسة إلى يهود: "كنت لأتفهّم أكثر بناء وطن يهودي على أرض عذراء غير مثقلة تاريخياً". وندّد بـ"التعصّب غير الواقعي لإخوانه اليهود" الذي ساهم في "إيقاظ الريبة لدى العرب". وقال في الختام "لا يمكنني أن أجد في داخلي ظلاً من التعاطف مع هذا التديّن المضلّل الذي يبتدع ديانة وطنية انطلاقاً من جدار هيرودس، والذي لا يخشى جرح مشاعر السكّان الأصليين كرمى لبضعة حجارة".

من جهة أخرى، وفي إشارة واضحة إلى تضامنه مع المشاريع الصهيونية – لا سيما بعد سيطرة النازيين على السلطة – لم يتردّد فرويد، لمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتأسيس "كيرين هايسود"، من توجيه رسالة إطراء إلى ليب جافي جاء فيها "أودّ أن أؤكّد لكم أنني أدرك تماماً أن مؤسّستكم هي أداة فاعلة ونافذة ومفيدة جداً في سبيل توطين شعبنا على أرض أجداده [...]. أرى في هذا مؤشّراً على إرادة عيش لا تُقهر جعلتنا نتخطّى حتى الآن ألفَي عام من القمع الشديد".

لكن عند وصوله إلى لندن عام 1938، لم يغيّر الاضطهاد الذي لحق به من المعادين للسامية والذي أرغمه على مغادرة فيينا، في آرائه على الإطلاق. حافظ على تضامنه القويّ مع شعبه لكنه ظلّ يكره كل أشكال الديانة، بما في ذلك اليهودية. نتيجة لذلك، كان من الصعب عليه أن يتقبّل فكرة أن الدولة اليهودية يمكن أن تكون قابلة للحياة، لأنه يستحيل في نظره على دولة تعلن بطريقة ما أنها "يهودية"، أن تصبح علمانية.

باختصار، كان فرويد يرى في الحركة الصهيونية ككلّ مشروعاً لإعادة تهويد اليهود، نوعاً من المسيحانيّة الجديدة، أكثر منه طوبى اشتراكية أو مشروعاً سياسياً. كما كان يفضّل أن يُنظر إليه كيهوديّ من الشتات، شموليّ وملحد، وليس كمرشد روحي متمسّك بأرض ميعاد جديدة: "إذ أعرب لكم عن شكري لأنكم استقبلتموني في بريطانيا العظمى، أطلب منكم ألا تعاملوني كـ"مرشد عن إسرائيل". أتمنّى أن تعتبروني رجل علم متواضعاً فقط لا غير. على الرغم من أنني يهوديّ صالح لم أتنكّر يوماً لليهودية، لا يمكنني أن أنسى موقفي السلبي جداً من كل الديانات، بما فيها اليهودية، وهذا ما يميّزني عن إخواني اليهود ويجعلني غير مناسب للدور الذي تريدونني أن أضطلع به".

كان فرويد يعرف كل شيء عن الحركة الكبرى لتجدّد اليهود التي أطلقها مؤسّسا الصهيونية: تيودور هرتزل وماكس نوردو. كان يعرف الرجلين وأفكارهما. لكن على الرغم من أنه لم يتنكّر يوماً ليهودانيّته، أي شعوره بالانتماء ليس إلى الديانة اليهوديّة بل إلى هويّته كيهودي بعيداً عن الله، كيهودي مندمج من فيينا – وذي ثقافة ألمانية – لم يكن يعتبر أن العودة إلى أرض الأجداد تستطيع أن تقدّم حلاً لمسألة العداء الأوروبي للسامية. لهذا دعا إلى اختيار أرض مختلفة عن أرض الأصول، أرض جديدة حيث لا يُضطرّون إلى خوض حروب دينيّة جديدة.

وفي هذا الصدد، كان لديه حدس قويّ بأنّ مسألة السيادة على الأماكن المقدّسة ستكون يوماً ما محور خلاف من شبه المستحيل التوصّل إلى حلّ له، ولن يدور هذا الخلاف بين الديانات التوحيديّة الثلاث وحسب، بل أيضاً بين الشعبين الشقيقين المقيمين في فلسطين. وكانت تساوره مخاوف محقّة من أن يؤدّي الاستعمار التعسّفي في نهاية المطاف إلى مواجهة بين عرب متعصّبين ومعادين للسامية ويهود متشدّدين وعنصريين يفصل بينهم جدار يصل تعلّقهم به إلى درجة العبادة.

كان يعتبر أن اليهودانية الفكرية، المتفلّتة من جذورها الدينية أو المجتمعية، تملك شيئاً "عجائبياً وعصيّاً على التحليل". قبل صدور كتابه"موسى"، لم يكن يرى في هذا الشيء "الخاص باليهودي" اصطفاء أو ذاتيّة، بل حالة عبر تاريخية قادرة دون سواها على قيادة اليهود نحو عظمة حقيقية، أي نحو القدرة غير المسبوقة على مواجهة الأحكام المسبقة للجماهير بأعلى درجة من التضامن: "أدين لطبيعتي اليهودية وحدها بالخاصيّتين اللتين أصبحتا ضروريّتين في كينونتي الصعبة. لأنني يهوديّ، وجدت نفسي متحرّراً من الكثير من الأحكام المسبقة التي تقيّد الآخرين في استعمالهم لذكائهم. وبصفتي يهودياً، كنت مستعدّاً للوقوف في صفّ المعارضة وعدم القبول برأي الأكثريّة الغالِبة".

لا تعرف أرض الميعاد التي أحاطها فرويد من كل جوانبها حدوداً ولا موطناً. لا يحيط بها أيّ جدار ولا تحتاج إلى أسلاك شائكة لتثبت سيادتها. إنها في باطن الإنسان، في ضميره، وهي من نسج الكلمات والتخيّلات. فرويد هو وريث رومنسية أضحت علميّة، وقد استعار مفاهيمه من الحضارة الإغريقية اللاتينية ومن الثقافة الألمانية.

بعد إخفائها بعناية، عرفت رسالة فرويد إلى "مؤسّسة إعادة توطين اليهود في فلسطين" مصيراً مشوَّشاً. فعام 1978، ذُكِرت في مقال بالإنكليزية عن فرويد وهرتزل، وعام 1991، ترجم بيتر لوونبرغ، وهو محلّل نفسي أميركي، الرسالة كاملة عن الإنكليزية بعد أن أشارت إليها مجلّة أسبوعية جزائرية سعت إلى إثبات أن فرويد لم يكن يتعاطف مطلقاً مع الصهيونية. وقد نشرها لوونبرغ مع تعليق من نسج خياله حيث اعتبر أن الرسالة معادية للصهيونية ولا تستشرف المستقبل بطريقة صحيحة. وجاء في التعليق "أخطأ فرويد في توقّعاته، فالدولة اليهودية موجودة فعلاً...". يبدو أن لوونبرغ نسي أنه على الرغم من تحفّظ فرويد حيال إقامة دولة يهوديّة في فلسطين، فقد حرص دائماً على إعلان تضامنه مع إخوانه الصهاينة. بعد ترجمتها لأول مرّة من الألمانية إلى الفرنسية، وصلت الرسالة بعد طول انتظار إلى وجهتها.

عن "النوفيل أوبسرفاتور" ترجمة نسرين ناضر.

عن صحيفة "النهار" اللبنانية. 16 كانون الاول / ديسمبر.