خبر عاجل

عندما تتفشى النذالة مثل الكوليرا على المحترمين أن يشدوا الرحال

تاريخ النشر: 01 يونيو 2007 - 02:59 GMT

جهاد المومني

تأخذني الطائرة من جديد، أعرف إلى أين غير أنني اجهل إلى متى, كل ما اعرفه أن قلبي يضرب صدري بقوة ويحثني على السفر, أشعر بنبضاتي وأكاد أعدها نبضة تلو نبضة, أحزم الآن كما حزمت قبل عقد ونيف طلبا للاستشفاء حين سممني سفاحو الغذاء والدواء بتدنيسهم هواء الوطن وماءه وعبق أقحوانه, هذه المرة سممتني العقارب الدنيئة حين أطلت من جحورها في غفلة من الزمن... ها أنا أجمع بقاياي ثانية لأخوض معركتي التالية كما فعلت من قبل وعدت... هذه المرة أيضا سأعود .

أحسب أننا نعاني الفقر والعوز، ولسنا بحاجة إلى صناديق المعونة وهبات المانحين حتى لو أفادت الدراسات بغير ذلك, كل ما في الأمر أننا فقراء ضمائر ونعاني أزمات أخلاقية تعصف بنا على المستويين الرسمي والشعبي, فالنفاق يحظى بالرعاية والحماية، وسبل التزلف تدرس في سياقات أكاديمية تسمى دورات تدريبية مدفوعة من خزينة الدولة أو تمول على شكل مياومات تسهم في عجز الموازنة, أما انعدام المروءة والتخاذل والنذالة فتسمى اليوم واقعية، وأحيانا يطيب للأوباش اعتبارها حيادا في تبسيط جبان للأزمة، وأساسها موت الرجولة في طابور عريض من ذكور الأمة, وبالذات أولئك الذين يمثلون الصف الثاني من عديمي الموهبة المتملقين وحملة البشاكير, هؤلاء لا يكلفون بمهمة إلا لبهدلتهم وجعلهم عبرة ومع ذلك لا أحد يعتبر. تجدهم يتنافخون في حفلات الاستقبال ويتبادلون القبل بينما الضغينة والحقد تحرق أحشاءهم,لا صدق ولا وفاء ولا شهامة ولا تدوم لهم صحبة ولا رفقة، إذ سرعان ما ينفض سامرهم في اليوم التالي لخروجهم من قن المناصب إلى زريبة المعارضات الارتجالية والانتقاد العدمي والحقد على الدولة التي أنهت عهدهم بإحالة فيها الخلاص للرعية، أو استقالة إجبارية، وإذا تعثر رفيق لهم داسوه ومضوا وحملوه مسؤولية الظلم الذي وقع عليه وصدأ السكين الذي غار عميقا في صدره..

تعاني البلد تعهيرا منهجيا للحثالات والصغار,فمن يتناولونه بالتتفيه في عشاءاتهم تجدهم لا يفوتون سكرة إلا ويدعونه ليكون شريكهم فيها, والجاهل الذي يرجمونه بشر سفالاته في كل جلسة يغيب عنها, يتصدر دواوينهم ويعتبرون جلسته بينهم شرفا كبيرا لهم ولكل ما يمثلونه من مؤسسات وقيم , فهو إما تاجر أو ناشر أو صحفي من الدرجة الأخيرة لكنه وجد من يدفع فرق تذكرته وينقله إلى سهرات المنافقين في الدرجة الأولى, وفي كل الأحوال هو مهم لأنه مثلهم يحمل بشكيرا في الوقت المناسب كي يمسح المفرش قبيل جلوس المعازيم ...

مؤسف جدا أن البلد تعاني كما هائلا من الخسة يقابلها ظلم وقهر للأسوياء وتجاهل عبيط لمن لا يملك صوتا مدويا أو جريدة مشاكسة أو يتحلى بموهبة إلقاء النكات لإضحاك السهارى بعد القنينة الأولى ..., والبلد تتنفس ثقافة جديدة هي ثقافة المزارع والولائم، وتبصق أطنانا من البذخ المدفوع مواقف واحراجات وتسويات، وأحيانا استعراضات هامشية لا طائل منها ولا منفعة تعود على حياة الناس الذين لم تلوثهم بعد خماسين التنفيعات بطينها وقذارتها وهبوبها في غير وقتها...

أعرف متكسبا يحظى بإجماع قطاع المثقفين على حقارته, ولا يكاد يمر أسبوع إلا ويتناوله احد المسؤولين- حضوريا وليس غيابيا- بإهانة يندى لها الجبين، ومع ذلك لم يفوّت موازنة للدولة إلا وكان له نصيب منها, له سحره على أصحاب المال العام حتى وهم يهينونه يعطونه, والذين يمسحون به زفر مرحلة تحتاج إلى خدماته التحتية المخجلة ولا يوفرون فرصة لاهانته وإذلاله,لا يترددون في تلقيمه من وراء المكاتب، ليس من اجل ضمان صمته, بل من اجل دفعه لمواصلة النباح, فشروط العطايا ثلاثة لمن هم على شاكلته, أن يظل تافها وان يطلب راجيا وان يواصل النباح على عابري الطريق..!

