احيى الفلسطينيون السبت شعائر عيد الفطر الذي يحل بعد يوم على مواراتهم زعيمهم ياسر عرفات الثرى في جنازات بدأت من باريس التي توفي فيها الخميس مرورا بالقاهرة وانتهاء برام الله. ولم تكد مراسم دفنه تنتهي حتى كان الرئيس الاميركي جورج بوش يتعهد بالعمل من اجل دولة فلسطينية توقع قيامها عام 2009.
وقد أدى كبار المسؤولين الفلسطينيين صباح اليوم السبت، الصلاة بجوار ضريح الرئيس الراحل في باحة مقر الرئاسة باسم المقاطعة في رام الله بالضفة الغربية.
وركزت خطبة العيد على مناقبه. وبعد انتهاء الصلاة زاروا قبر رئيسهم وقرأوا الفاتحة ترحما عليه.
ووري ياسر عرفات الثرى الجمعة، في مقره برام الله حيث امضى سنواته الثلاث الاخيرة محاصرا من قبل اسرائيل.
وشارك عشرات الاف الفلسطينيين في مراسم دفن زعيمهم الذي استقبلوا جثمانه بالرصاص والهتاف والحزن لدى وصوله جوا من مصر حيث جرت له جنازة ضخمة بمشاركة العديد من زعماء وقادة العالم.
ودفن عرفات في قبر اعد له داخل مقر المقاطعة بعد ان سجي لوقت قصير في قاعة المؤتمرات الملحقة بالمقر حيث تمت قراءة الفاتحة على روحه من قبل كبار المسؤولين الفلسطينيين ونظرائهم المصريين الذين رافقوا الجثمان من القاهرة الى العريش قبل وصوله الى رام الله.
ووري الجثمان داخل كتلة اسمنتية لتسهيل نقله في وقت لاحق الى القدس كما اوصى عرفات ويأمل الفلسطينيون. ورفضت اسرائيل بشدة ان يتم دفن الزعيم الفلسطيني في المدينة المقدسة، معتبرة انها مخصصة لدفن "ملوك اسرائيل" وليس "الارهابيين".
وتمت اجراءات الدفن بصعوبة بالغة بسبب الحشود الهائلة التي اقتحمت مقر المقاطعة لالقاء نظرة الوداع على الزعيم الفلسطيني الراحل.
واطلق رجال الامن الفلسطينيون النار في الهواء لابعاد الجموع التي حال التفافها حول المروحية دون امكانية فتح ابوابها، ما ادى الى جرح اربعة اشخاص.
وكان جثمان الزعيم الفلسطيني وصل العريش على متن طائرة اقلته من مطار القاهرة بعد مراسم تشييع ضخمة شارك فيها زعماء وقادة اكثر من 60 دولة.
وكان موكب الجنازة قد انطلق الى المطار من امام سرادق عزاء اقيم قرب مسجد الملك فيصل المجاور لمطار القاهرة.
وفي السرادق، تقبل كبار المسؤولين الفلسطينيين ومن بينهم محمود عباس الذي تولى رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية العزاء من كبار الزعماء والقادة الذين حضروا للمشاركة في تشييع الزعيم الفلسطيني.
وقد وصل النعش الى السرادق على عربة مدفع اجتازت جسر الجلاء في العاصمة المصرية بمرافقة موكب كبير احاط به
واحاط فرسان وجنود من حرس الشرف المصري يتقدمهم عازفو الموسيقى الجنائزية بالنعش الذي احضر من مسجد عسكري ملحق بمشفى الجلاء العسكري حيث اقيمت صلاة الجنازة على روح الزعيم الراحل.
وحظر مشاركة عامة الشعب في جنازة عرفات التي جرت وسط اجراءات امنية مشددة.
واقيمت الجنازة في مصر لأن الاحتلال الاسرائيلي سيجعل من الصعب على كثير من الزعماء الأجانب الوصول الى المناطق الفلسطينية.
وكان جثمان عرفات امضى ليلته الاخيرة في مشفى الجلاء العسكري في القاهرة التي وصلها مساء الخميس على متن طائرة اقلته من باريس.
وحمل جنود من حرس الشرف المصري نعش عرفات بعد انزاله من الطائرة الفرنسية، وساروا على وقع موسيقى جنائزية من امام زوجته سهى وعدد من كبار المسؤولين المصريين والفلسطينيين.
وظهرت سوزان مبارك عقيلة الرئيس المصري حسني مبارك الى جوار سهى التي تدفقت الدموع من عينيها وهي ترقب نعش عرفات يسجى داخل سيارة غادرت ارض المطار ببطء باتجاه مستشفى الجلاء العسكري قرب القاهرة حيث سيودع الجثمان الى حين تشييعه الجمعة.
وكانت مراسم مماثلة جرت لجثمان عرفات في مطار فيلا كوبلاي العسكري في باريس، قبل ان ينقل الى الطائرة التي اقلته الى القاهرة.
وكانت مروحية عسكرية نقلت النعش من مسشفى بيرسي الذي توفي فيه عرفات نحو الساعة 3,30 فجر الخميس، الى مطار فيلا كوبلاي العسكري الذي كانت تنتظره فيه طائرة ايرباص لنقله الى القاهرة.
ورافقت سهى نعش زوجها على المروحية التي اقلته الى مطار فيلا كوبلاي.
وهتف جموع من الناس أمام المستشفى "عاشت فلسطين" ونثروا الزهور في الهواء بينما حلقت المروحية مبتعدة عن المكان.
