تسبب الموقف الأخير لعمدة نيويورك زهران ممداني في إحداث هزة عنيفة داخل الأوساط السياسية الأمريكية والإسرائيلية، بعدما فضّل عدم الانخراط في الفعاليات المؤيدة للاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي قوبل بجبهة عريضة من الانتقادات اللاذعة والاتهامات بكسر عُرف سياسي حافظ عليه قادة المدينة لعقود طويلة.
وبحسب التفاصيل الميدانية، فقد دخل ممداني التاريخ كأول عمدة لنيويورك يقاطع مسيرة دعم الاحتلال الإسرائيلي السنوية منذ تدشينها عام 1964، مفضلاً التوجه بدلاً من ذلك نحو رعاية ومشاركة أنشطة تحتفي بالتاريخ والثقافة اليهودية المحلية داخل المدينة. ورغم تأكيدات مكتب العمدة على الالتزام الكامل بتأمين المسيرة وإصدار التراخيص اللازمة لسلامة الحشود، إلا أن غيابه عن الجادة الخامسة (فيفث أفينيو) أثار حفيظة نخب واشنطن وتل أبيب التي اعتادت على تحويل هذا الحدث إلى منصة سياسية كبرى، شهدت هذا العام حضور زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، ووزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب حشد من المشرعين والسياسيين.
وفي ردود الفعل الغاضبة، شنت قيادات الاحتلال الإسرائيلي هجوماً منظماً اعتبرت فيه غياب ممداني رسالة سياسية متعمدة ومؤشراً واضحاً على مناهضته للسياسات الإسرائيلية في قطاع غزة.
وانضم رئيس وزراء الاحتلال الأسبق نفتالي بينيت إلى قائمة المهاجمين، معتبراً أن التخلف عن الحضور يبعث بإشارات سلبية تضر بتمثيل كافة سكان المدينة، بينما وجّه مندوب الاحتلال لدى الأمم المتحدة داني دانون، وعضوة مجلس المدينة إينا فيرنيكوف، عبارات تهكمية لعمدة نيويورك عبر منصة إكس، تزامناً مع إعراب رابطة مكافحة التشهير (ADL) عن خيبة أملها جراء هذا الموقف غير المسبوق في تاريخ البلدية الممتد لأكثر من ستة عقود.
وعلى الضفة الأمريكية المؤيدة للاحتلال، تصاعدت النبرة التحريضية ضد العمدة الحالي، حيث استغل عضو الكونغرس الجمهوري راندي فاين منبراً لائتلاف الجمهوريين اليهود ليشن هجوماً حاداً، معتبراً أن ممداني لا يستحق قيادة بلدية نيويورك. وفي السياق ذاته، تسابق سياسيون أمريكيون بارزون لإظهار ولائهم المطلق للاحتلال، ومن بينهم عمدة نيويورك السابق أندرو كومو الذي جدد التزامه بمحاربة ما وصفه بمعاداة السامية، بالإضافة إلى النائبين مايك لولر وجيري نادلر اللذين عبرا عن فخرهما بالمشاركة في الفعالية والتأكيد على متانة الروابط التي تجمع واشنطن وتل أبيب.
ويرى مراقبون ودبلوماسيون، من بينهم المستشار السياسي جلعاد كاتس، أن خطوة ممداني تحمل أبعاداً رمزية بالغة الأهمية نظراً لكون مسيرة نيويورك هي الأكبر من نوعها عالمياً لدعم الاحتلال الإسرائيلي.
ويأتي هذا الاستقطاب الحاد ليعكس الثقل السياسي الذي يتمتع به ممداني كأول عمدة مسلم لنيويورك، متمسكاً بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية والمناهضة للعدوان، وهو ما يضعه في عين العاصفة وسط انقسام داخلي وتكالب إعلامي وسياسي غير مسبوق في الساحة الأمريكية.