يصارع رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون الموت بعد اصابته بنزيف حاد في الدماغ، فيما يرى مراقبون ان غيابه المفاجئ سيهز الساحة السياسية الاسرائيلية حتى النخاع، وسيلقي بظلاله على امال السلام مع الفلسطينيين.
وقال جراحون انهم اوقفوا النزيف خلال عملية جراحية استغرقت سبع ساعات. لكن حالته مازالت حرجة في وحدة العناية المركزة بمستشفى هداسا بالقدس.
وأصيب شارون (77 عاما) بنزيف في المخ في وقت متأخر مساء الاربعاء في خضم سعيه لإعادة انتخابه بوعد بانهاء الصراع مع الفلسطينيين الذين فقدوا زعيمهم ياسر عرفات بعد اصابته بنزيف في المخ في نوفمبر تشرين الثاني عام 2004 بعد اسابيع من المرض.
وقال مدير مستشفى هداسا ان حالة شارون الذي اجريت له جراحة استغرقت ساعات طويلة مازالت حرجة وسيبقى تحت المخدر وعلى جهاز التنفس الصناعي 24 ساعة على الاقل.
وقال الطبيب شلومو مور يوسف مدير مستشفى هداسا بالقدس الذي اجريت فيه جراحة لشارون لوقف نزيف المخ للصحفيين "حالة رئيس الوزراء...مازالت حرجة لكن مستقرة."
ولم يحدد الجنرال السابق الذي تعلق الولايات المتحدة عليه امال السلام في الشرق الاوسط خليفة له.
لكن نائبه ايهود اولمرت عين قائما بأعمال رئيس الوزراء.
ونقل شارون الذي يعاني من السمنة الزائدة منذ فترة طويلة وأصيب بجلطة في 18 كانون الاول/ديسمبر الماضي للمستشفى في وقت متأخر مساء الاربعاء من مزرعته في جنوب اسرائيل بعد أن شكا من تعب.
وكان من المقرر ان تجرى جراحة لشارون الخميس في مستشفى هداسا لعلاج ثقب صغير في القلب يعتقد انه تسبب في الجلطة التي نقل على اثرها للمستشفى الشهر الماضي.
وتكهن أطباء استضافهم التلفزيون الاسرائيلي بأن عقاقير منع تجلط الدم التي اعطيت له على مدى الاسبوعين الماضيين قد تكون اسهمت في الحالة التي تعرض لها ليل الأربعاء.
وأمضى الجنرال السابق الملقب "البلدوزر" عدة أيام في المستشفى بعد توعكه الشهر الماضي لكنه عاد سريعا لممارسة مهامه.
اصداء محلية ودولية
وتهاوت أسعار الاصول الاسرائيلية بعد الانباء عن أحوال شارون الصحية. وانخفض سعر الشيقل الاسرائيلي الى اقل مستوى له مقابل الدولار في حين انخفضت أسعار الاسهم في بورصة تل أبيب بنسبة ستة بالمئة عند بدء التداول واستمر هذه النسبة من التراجع في التعاملات التي جرت بعد الظهر.
وقال ستانلي فيشر محافظ البنك المركزي في بيان "حتى الان تسير الاسواق على نحو طيب في ضوء الظروف الراهنة وسيستمر بنك اسرائيل (المركزي) في مراقبة تطوراتها." ودعا مصلون يهود لشارون بالشفاء عند حائط المبكى بالقدس.
وفي واشنطن أشادت وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس يوم الخميس بشارون واصفة اياه بأنه "شخصية عملاقة" على الساحة السياسية في الشرق الاوسط ومعبرة عن ثقتها في أن الرغبة في احلال السلام موجودة بعمق في المجتمع الاسرائيلي.
وقالت رايس للصحفيين خلال افطار في وزارة الخارجية "نركز صلواتنا وأفكارنا على أمل تعافيه. أعتقد أن هذا هو الشيء المناسب في هذا الوقت لانه شخصية كبيرة وعملاقة في السياسة الاسرائيلية وأصبح كذلك في الشرق الاوسط بأكمله والعالم."
وقال الرئيس الامريكي جورج بوش الحليف المقرب من شارون "ندعو له بالشفاء."