وقد أصبح ياسر عرفات الذي توفي يوم الخميس عن 75 عاما الوجه المميز للوطنية الفلسطينية لكنه فشل في تحقيق حلمه في اقامة دولة مستقلة سواء بالحرب أو السلام.
ونجا عرفات من عدة مؤامرات ومحاولات لاغتياله ومن حادث تحطم طائرة وتحمل عزلة فرضتها عليه اسرائيل بالضفة الغربية.
وعاد عرفات من المنفى في تونس ليرأس سلطة وطنية فلسطينية وليدة بعد توقيع اتفاقات اوسلو المرحلية للسلام عام 1993. وحصل شعبه على قدر من الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة اللذين احتلتهما اسرائيل في حرب 1967.
ومن أجل ذلك تقاسم عرفات جائزة نوبل للسلام مع رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين الذي قتله متطرف يهودي معارض لاتفاقات اوسلو عام 1995 ورئيس الوزراء السابق شمعون بيريس.
ولكن اسرائيل والولايات المتحدة فقدتا الثقة به بعد فشل قمة سلام عقدت برعاية اميركية في تموز/ يوليو 2000 وأيضا خلال الانتفاضة الحالية المستمرة منذ اربع سنوات.
واتهم الاسرائيليون والاميركيون عرفات بالتحريض على العنف، فيما دمرت اسرائيل مقره في غزة وجانبا كبيرا من مقره في الضفة الغربية حيث ابقت عليه محاصرا لاكثر من عامين ونصف العام.
ونفى عرفات الاتهامات وتعهد بالمضي قدما في كفاحه من اجل اقامة وطن للفلسطينيين على الرغم من التهديدات الاسرائيلية المتكررة "بابعاده".
بوش يتعهد بالعمل على إقامة دولة فلسطينية
وبعد ساعات من مواراة الفلسطينيين جثمان زعيمهم، تعهد الرئيس الاميركي جورج بوش باستغلال السنوات الاربع المقبلة التي تنتهي عام 2009، في العمل على إقامة دولة فلسطينية.
وقال هو ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير إنهما سيعملان على صياغة استراتيجية لمرحلة ما بعد ياسر عرفات لتحقيق ذلك الهدف.
وقال بوش الذي انتخب الاسبوع الماضي لتولى الرئاسة لمدة أربع سنوات قادمة "أود أن أرى ذلك وقد تحقق خلال أربعة أعوام .. أعتقد أنه أمر ممكن."
وأجرى بوش وبلير محادثات في البيت الابيض وبعدها قالا إن وفاة عرفات توفر فرصة لتحقيق تقدم في عملية السلام لكنهما التزما جانب الحذر فيما يتعلق بالتفاصيل.
وقالا إن وتيرة التقدم في هذا المسار تعتمد بصورة كبيرة على من سينتخبه الفلسطينيون ليحل محل عرفات.
وقال بلير "ما سنفعله هو كل ما يلزم لانجاح هذه الاستراتيجية.. والشيء المهم هو أنه أولا وقبل كل شيء يجب أن يكون هناك اتفاق على ما تعنيه كلمة دولة فلسطينية تملك مقومات البقاء. وما نقوله هذا الصباح في الحقيقة هو أن تلك الدولة ينبغي أن تكون دولة ديمقراطية."
وقال بوش إن الفلسطينيين "قد يقررون انتخاب شخصية قوية حقا لكننا سنظل لهم بالمرصاد حتى نتأكد من سيادة الديمقراطية وأن هناك انتخابات حرة."
وأضاف بوش وبلير أنهما سيعملان مع القادة الاسرائيليين والفلسطينيين من أجل اتمام الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة وجزء من الضفة الغربية. ولم تبدر عن بوش أية إشارة تنم على أنه سيمارس ضغوطا إضافية على إسرائيل قائلا إن الامر متروك لكلا الطرفين للتوصل إلى اتفاق.
وأشار بوش إلى أنه أجرى حوارا مطولا مع بلير حول اقتراح رئيس الوزراء البريطاني عقد مؤتمر دولي حول الوضع في الشرق الاوسط في مطلع العام المقبل في بريطانيا.
وقال الرئيس الاميركي "إنني أؤيد المؤتمرات تماما فقط ما دامت تسفر عن شيء ما."
وقال إن احدى الطرق لوضع استراتيجية تتمثل في اجتماع أطراف اللجنة الرباعية التي تضم كلا من الولايات المتحدة وروسيا والأتحاد الأوروبي والامم المتحدة و"جمع الدول معا والقول.. هذا هو المطلوب لمساعدة الفلسطينيين على إقامة دولة حرة بحق."
ولم يستبعد بوش أيضا تعيين مبعوث أميركي جديد للشرق الاوسط. وهو يجري في الوقت الراهن مشاورات بشأن فريقه للأمن القومي خلال ولايته الثانية وسط مؤشرات على أن وزير الخارجية كولن باول سيبقى لفترة من الوقت في منصبه.
وقال بلير الذي قدم إلى واشنطن سعيا لإحياء عملية السلام في الشرق الاوسط إنه وبوش يريدان تعبئة المجتمع الدولي لمساعدة الفلسطينيين على استيعاب الديمقراطية.
وفيما بدا وكأنه قائمة بأهداف الاستراتيجية ذكر بلير وجود حاجة إلى انعاش الاقتصاد الفلسطيني وبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمحاربة الارهاب والحكومة الفلسطينية لمكافحة الفساد وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني وبناء مؤسسات ديمقراطية.—(البوابة—(مصادر متعددة)