قال السفير السوري في لندن سامي الخيمي ان بلاده ستنفذ اعادة انتشار جديد لقواتها في لبنان قد تؤدي لاحقا الى الانسحاب الكامل بيد ان محللين توقعوا ان لا تتخلى سوريا عن دورها في لبنان حتى لو سحبت قواتها من لبنان.
نقلت وكالة يونايتد برس انترناسينال عن السفير السوري في لندن قوله "ان سوريا ستجري في القريب العاجل عملية إعادة انتشار جديدة لقواتها قد تكون واسعة بما فيه الكفاية لاخراج القوات السورية خارج لبنان".
واضاف السفير "لا أرغب في تحديد موعد لعملية اعادة الانتشار الجديدة لأن هذه الخطوة تقررها الحكومة اللبنانية بالتنسيق مع الحكومة السورية"، مشددا على ان بلاده "لا تريد البقاء في لبنان الا اذا طُلب منها ذلك للمساعدة في احلال الأمن".
وقال"لا اعتقد ان سوريا ستبقي قواتها في لبنان يوما واحدا اكثر مما تستدعي الحاجة في لبنان، وهي تنفذ بنود اتفاق الطائف واجرت عدة عمليات انتشار لقواتها خلال السنوات القليلة الماضية".
وشدد السفير الخيمي على ان سوريا "قوية سواء كانت قواتها موجودة في لبنان أم لا ، ذلك ان وجود القوات السورية في لبنان لا يجعل من سوريا اقوى".
وأعرب السفير السوري عن اسفه لقرار الولايات المتحدة استدعاء سفيرتها لدى دمشق مارغريت سكوبي للتشاور، وقال ان سكوبي كانت تؤدي "عملا كبيرا في دمشق ونجحت في إحداث شبكة اتصالات وعلاقات جيدة مع الحكومة السورية ومنظمات المجتمع المدني في سوريا".
واعرب عن أمله أن تعود سكوبي في اقرب فرصة الى دمشق "لمتابعة العمل الجيد الذي تقوم به"، مستبعدا استدعاء دمشق سفيرها لدى واشنطن عماد مصطفى كإجراء مشابه.
واعتبر السفير الخيمي ان اتهام سوريا بالوقوف وراء اغتيال رفيق الحريري "يصب في اطار الضغوط الموجهة الى دمشق حاليا"، وقال ان اغتيال الحريري "أضر بسوريا اكثر من اي جهة اخرى، باستثناء لبنان طبعا، وألحق أضرارا جسيمة بالوحدة الوطنية اللبنانية واضرارا مشابهة لمكانة سوريا في الشرق الاوسط وحتى على صعيد استقرارها الداخلي".
وأضاف قائلا: "إن اكبر الخاسرين من وراء هذه الجريمة البشعة هو لبنان اولا ثم سوريا ثانيا"، مشددا على ان "استثمار الاغتيال لممارسة ضغوط على سوريا ينبع من حقيقة ان السياسة غير عادلة". لكنه قال: "لا نتوقع ان يلجأ البعض لاستغلال اغتيال الرئيس الحريري لتحقيق مطامح سياسية كما تفعل المعارضة اللبنانية لتحقيق مكاسب انتخابية او بعض الجهات للضغط على سوريا استجابة للمطالب الاسرائيلية".
محللون يتوقعون عدم تخلي سوريا عن دورها في لبنان
ورغم تصريحات السفير السوري التي لم تؤكدها دمشق فان محللين يرون انه من غير المحتمل ان تسارع سوريا الى الخروج من لبنان رغم تصاعد الضغوط المحلية والخارجية التي تطالبها بتخفيف قبضتها بعد اغتيال الحريري.
واعاد اغتيال الحريري في انفجار قنبلة ذكريات الحرب الاهلية الاليمة الى الاذهان وكانت جنازته مشهدا مذهلا تبدت فيه الوحدة بين الطوائف والمشاعر المناهضة لسوريا في شوارع بيروت.
ولكن محللين يقولون ان دمشق ستتشبث بنفوذها في لبنان حتى لو سحبت في نهاية المطاف ما تبقى من قواتها هناك تنفيذا لمطالب الامم المتحدة التي جاءت بمبادرة من الولايات المتحدة وفرنسا.
وقال استاذ العلوم السياسية اللبناني سامي بارودي "السوريون لديهم عقلية تتسم بالعناد والتحدي... لن يحدث تحول بنسبة 180 درجة".
ومع ذلك فقد اثار مقتل الحريري الذي دخل في خلاف مع دمشق عاصفة سياسية في الاجواء المشحونة بالفعل في لبنان.