واعتمد بوش على شارون بدرجة كبيرة في محاولته اقناع الاسرائيليين والفلسطينيين بالتوصل الى اتفاق سلام. ونصح شارون بعد مرضه الشهر الماضي قائلا انه يتعين عليه توخي الحرص فيما يأكل وممارسة الرياضة.
وفلسطينيا، قال متحدث باسم الرئيس محمود عباس ان عباس اتصل بمكتب شارون للاستفسار عن صحته وكي يتمنى له الشفاء العاجل.
وقال نبيل شعث نائب رئيس الوزراء الفلسطيني انه لا يعتقد أن شارون كان يؤمن في اي لحظة بعملية السلام لكن حالته الصحية من شأنها زيادة الشكوك والمخاوف بشأن العودة للمفاوضات.
وأعربت الفصائل الفلسطينية المستاءة من اجراءات شارون العنيفة ضد الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت قبل خمس سنوات عن فرحها.
وقال ابو عبير المتحدث باسم لجان المقاومة الشعبية في بيان ان سقوط "دراكولا القرن" هو يوم سعيد على جميع الفلسطينيين وعلى جميع المسلمين.
وأصدرت حركة حماس بيانا قالت فيه ان شارون "احترف القتل والاجرام بحق شعبنا الفلسطيني وشعوب المنطقة"
وأضافت ان "أيَّ تغيير في الكيان الصهيوني يجب أن تتم قراءته بدقة.. على قادة شعبنا الفلسطيني أن يكونوا حذرين من أن يدفع الشعب الفلسطيني ثمن هذا التغيير لان أي بديل عن شارون سيسعى لاثبات أهليته من خلال مزيد من العدوان على شعبنا."
ودعت حماس "لعدم ربط مسيرتنا الوطنية أو الاستحقاقات الفلسطينية الداخلية بأي تغييرات من المتوقع أن تنشأ في الكيان الصهيوني".
وفي العالم العربي الذي يمقت الرجل الذي دبر غزو اسرائيل للبنان عام 1982 يخشى كثير من العرب من غياب الرجل القوي الذي يملك احتمالات اقامة السلام.
ولخصت صحيفة يديعوت أحرونوت أكبر صحف اسرائيل حالة شارون في عنوان يقول "المعركة الاخيرة."
غياب يلقي ظلاله على امال السلام
ويرى مراقبون اسرائيليون ان الغياب المفاجئ لشارون سيهز الساحة السياسية الاسرائيلية حتى النخاع، وسيلقي بظلاله على امال السلام مع الفلسطينيين.
وأكثر ما يميز شارون دائما هو اطلاق الزلازل. واختفاؤه المفاجيء من الساحة السياسية ليس استثناء من هذه القاعدة وسيكون أعمق اثاره تدمير أمله في انهاء الصراع المستمر منذ عقود مع الفلسطينيين ولكن بشروطه التي لا تقبل المساومة.
وقال يوسي كلاين-ليفي المحلل السياسي الاسرائيلي "ليس هناك من يقدر على توحيد البلاد حول قرارات صعبة يتعين اتخاذها كما كان يفعل شارون."
وهناك شكوك بشأن ما اذا كان التحول الاسرائيلي الكبير باتجاه سياسة وسطية والذي قاده شارون قبل بضعة أسابيع بعد استكماله الانسحاب من غزة قد يتمكن من البقاء حتى الى موعد الانتخابات في اذار/مارس المقبل والتي كان من شبه المؤكد ان يفوز فيها شارون.
فحزب شارون الجديد كديما الاكثر ميلا لتيار الوسط يفتقر ليس فقط لقيادة بارزة أخرى تتمتع بالخبرة والقدرة على تشكيل قوة سياسية جديدة بل يفتقر أيضا لقائمة مرشحين في الانتخابات. والتي لم يكن لها وجود على الارجح سوى في رأس شارون.
وكتب نداف ايال في صحيفة معاريف واسعة الانتشار يقول "شارون هو كديما وكديما هو شارون."
وايهود اولمرت نائب رئيس الوزراء الذي تولى سلطات شارون سياسي له مستقبل واعد لكنه لا يمكنه كسب الثقة نفسها التي كان يتمتع بها شارون.
