سيناريوهات ما بعد الانسحاب الاميركي من العراق

تاريخ النشر: 30 أبريل 2009 - 09:00 GMT

اذا ما انسحبت القوات الأميركية من العراق في المستقبل القريب، فانه من المحتمل ان تظهر على السطح ثلاثة تطورات؛ الشيعة الأغلبية سيطردون السنة من المناطق المختلطة، وستندلع حرب اهلية في جنوب العراق بين الجماعات الشيعية، وسيعزز الشمال الكردي حدوده ويدعو قوات أميركية الى هناك. وباختصار فان العراق سيصبح من الناحية الفعلية ثلاث دول منفصلة. تلك كانت النتيجة التي توصلت اليها «العاب حرب» حديثة أدارها لصالح الجيش الأميركي الكولونيل المتقاعد في قوات المارينز غاري أندرسون. وقال اندرسون الذي يعمل الآن لحساب شركة مقاولات دفاعية كبيرة «أنا بصراحة أعتقد أن الوضع بشع».

وفي دفاعه عن الوجود المستمر للقوات الأميركية، قال الرئيس الاميركي جورج بوش، إن «القاعدة» او ايران، أو كلتيهما، «ستكونان قادرتين على تجنيد افراد بصورة افضل وتوفير قدر اكبر من الاموال يمكن أن تستندا اليها في شن عمليات لتحقيق أهدافهما» في مهاجمة الولايات المتحدة. ويعتقد المناوئون للحرب في الكونغرس ان بوش يبالغ في إثارة المخاوف وأنه ما من شيء يمكن ان يكون أسوأ من الوضع الحالي.

وعلى نحو متزايد، يركز الجدل في واشنطن حول توقيت مغادرة القوات الأميركية على ما يمكن أن يحدث بعد مغادرتها. ويبحث الجيش الأميركي سيناريوهات لتقليص وجود قواته في العراق. ومن بين التساؤلات المطروحة في هذا السياق: هل ستجد الحكومة طريقها أم ان البلد سينقسم على اسس طائفية؟ هل ستستولي «القاعدة» على البلد؟ هل ستفعل ايران ذلك؟ هل سيتحسن الأمن الأميركي أم انه سيتدهور؟ هل يعتمد الجواب على موعد وكيفية وعدد القوات الأميركية التي ستغادر؟

ويرى بعض ضباط الجيش أنه، بغض النظر عما اذا كان العراق سيقسم أو أن قوى خارجية ستسعى الى الهيمنة عليه بعد انسحاب القوات الأميركية، فان مذبحة أكبر وأعظم ستحصل لا محالة. وقال ضابط خدم في العراق ان «الحديث الذي أسمعه في الغالب هو انه سيكون هناك اندلاع للعنف عندما نغادر». غير ان قلة تخيلوا الحرب الطويلة في العراق التي هي الآن في عامها الخامس، او النكسات التي حدثت خلالها، ولا استنتاجات راسخة فيما يتعلق بعواقب تقليص القوات الأميركية. ويتصور مسؤول رفيع في الادارة ذو علاقة وثيقة بالسياسة الخاصة بالعراق، حصول مذبحة مروعة؛ اذ يتوجه العراق نحو مزيد من الفوضى. وقال المسؤول «علينا ان نكون أكثر تواضعا فيما يتعلق بقدرتنا على التنبؤ».

وفي لعبة حرب سرية جرت في ديسمبر(كانون الاول) الماضي في مبنى قرب البنتاغون، قضى ما يزيد على 20 مشاركا من الجيش ووكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية والقطاع الخاص ثلاثة أيام يدرسون ما يمكن أن يحدث اذا ما نفذت توصيات مجموعة دراسة العراق. وكان أحد الأسئلة يتعلق بالكيفية التي يمكن أن ترد بها سورية وايران على الخطوات الدبلوماسية التي اقترحتها المجموعة التي يترأسها وزير الخارجية السابق الجمهوري جيمس بيكر وعضو الكونغرس السابق الديمقراطي لي هاملتون. وتوصل المشاركون الى أنه من الصعب على ايران المساهمة لأن حكومتها المنقسمة عاجزة عن الوفاء بوعودها. أما اللاعبون الذين يمثلون سورية فقد شاركوا مع الدبلوماسيين الأميركيين في النقاش، لكنهم ربطوا المساعدة في بغداد بتخفيف الضغط الأميركي في الملف اللبناني.

وقال احد المشاركين إن المسألة الجوهرية «هي ما نراه الى حد كبير» منذ أن بدأت ادارة بوش محادثات مع دمشق وطهران: نتائج ملموسة ضعيفة.

