سهى عرفات تتطلع الى الثروة

تاريخ النشر: 09 نوفمبر 2004 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

منذ ادخال الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات مستشفى بيرسي العسكري في ضاحية كلامار في باريس قبل عشرة أيام، عادت زوجته سهى الى الضوء بعدما غابت عن الساحة الفلسطينية طوال أربع سنوات، فباتت تدقق في أصغر التفاصيل الواردة في النشرات الطبية الصادرة عن المستشفى, كما تجيز أو تمنع زيارات مستشارين كبار لزوجها، وصولاً الى تفجيرها أمس عاصفة سياسية وإخراجها الى العلن نزاعاً على السلطة كان يجري وراء الكواليس حتى الان, وذلك باتهامها في اتصال هاتفي بقناة “الجزيرة” الفضائية القطرية استغرق دقيقة واحدة, رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس بـ”التآمر” لدفن زوجها “حياً” لكي يرثا سلطاته.  

وتزامنت هذه العاصفة السياسية مع إبراز وسائل الاعلام الاسرائيلية ملف الاموال والممتلكات الموضوعة باسم الزعيم الفلسطيني واتهامها مباشرة زوجته بالسعي الى الاستيلاء عليها, وهي تقدر بنحو مليار دولار.  

وقبل استدعائها الى رام الله في 28 تشرين الاول، كانت “السيدة الاولى” الفلسطينية غائبة نسبياً عن الساحة منذ ما يقارب السنوات الاربع، فمنذ بدء الانتفاضة في أيلول 2000 لم تزر المناطق الفلسطينية ولم تلتق زوجها، وهي كانت تعيش في باريس في ترف أثار استياء كثيرين لتناقضه مع الحياة المتقشفة لزوجها وأبناء شعبها.  

وتصغر سهى، وهي مسيحية اعتنقت الاسلام، زوجها بـ34 سنة. تتحدر من أسرة فلسطينية ثرية. والدها مصرفي ووالدتها ريموندا الطويل ذات الشخصية القوية ومؤسسة وكالة أنباء فلسطينية. تلقت تعليمها في مدارس فرنسية. أما جذور علاقتها بعرفات فتعود الى نهاية الثمانينات من القرن الماضي , اذ التقته للمرة الاولى عندما كانت طالبة في جامعة السوربون. وفي حينه، عينها عرفات مسؤولة للعلاقات العامة في منظمة التحرير الفلسطينية خلال إقامته في منفاه في تونس، ثم صارت مستشارته لشؤون الاقتصاد، قبل أن يتزوجا سرا عام 1990 ويعلنا زواجهما بعد ذلك بسنتين. إلا أن دخولها حياة “القائد” لم يكن له أثر طيب في أوساطه .وفي كتابهما “الارواح السبعة لياسر عرفات”، كتب كريستوف بولتانسكي وجيهان الطاهري أن “ الفدائيين الذين تعودوا مشاركة قائدهم في كل شيء، صعب عليهم أن يتقبلوا بينهم شخصاً لم يعرف لا حرب لبنان، ولا مصاعب العيش في الخفاء...”.  

وفي السنين الاولى لزواجهما, كانت حاضرة بقوة الى جانب عرفات.ومع ذلك, منعت من السفر الى واشنطن لحضور الاحتفال بتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993، بعدما قال محمود عباس, أحد مهندسي المفاوضات التي أوصلت الى اتفاقات أوسلو, لعرفات:”إما أنا إما هي”, معتبراً أن لا مكان لها في البعثة الفلسطينية, واضطر الزعيم الفلسطيني آنذاك الى الاذعان كما يروي أمنون كابيليوك في كتابه “ياسر عرفات الذي لا يقهر”.  

وكانت “سوسو” كما كان يحلو للزعيم الفلسطيني أن ينادي زوجته استناداً الى كابيليوك, الى جانب زوجها عند وصوله الى قطاع غزة في تموز 1994، كما في قداس نصف الليل الاول الذي حضره في بيت لحم.  

ولدت ابنتهما الوحيدة زهوة عام 1995 في مستشفى خاص في باريس, قبل أن تتدهور حياتهما الزوجية في سرعة الى حال من الانفصال الفعلي, إذ عرف عن سهى ذات الشعر الاشقر المصبوغ، حبها للثياب الباهظة الثمن, والحياة المترفة التي تتناقض تماماً مع تقشف زوجها ببزته العسكرية وانشغاله التام بالسياسة.  

وذات مرة، قالت سهى لصحيفة مصرية أن زوجها لم يقدم لها المجوهرات اطلاقاً، وأنه يعيش كعازب. وأضافت في المقابلة النادرة: “عندما اشتكي من الاهمال، يقدم لي هدايا ورموزاً من الثورة الفلسطينية”. إلا انها نفت لاحقاً أن يكون زواجها يواجه صعوبات، ووصفت عرفات بانه “أسعد زوج”.  

حتى أنها لفتت مرة الى أنها “تزوجت أسطورة”، وأعربت بوضوح عن تمسكها الشديد بحلم عرفات بإقامة دولة فلسطينية.وعلى رغم أسلوب حياتها الغربي, قالت سهى إن “لا شرف يعلو” شرف التضحية بأحد أبنائها من أجل النضال، وأعلنت دعمها للعمليات الانتحارية الفلسطينية.  