ومن المرشحين الاخرين لخلافته تسيبي ليفني وزيرة العدل وشاؤول موفاز وزير الدفاع وكلاهما يفتقر لقاعدة سياسية قوية.
وحالة الفوضى التي يشهدها حزب كديما ستخدم بالتأكيد ما تبقى من حزب ليكود الذي يقوده حاليا اليميني بنيامين نتنياهو بعد أن تمزق بخروج شارون منه قافزا من على متن السفينة الغارقة في محاولة للافلات من خلافات داخل الحزب بشأن ترك اراض محتلة للفلسطينيين.
لكن نتنياهو (بيبي) لديه على الاقل من المقومات أنه رئيس وزراء سابق على الرغم من انه لا يحظى بشعبية كبيرة.
وأظهرت استطلاعات رأي حديثة أن الزعيم النقابي عامير بيرتس زعيم حزب العمل تراجع مرة أخرى بعد انتعاشه لفترة وجيزة.
وقد يستفيد كديما من توقعات بأنه سيتبع خطى شارون لكن الاسرائيليين أوضحوا على مر العقود انهم لا يصوتون بدافع التعاطف. فقد هزم حزب العمل بعد اغتيال زعيمه اسحق رابين عام 1995.
وكتبت اتيلا سومفالفي في موقع صحيفة يديعوت أحرونوت على الانترنت تقول "الديموقراطية الاسرائيلية ستعرف كيف تتعامل مع هذا الاختبار كما عرفت كيف تتعامل معه في الماضي." وأضافت "لم يتضح كيف يمكن ان ينجو حزب كديما من ذلك."
وقد يكون أكبر الرابحين من رحيل شارون هم المتطرفون من الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني.. اليهود القوميون المتطرفون الذين يرفضون التفريط فيما يعتقدون أنه حقهم التوراتي والاسلاميون العازمون على تدمير اسرائيل.
ومجرد اختيار زعيم جديد سيعلق عملية السلام مع الفلسطينية بمقتضى خطة "خارطة الطريق" للسلام في الشرق الاوسط المتعثرة منذ فترة طويلة.
وفرصة العثور على بديل قادر على تمرير خطوات قد تعني التخلي على الاقل عن بعض المستوطنات في الضفة الغربية تمثل تحديا أكبر بكثير.
ورغم تحول شارون من كونه عراب حركة الاستيطان الى الرجل الذي طرد المستوطنين من غزة الا انه لا يمكن اعتباره رجلا يفضل التفاوض على المواجهة العسكرية.
وخطته المفترضة سواء باتباع خارطة الطاريق أم لا كان من المرجح ان تشمل ازالة بعض المستوطنات الصغيرة المتناثرة في الضفة الغربية والابقاء على المستوطنات الاكبر بمباركة الرئيس الامريكي جورج بوش.
وقال كلاين-ليفي "بخروج شارون من الصورة يصعب تصور أي شخص اخر يتمتع بالثقل والارادة التي تمكنه من تنفيذ المهمة بالغة الصعوبة المتمثلة في إجلاء عشرات الالوف من المستوطنين الاكثر تشددا."
ولكن الاهداف التي كان يسعى شارون لتحقيقها لا ترقى الى قيام الدولة الفلسطينية التي يريدها الفلسطينيون على جميع اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية العربية.
ويخشى الفلسطينيون ان يملي شارون شروطا تترك لهم اجزاء متشظية من الارض التي يريدونها.
والسؤال الان هو هل سيرضى اي زعيم اسرائيلي بتسليم اي ارض للفلسطينيين.
وقال باسم عيد وهو ناشط في مجال حقوق الانسان الفلسطيني ان مغادرة شارون للساحة سيحمله الفلسطينيون على اكتافهم فقد كانت للفلسطينيين توقعات كبيرة.
ويقول محللون سياسيون ان تراجع احتمالات ان تكون هناك انسحابات اسرائيلية اخرى تزيد من خطر استعار الانتفاضة الفلسطينية من جديد بعدما هدأت نتيجة لاتفاق على التهدئة بين شارون وعباس.
—(البوابة)—(مصادر متعددة)