ووسط الجدل السياسي في واشنطن حول مغادرة القوات العسكرية، أكد قادة عسكريون اميركيون اهمية إعداد خطة انسحاب شاملة ومعدة بعناية. وقال الجنرال بنجامين ميكسون، وهو من كبار القادة العسكريين الاميركيين في العراق، انه بصرف النظر عما يقرره الساسة «هناك حاجة الى ان تكون هذه الخطة معدة بعناية وقائمة على المعطيات الواقعية وليس على مجرد الشعور بالحاجة الى الخروج من العراق»، على حد تعليقه. التاريخ يعج بعمليات انسحاب افرزت نتائج سيئة؛ حالة الانسحاب الأكثر بشاعة حدثت لدى مغادرة البريطانيين افغانستان عام 1842، عندما ترك 16500 من الجنود والمدنيين كابل ظنا منهم ان الطريق الى الهند آمن. وبعد مرور حوالي أسبوعين وصل اوروبي واحد فقط على قيد الحياة مدينة جلال آباد على الحدود الافغانية ـ الهندية. كما ان انسحاب الاتحاد السوفياتي من افغانستان، الذي بدأ في مايو (أيار) 1988، عقب عشر سنوات تقريبا من الاحتلال، كشف عن أخطاء. وشأنها شأن القوات التي وصلت العراق عام 2003، كانت القوات السوفياتية في أفغانستان في ذلك الوقت مدججة بالسلاح العتيد. وبمجرد إعلان موسكو خططها الخاصة بالانسحاب من أفغانستان، أسفرت الأوضاع السياسية والأمنية عن تطورات اسرع بكثير مما كان متوقعا. وقال الجنرال دانيال مورغان ان القوات السوفياتية اضطرت للقتال وهي في طريق انسحابها من افغانستان، واضطروا ايضا للانسحاب جوا من مدينة قندهار، حيث كان القتال شرسا. ويختلف مؤيدو ومعارضو الحرب في واشنطن حول الدروس المستخلصة من انسحاب القوات الاميركية من فيتنام. وقال السناتور جون ماكين، الذي شارك في حرب فيتنام، في معرض حديث له الاسبوع الماضي حول انسحاب مبكر من العراق، انه شاهد جيشا مهزوما، كما ان الفترة التي استغرقها الجيش للتخلص من آثار تلك الهزيمة كانت طويلة؛ في إشارة الى انسحاب القوات الاميركية من فيتنام. اما السيناتور الديمقراطي جوزيف بيدن، فقد قال ان بغداد ستصبح «سايغون اخرى» في حال أي انسحاب مبكر للقوات الاميركية من العراق. وأضاف: «سنرى عمليات إخلاء الجنود الاميركيين من على سطوح بنايات المنطقة الخضراء اذا لم نغير سياستنا». الأمر المثير للانتباه في سيناريوهات ما بعد خفض حجم القوات، انها تركز على الحرب الأهلية والتدخل الاقليمي والاضطراب اكثر من تركيزها على تأسيس مركز لشبكة «القاعدة» في العراق. ويشكل هذا الجانب لدى بوش الخطر الرئيسي للانسحاب. وقال في هذا السياق خلال مؤتمر صحافي له الاسبوع الماضي، ان الانسحاب من العراق يعني تسليم مستقبله الى «القاعدة». وأضاف «يعني ذلك حدوث عمليات قتل جماعي بمعدل مثير للفزع. يعني ذلك ايضا اننا سنسمح للارهابيين بتأسيس ملاذ آمن في العراق بدلا عن ملاذهم الذي فقدوه في أفغانستان». وقال بوش ايضا «ان القوات الاميركية اذا انسحبت من العراق في وقت قريب، فإنها قد تضطر للعودة مجددا في وقت لاحق لمواجهة عدو اكثر خطرا». وأضاف أيضا في نفس السياق، إن الانسحاب سيربك ويثير مخاوف اصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وسيشجع سورية، وإيران على وجه الخصوص، ويدفعها الى ممارسة نفوذها في منطقة الشرق الاوسط. إلا ان ثمة محللي استخبارات أميركيين لديهم نظرة مختلفة حيال وجود «القاعدة» في العراق؛ إذ يرى هؤلاء ان أسامة بن لادن يمثل مصدر إلهام وليس مصدر تعليمات بالنسبة للفروع المحلية لشبكة «القاعدة». يرى هؤلاء ايضا ان أعداء «القاعدة»، وغالبيتهم الساحقة من العراقيين، يقيمون في بغداد والمناطق التي تقطنها غالبية شيعية.