وأثارت سهى غضب الشعب الفلسطيني عندما غادرت منطقة الشرق الاوسط مطلع 2000 لتعيش حياة مترفة، اذ رأى الفلسطينيون في ذلك خيانة لقضيتهم. ومذذاك، صارت تتنقل بين باريس وتونس التي كانت مقراً لمنظمة التحرير الفلسطينية.  

وعلى رغم بعدها عن زوجها، أبدت سهى قبل نحو ستة أشهر استعدادها للعودة الى المناطق الفلسطينية “لحظة يطلب ذلك مني”.  

وفي 28 تشرين الاول الماضي عادت الى رام الله, وانتقلت مع عرفات الى باريس لتلازمه مذذاك في المستشفى وتحظى بما لم تحصل عليه خلال 14 سنة من الزواج، وهو السلطة والنفوذ.  

وهذه ليست المرة الاولى التي تسبب فيها سهى متاعب للقيادة الفلسطينية وتربك زوجها نتيجة افتقارها الى الديبلوماسية. اذ سبق لها أن أحرجت زوجة الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون هيلاري كلينتون خلال وجودها في الضفة الغربية، بتوجيهها انتقادات الى اسرائيل التي اتهمتها بزيادة حالات الاصابة بالسرطان في المناطق الفلسطينية.  

واضطر مسؤول فلسطيني بارز الى الاعتذار من واشنطن.  

وكانت فرنسا فتحت العام الماضي تحقيقاً في عملية تحويل مبالغ مالية ضخمة من مصدر غير محدد الى حسابات سهى عرفات في مصارف فرنسية, الا أن زوجة الزعيم الفلسطيني اتهمت رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون بانه وراء المعلومات التي نشرتها الصحف بعد التحقيقات.  

مليار دولار  

وتزامنت العاصفة السياسية التي أثارتها سهى عرفات مع نشر صحيفة “هآرتس” أن الاموال والممتلكات الموضوعة باسم الزعيم الفلسطيني والموزعة في كل أنحاء العالم, قد تتجاوز مليار دولار وقد تكون اقتطعت من السلطة الفلسطينية بين عامي 1995 و2000. لكن الاصلاحات المالية التي سمح عرفات بادخالها، اثر ضغوط دولية عام 2002، اختزلت موازنة الصرف الخاصة بمكتبه من 329 مليون دولار سنويا الى 90 مليون دولار حالياً استناداً الى مصدر مالي فلسطيني .وادت الاصلاحات نفسها التي توجت قبل سنتين بتعيين الخبير المالي الدولي سلام فياض وزيراً للمال ببيع شركات قدرت ممتلكاتها بنحو 800 مليون دولار من القطاع الخاص.  

وأوردت صحيفة “يديعوت أحرونوت” ترتيبا نقلته عن صحيفة “فوربس” الاميركية يدرج عرفات في المرتبة التاسعة بين حكام الدول الاكثر ثراء في العالم. وقدرت ثروته الشخصية بمئتي مليون دولار.  

وعلق شلومو بروم الخبير في مؤسسة “جافي” للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل ابيب بأن هذا الموضوع المتفجر يتضمن “شيئا قليلا من الحقيقة وبالتأكيد الكثير من الخيال”.  

كذلك، نشرت صحيفة “هآرتس” تقريرا لصندوق النقد الدولي يشير الى وجود نقص يبلغ 778 مليون دولار في حسابات السلطة الفلسطينية، اضافة الى عدم القدرة على تتبع آثار مبالغ استوفيت من ضريبة الدخل.  

وتقول اسرائيل إن الرسوم الجمركية التي تجبيها على البضائع التي تستورد الى المناطق الفلسطينية توضع في حساب شخصي لعرفات في أحد فروع مصرف لئومي في تل ابيب.  

وقالت الصحف الاسرائيلية ان يوسي غينوسار المسؤول السابق في جهاز الامن الداخلي”شين بيت” استجوب بعد اتهامه بالافادة من عمولات كبيرة، لانه سمح للزعيم الفلسطيني بنقل أموال في اطار استثمارات في الخارج.  

وقد توفي غينوسار، الا أن شريكه الفلسطيني المباشر محمد رشيد لا يزال المستشار الاقتصادي لعرفات.  

استثمارات المنظمة 5 مليارات دولار  

طوال أربعة عقود، ادار الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات امبراطورية مالية تشمل استثمارات لمنظمة التحرير الفلسطينية في شركات طيران وزراعات الموز وشركات للتكنولوجيا العالمية وحسابات مصرفية في أنحاء العالم.  

وقال المسؤول المالي السابق في منظمة التحرير جواد الغصين انه عندما ترك منصبه عام 1996، كانت استثمارات المنظمة تساوي ما بين ثلاثة مليارات وخمسة مليارات دولار.  

ولا احد يعلم حجم هذه الاستثمارات في الوقت الحاضر، لكن البعض يقول انها أقل ببضعة ملايين من الدولارات.  

وقال عضو المجلس التشريعي حسن القرشي: “انها أموال الشعب الفلسطيني”. واضاف انه سيدعو الى عقد جلسة للمجلس من اجل اجراء تحقيق برلماني في هذه الاستثمارات. __(عن صحيفة النهار)