يمكن لوداد البرغوثي أن تذهب دائمًا، على صهوة مبادئها، إلى آخر الطرق،
أذكرها جالسة خلف مكتب متواضع؛ خريجة الإعلام من موسكو، في صحيفة الميثاق ومجلة العهد، في عمارة النزهة، في القدس، عندما كانت حاضرة فلسطين الوسطي محمولة بجناحيها نابلس والخليل، ونسمتها غزة، وقبل أن تهبط بها الاتفاقات، وتغرقها الشعارات، لتمسي غرافتيًا مُشوَّها ومُشوِّها، حائط تداعى، بوصفها عاصمة فلسطين الأبدية. يا للأبد الذي ينتظر الأبديين.
في العمارة نفسها، يصدر ناظم، مراياه، وتوفيق يعيد الحياة، ولو مؤقتا للمهماز؛ نستولوجيا إميل التي لم تفارقه، رغم ترؤسه للاتحاد اليومية. سيجلس إبراهيم يحرر، والشيخ يخط ويحكي، وينصح نحويًا، ويمكن رؤية فيصل، يوزع ابتساماته على درج العمارة، قريبًا من جمعيته في بيت الشرق، التي انضم إليها الدكتور سليمان، خائبًا من معركته في التاريخ الآخر، ولعله كان متقززًا من موقف الأمين العام ورفاقه.
وبالجوار، مسرح، يتذكر إدوارد وراضي، هذه الأيَّام، مرور 36 سنة على بزوغه. بدا أنّه مشروع ثقافي وطني، وفي زاوية الشارع، قبل الوصول إلى الأميركان كولوني، دار ابن خلدون تواكب نهضة التشكيليين، وتطبع لوحاتهم، بوسترات، علقها فلسطينيون على جدران منازلهم، وليس بعيدًا، في الشارع الموازي، قاعة مدرسة المطران، التي استضافت المهرجان الأدبي الأوّل تحت الاحتلال، وسيسخر إميل الآتي من حيفا، ليخطب في أدباء شباب وفتية لم يسقط زغبهم الأدبي، قارئًا في الطريق قصص سامي، من العنوان ومنا: كم مهرجان يجب أن يكون تحت الاحتلال؟ وهل سيدوم الاحتلال؟ (احتفظ بكلمة حبيبي، وسأنشرها كاملة لدي توفر الوقت). يصدح في المسرح، آخر الشعراء المتحمسين، في قائمتهم الطويلة، ينشد فوزي لخمارات عمّان، ولعرار. وعلى بعد شارعين أو ثلاثة، يغرق خليل، في الفجر الانجليزية، مؤجلاً الشعر إلى ربيع قريب.
ليتنا بقينا على مهرجاناتنا تلك تحت الاحتلال، وبقيت القدس حاضرة، حاضرة. ولم ندخل عصر ما بعد الاحتلال، الذي سيتصدر مشهده صِبية الكَارين الثقافي، والسياسي. سألتقي وداد، عشية عصر الكارات، في صحيفة أسبوعية، سنشاغب المواقف السياسية قليلاً. ولكن الموج سيأتي، تسوناميًا..!
طوبى لمن صمدوا، طوبى لوداد؛ الأُمّ، والمكافحة، والكاتبة، والأكاديمية..!
وداد البرغوثي