شيعة العراق يستعدون لإحياء ذكرى ”عاشوراء”

تاريخ النشر: 27 ديسمبر 2008 - 07:48 GMT
على قدم وساق تجري الاستعدادات في حي الكاظمية ببغداد لإحياء أيام عاشوراء، ذكرى مقتل الإمام الحسين في واقعة الطف قبل أكثر من 14 قرنا في مدينة كربلاء.

ويتوقع أبو قاسم -63 عاما- وهو صاحب أحد المواكب في مدينة الكاظمية، أن تلقي الأجواء الأمنية بظلالها على مراسم هذا العام، "بما أن المدينة ربما تستقبل أعدادا غفيرة من الزوار".

ويقول "لقد أنجزنا استعداداتنا لاستقبال شهر الأحزان، وأعتقد أن هذا العام سيكون مميزا، من حيث الإعداد والتهيئة وإقامة المراسم والطقوس بشكل يتلاءم وقدسية هذا الشهر ومعانيه النبيلة".

وتضم الكاظمية التي كانت تسمى زمن الدولة العباسية "مقابر قريش"، مرقد الإمامين موسى الكاظم، الذي دفن فيها عام 802 ميلادية، ومحمد الجواد، وهما من المراقد المشهورة في بغداد. وبني حول المرقدين عام 1515 ميلادية مسجد واسع الأطراف تعلوه قبتان وأربعة منابر مطلية بالذهب.

وشرع المئات من الأشخاص في أرجاء المدينة بتهيئة مستلزمات المواكب التي ستنطلق ابتداء من اليوم الأول من شهر المحرم، الذي سيصادف غدا الأحد ، والتي تتضمن نصب سرادق وأماكن لتجمع الأشخاص للاستماع إلى رواة يستعرضون رحلة الإمام الحسين من مكة المكرمة إلى مدينة كربلاء، بصحبة أهل بيته وأنصاره، في رحلة الدفاع عن قيم جده النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وتختم بأداء طقوس الحزن والبكاء والضرب على الصدر والوجه تأثرا بما حدث للإمام الحسين وأنصاره وأهل بيته.

إلى جانب هذا، ستنطلق يوميا وطول الأيام العشرة الأولى من شهر المحرم التي يطلق عليها "عاشوراء"، مواكب عزاء يشارك فيها المئات يتقدم كل موكب رجل يمتطي صهوة الجواد حاملا سيفا وراية ومرتديا درعا وخلفه العشرات من حملة الطبول والدفوف وعربة سفينة النجاة المزينة بالسيوف والأجراس.

ويسير في المرحلة الأخيرة من الموكب أشخاص يرتدون ملابس سوداء وتغطي رؤوسهم عمائم خضراء ويضربون أجسادهم بسلاسل حديدية على وقع أصوات الطبول، فيما يقوم آخرون بعروض مسرحية في الشوارع تحكي واقعة الطف وتحظى بتعاطف الناس المتواجدين في المدينة.

وتحرص مئات الأسر العراقية من أرجاء بغداد على التواجد في مدينة الكاظمية طوال شهر محرم، لمشاهدة هذه المواكب والتفاعل معها، في مشهد يغطي عليه الأسى والحزن، وهو لم يكن مألوفا طوال حقبة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الذي كان يمنع بشدة إقامة مثل هذه الفعاليات؛ لكن الأمر اتسع وأخذ مدى أوسع بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

وتقول زينب حسين -34عاما- وتعمل معلمة "منذ ثلاثة أعوام وأنا أحرص على زيارة مدينة الكاظمية كل يوم لمشاهدة مواكب الحزن التي تنظم يوميا بمناسبة عاشوراء، وهي فرصة للتعبير عما يختلج بدواخلنا من الحزن والأسى على سيرة أهل البيت، فضلا عنها فرصة للتعبير عن مشاعر الحزن التي بداخلي على فقدان أخي خلال أعمال العنف التي اجتاحت البلاد ولم نعرف مصيره حتى الآن".

ورغم أن هذه الفعاليات تنظم طوال شهر المحرم في الأحياء الشيعية في بغداد؛ مثل الصدر والكرادة والشعلة وأحياء أخرى، إلا أن حي الكاظمية يستقطب المئات من الأشخاص من مناطق أخرى نظرا لدقة التنظيم وكونها تقام بجوار مرقد الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد وهما من أئمة الشيعة.

وإلى جانب ذلك، تشهد المدن الشيعية، وخاصة كربلاء والنجف، مواكب وجلسات عزاء يشارك فيها المئات من الأشخاص يوميا في ظل تدابير أمنية مشددة وانتشار عشرات الآلاف من قوات الجيش والشرطة. كما تقدم في مدينة الكاظمية يوميا وجبات طعام من خلال متبرعين، حيث يشاهد المئات من قدور الطهي الكبيرة، وهي تنتشر في جميع مداخل المدينة وشوارعها وقرب المنازل، ويشرف عليها طهاة من الرجال. وتوزع أطباق الطعام على زائري المدينة مجانا فضلا عن تقديم العصائر والشاي والقهوة العربية.

وفي كل الأحوال فإن مدينة الكاظمية يطغى عليها السواد في جميع الشوارع والأزقة، وتعلو الأعلام السوداء المراقد المقدسة والجوامع والحسينيات والمنازل والفنادق والساحات العامة، فيما تقوم العشرات من المحال ببيع أنواع مميزة من الرايات الملونة والسيوف والدفوف والسلاسل والقمصان مطبوعا عليها آيات قرآنية، لجميع الفئات العمرية بمن فيهم الأطفال الرضع.

وتسمع في أرجاء المدينة منذ ساعات الصباح الأولى وحتى منتصف الليل، تسجيلات صوتية لرجال دين وخطباء وشعراء وآخرين ينشدون تراتيل وأهازيج تمجد واقعة الطف وذكرى "استشهاد" الإمام الحسين، وتحظى مكاتب التسجيلات وباعة الأرصفة بإقبال من قبل زوار المدينة لشراء هذه التسجيلات.

وتشهد المدينة -إلى جانب ذلك- تدفقا كبيرا من المواطنين الإيرانيين لزيارة المدينة خلال هذا الموسم الذي تنشط فيه الحركة التجارية والسياحة الدينية، نظرا لاستقبال المدينة أعدادا كبيرة من العراقيين والإيرانيين والشيعة من بلدان الخليج الذين يتوافدون لإحياء أيام عاشوراء في العراق.

وشرعت السلطات الأمنية في العراق بتعزيز تواجد القوات العسكرية والأمنية في أرجاء المدينة، إضافة إلى مشاركة أبناء المدينة في السيطرة على الأوضاع الأمنية؛ من أجل توفير أجواء آمنة لإحياء المراسم التي ستبلغ ذروتها في فجر العاشر من محرم، حيث تجري عملية ضرب الرأس بآلات جارحة وضرب الظهر بسلاسل كبيرة حتى يخرج الدم منها وغالبية من يقوم بهذه الفعاليات يرتدي ملابس بيضاء.

وتحاط المنطقة المقدسة في حي الكاظمية بإجراءات أمنية استثنائية، حيث تمت إحاطة شوارعها الرئيسة بجدار حديدي يشرف عليه أفراد من قوات الجيش والشرطة العراقية، بجانب متطوعين من أبناء المدينة يقومون بتفتيش الزائرين من الرجال والنساء لضبط الأمن والاستقرار.