وحملت شخصيات سياسية معارضة سوريا المسؤولية واوضحت اسرة الحريري رغبتها في عدم مشاركة حلفاء سوريا من السياسيين اللبنانيين في الجنازة ورفض الرئيس الفرنسي جاك شيراك مقابلة نظيره اللبناني المدعوم من سوريا اميل لحود أثناء زيارته لبيروت للعزاء.
وقال المحلل السياسي رامي خوري "السوريون يواجهون مشكلة ضخمة في لبنان. وقد بدأوا يدركون ببطء مدى ضخامتها".
وأضاف "الضغط يتزايد عليهم. ولابد لهم من مراجعة سياساتهم لاعادة الحوار مع اللبنانيين على اساس اكثر تحقيقا للمنفعة المتبادلة واعادة الحوار مع الغرب قبل ان تتجاوز الامور نقطة اللاعودة."
وتدخلت سوريا عسكريا في الحرب الاهلية عام 1976 واصبحت لها سيطرة فعلية على لبنان بعد تسوية النزاع بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة عام 1990.
ولم يجرؤ سوى قلة من السياسيين اللبنانيين على تحدي النفوذ السوري منذ ذلك الحين. وانقاد كثيرون من بينهم الحريري خلال معظم فترة السنوات الاثنتى عشرة التي أمضاها في السلطة وخارجها لدمشق مذعنين بطريقة توحي بان بلادهم ليس لها صوت مستقل يتمتع بالسيادة.
ومن المحتمل ان وفاة الحريري غيرت ذلك نفسيا.
وقال فولكر بيرثيز من المعهد الالماني للشؤون الدولية والامنية "قد تكون نقطة تحول بالنسبة للبنان من زاوية انها أوجدت شعورا حقيقيا بالوحدة الوطنية".
وأضاف "لقد أظهرت وهو ما قد ينطوي على مفارقة ان الحريري كان هو السياسي المستقل الحقيقي المقبول من جانب جميع الطوائف".
والحريري مسلم سني تسبب نهجه الرأسمالي المتحرر لتعمير بيروت في دخوله في خلافات مع الرئيس لحود ثم مع دمشق في نهاية المطاف.
ومع اقترابه من الساسة المعارضين الاكثر جهرا بمعارضتهم مثل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط أصبح الحريري يشكل فيما يبدو تحديا خطيرا في الانتخابات البرلمانية المزمعة في ايار/مايو.
وقال بيرثيز "المشاهد التي ظهرت في الشوارع أثناء الجنازة تظهر فيما ان الجميع كانوا سيعطونه أصواتهم... ولكنه لا يستطيع ان يوحد الشعب من القبر كما ان الآخرين في المعارضة يفتقرون الى مكانته".
وأضاف ان النظام الانتخابي اللبناني سيجعل من الصعب فوز قائمة معارضة وطنية خصوصا إذا شكل أقرب حلفاء سوريا مثل حركة أمل الشيعية تحالفا انتخابيا مع حزب الله في الجنوب.
وربما تكون علاقات سوريا مع السنة المسالمين عادة في لبنان تدنت الى مستويات جديدة مع مقتل الحريري ولكن محللين قالوا ان عداء السنة سيفتر مع مرور الوقت.
وقال بارودي "من بين نتائج الاغتيال ان السنة باتوا يشعرون بانهم يساهمون بالدم في استقلال لبنان... ولكنهم ما زالوا يريدون علاقات طيبة مع سوريا."
وقالت دمشق انها ستسحب قواتها البالغ عددها 14 الف جندي اذا طلبت بيروت ذلك ولكن لاسباب تتعلق بحفظ ماء الوجه قد تؤجل اي انسحاب الى ما بعد الانتخابات التي تتوقع ان تفرز حكومة اخرى صديقة لسوريا.
وقال بارودي ان السوريين ما زالوا يحاولون صياغة رد واضح على الضغط الذي يواجهونه في لبنان وخارجه.
وأضاف "هم بحاجة لاحتواء الغضب العام والانتقادات الدولية ولكني لا أعتقد ان الحكومة اللبنانية ستستقيل.. سيبدو ذلك الى حد بعيد وكأنه استسلام."
وأشار بارودي الى ان الدور السوري في لبنان اجتاز عدة نكسات في السابق بما في ذلك الغزو الإسرائيلي عام 1982.
وقال "يمكنهم الإبقاء على نفوذهم هنا حتى دون قوات. هناك اتفاقات كثيرة بين سوريا ولبنان".
وأي محاولة دولية لاجبار السوريين على انسحاب مهين قد يكون لها تداعيات غير مرغوبة.
وقال بيرثيز "قد يحدث نوع من الانسحاب الخبيث الذي يلجأ فيه السوريون الى اثارة تصعيد سياسي. والسؤال هل سيفعلها السوريون بشكل امن أم ان ذلك سيغري قوى في المؤسسة الامنية بأن تبرهن على ان وجودها مطلوب".