مثلت الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عودة قوية لبلادة الى الشرق الاوسط وهي وريثة الاتحاد السوفييتي الذي كان اللاعب الاول في المنطقة قبل انهياره
وتأتي الزيارة التاريخية وسط تحولات أساسية في التطورات السياسية الإقليمية الراهنة، ففي حين أن روسيا عضو في اللجنة الرباعية الدولية الراعية لعملية السلام في الشرق الأوسط، غير أن نفوذها في المنطقة تضاءل بشكل كبير، مما أحبطها وأحبط عددا من حلفائها السابقين في المنطقة والواضح ان الرئيس فلاديمير بوتين قام باستعراض لقوته قبل الوصول الى المنطقة بدا هذا الاستعراض بصفقة اسلحة الى سورية رفض فيما بعد الاعتراضات الاسرائيلية عليها ثم لوح بامكانية تقديم عرض افضل للسوريين وهو ما يشكل تهديدا حقيقيا لاسرائيل الا انه اكتفى بما قدم لدمشق من دعم عسكري وهي النقطة الثانية من حيث امساكة لورقة القوة لروسيا التي تشكل احدى اعمدة اللجنة الرباعية الراعية للسلام في الشرق الاوسط. ويبقى الامر الاهم هو العلاقة بين طهران وموسكو وما تقدمه الاخيرة من دعم فني لاقامة مفاعل نووي سلمي لطهران وهذا ايضا كان يقلق اسرائيل بالدرجة الاولى
ومن مصر استهل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارته القصيرة إلى الشرق الأوسط وكان بذلك أول رئيس روسي يزورها منذ أكثر من 40 عاما، وذلك حين زارها رئيس الاتحاد السوفياتي الأسبق نيكيتا خروشوف عام 1964
وفي سياق المحادثات بين الطرفين المصري والروسي فان الفائدة للبلدين اخذت جانبا مهما من المحادثات فالى جانب الاستقرار في الشرق الاوسط وتطبيق خارطة الطريق تطرقت محادثات بوتين مع نظيره المصري الى السياحة اذ استقبلت مصر "650 الف سائح روسي في العام 2004 وهو ما يشكل دخلا مقداره 300 مليون دولار لمصر". وقد تناول الرئيسان ايضا تدعيم المبادلات التجارية التي تضاعفت خلال 2004 لتصل الى 834 مليون دولار.
وخلافا للولايات المتحدة المنحازة الى طرف واحد في النزاع العربي الاسرائيلي يرى بوتين "ان الاستقرار في باقي مناطق العالم مرتبط بتسوية ذات جودة عالية لنزاع الشرق الاوسط وهذا محل اهتمامنا الرئيسي قبل كل شيء".
وعلى الرغم من تخفيضه لسقف المؤتمر الدولي الذي دعا اليه الى مستوى الخبراء فان المعارضة الاميركية والاسرائيلية لهذه الفكرة تعني ان المؤتمر يصب في صالح تطوير الاقتصاد الفلسطيني اضافة الى الزام اسرائيل مجددا لتطبيق التزاماتها.
ولكن يمكن القول ان زيارة فلاديمير بوتين للشرق الأوسط، أتاحت لرئيس الدولة الروسية ان يجس نبض المنطقة
وتركزت محادثات فلاديمير بوتين على عملية السلام في الشرق الأوسط. والأمر المفهوم أن هذه القضية تخص طرفي النزاع قبل غيرهما. إلا أن قضية الشرق الأوسط تحولت من كونها قضية إقليمية إلى قضية دولية وهي قضية شائكة وعويصة. وليس هذا فقط بل أصبحوا يربطونها بمشكلة خطيرة أخرى تشغل بال العالم في الوقت الراهن وهي مشكلة الإرهاب الدولي. وتفاقم الوضع أيضا من جراء الأزمة العراقية وحرب العراق
ومن هنا يكبر دور الوسطاء الذين يساعدون طرفي النزاع على التوصل إلى اتفاق. وبطبيعة الحال فإن اقتراح الرئيس الروسي عقد لقاء دولي للسلام في الشرق الأوسط في الخريف المقبل في موسكو استأثر باهتمام العالم
ورحبت مصر والأردن وفلسطين باقتراح الراعي الروسي لعملية السلام والذي يستطيع، لا ريب، تنظيم لقاء هام كهذا
كما كشفت زيارة فلاديمير بوتين لمنطقة الشرق الأوسط عن رغبة روسيا في تعزيز علاقاتها مع هذه المنطقة مع العلم أن موسكو تملك تجارب عريقة يعود عهدها إلى أواسط القرن الـ20 في التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والعسكري والثقافي مع العالم العربي
وقال الرئيس بوتين أثناء وجوده في القاهرة: إننا قضينا عشرات السنين في بناء هذه العلاقات ولا ننوي تغيير شيء، بل على العكس سوف نعمل على تعزيز هذه التقاليد
ومن المهم، والحالة هذه، تنشيط العلاقات مع مصر لأن التعامل بين موسكو والقاهرة الذي بدأ في منتصف حقبة الخمسينات من القرن الماضي، كان يشجع موسكو على تنشيط سياستها في العالم العربي
لهذا يمكن موافقة الساسة والعلماء والخبراء في روسيا ومصر الذين شاركوا في ندوة حوار عبر القمر الصناعي نظمت في موسكو مؤخرا، على أن زيارة فلاديمير بوتين ستعطي دفعا قويا لتنمية العلاقات الروسية المصرية خاصة والعلاقات الروسية العربية عامة
ووصف عدد من الشخصيات السياسية والإجتماعية العربية هذه الزيارة بالتاريخية. ومهما يكن فإن هذه الزيارة فعلت فعلتها كعامل تحريك لعملية السلام وكعامل إنعاش وتنشيط لعلاقات روسيا مع بلدان المنطقة
وتشير كل الدلائل إلى أن هذه الزيارة زادت من اهتمام روسيا ومؤسسات الدولة الروسية والمجتمع الروسي بالعالم العربي واقتصاده وثقافته وقيمه الدينية . ويمكن توقع أن توظف الجهات الروسية المزيد من جهودها في اتجاه التعامل مع العالم العربي
ويجعل كل ذلك المرء مؤمنا بأن الشرق الأوسط سيحتل – نتيجة لزيارة الرئيس الروسي لهذه المنطقة – حيزا أكبر من أولويات السياسة الخارجية