عالم الثقافة والصحافة وصحائف الإشاعة موبوء في بلدنا, ولكن عوضا عن عزل المصابين وتركهم لمصائرهم يمنحون وسائط الحركة بين الناس كي يتفشى الوباء بلا هوادة, ويدفع بهم إلى مقدمة القطيع فتناولهم الحكومات من خبزها المقدس وتستضيفهم في المناسبات الوطنية وتربيهم كي يسمنوا على حساب المحترمين, وفي الأثناء تنهمك بعض الحكومة في إيجاد تدابير تآمرية لردع ما تسمى الصحافة الأسبوعية باعتبارها من المتهمين في تخلف البلد, ففي مرحلة ما شاورتنا الحكومة في كيفية قمع هذه الصحافة وقد تبرع البعض لتقديم النصائح، ولكن المفاجأة كانت صارخة إذ خرج المتآمرون بسواد الوجوه عندما انقلبت الحكومات على الحلفاء وأغدقت على المستهدفين بنعيمها حتى أن أسوا الصحف لها أكثر الاشتراكات الحكومية, أما أكثرها سفالة فقد مولت بعض الحكومات طباعتها..!

فئة أخرى من المثقفين ترد أسماؤهم في قائمة مختلفة أحسن وصفهم احد الكتاب على أنهم (مولدات احتياط يعملون بشكل تلقائي عندما تنقطع الكهرباء)، فإذا اقتضى الأمر فزعة هبوا قبل أن يفهموا المشكل ودونما مستندات وحجج تضمن فوزهم في مناقشات ومعارك هامشية لم نكسب واحدة منها لا مع الجزيرة ولا مع أتفه الصحف المحلية حين وطأت حقل الألغام, ومع ذلك ليس لهؤلاء حظوة الأميين ناقلي الإشاعة ومروجي ( ثقافة المزارع ) و( فلسفة القلايات ) فهؤلاء ( ناقلي الإشاعة المأجورين )أشبه ما يكونون بقباقيب الحمامات التركية يلبسها آلاف القذرون ويسمع رناتها كل فضولي يتنصت خلف الباب، ومع ذلك يشتمون صانعيها لأنها ليست على المقاس تماما.. !

***

البلد الطموح يتكئ على أكف كتع لا يتنازل أصحابها قيد أنملة لإعطاء متطوعين آخرين فرصة تقديم اكفهم للمساهمة في حمل الهم, والبلد المحظوظ بقيادة شابة تخطط وتفكر وتقدم الوصفة للحكومات كي تعمل وتنجز لا يبدو محظوظا في كل شيء, فالحكومات تعتمد على قراءة الكف في خياراتها وعلى المشعوذين في خططها وقراراتها, فإما ميت مناوب في الدنيا حتى لا تخسر العشيرة المنصب, وإما غلام ما زال يلعب في ساحة الجامعة لكنه دخل القائمة بموجب احدى الكوتات أو مدفوشا من أحدى الجهات, أما البقية فشحوب، يسمونه سوادا أعظم من الشعب الشغوف بالمناصب والسيارات, فالأخرس يريد أن يكون مطربا والأطرش مستشارا والأمي ينام والهاتف في حضنه منتظرا وزارة, والمدين بربع مليون لا يركب إلا آخر موديلات الرانج روفر نكاية واستعراضا أمام سخيف مثله.. !

بلدنا رائع مثل حسناء متعجرفة لا تجرؤ على حبها حتى لا تبهدلك وتضربك بالحذاء إن بالغت في استلطافها, لا ضمانات لك أو لغيرك, لذلك لا احد يغازلها بكلمة حق إلا لكي يذكر بالخير في التقارير السرية,لا حب صادقا بالمجان ولا وفاء لمجرد الوفاء ولا تأييد إلا مقابل الثمن، وفي نهاية النهار يلتئم الشمل حول خروف مشوي للبحث في شئون المستقبل ..,نفاق ما بعده نفاق، ومن أعراضه أن الحالم بمنصب يجلس القرفصاء أمام تيس وصل قبله ليستمع إلى محاضرة سخيفة, فالإصغاء وهز الرأس بالتأييد جزء من العملية التزلفية الشاملة, أما هز الذنب فعملية تراكمية تأتي أكلها يوما ما عندما تنقلب الساعة ويتداعى رملها الناعم معلنا وصول جاهل أو حاقد أو انتهازي أو شاذ أو كل هؤلاء مجتمعين في لقب واحد إلى المطبخ ليأخذ موقعه أمام الفرن ويشارك في طهي الكعكة, وبخلاف ذلك قد يخسر الحالمون أحلامهم, بينما قد يكسب التيوس مقاعد وثيرة..

وطن محظوظ على عكس كل الأوطان من حوله, فالله معه يحميه, والملك لا يكف عن تزيينه حتى يظل دائما جميلا يبهج ناظريه وزواره والعالم من أقصاه إلى أقصاه يحبه ويحبنا لأجله وتقديرا لملك يحسدنا على همته الأشقاء والأعداء , بيد أننا لا نعرف كيف نقدر هذا الوطن ,وكيف نكون شاكرين نرفع أيدينا إلى المولى داعين أن يحرسه من كل مكروه حتى لو دخلنا- نحن المناكفين- الملاجئ حماية من التكفير والتعهير وكلاهما وجهان لعملة صرنا نتبادلها مذ صار المصلحون ضحايا وحملة البشاكير صناع رأي عام وكتاب مقالات تبدأ وتنتهي بـ ( أنا ), وبعضهم تدرج على سلم النذالة من تافه صغير وجاسوس بحزب هدام إلى ناصح للأمة كيف تقاوم الاحتلال في العراق وكيف تكنس الاحتلال في فلسطين بوحي من كتاباته وتحليلاته, ومن علامته عار مخجل يطارده مذ كان تلميذا ثم طالبا مخبرا ومن بعد منظرا يساريا كارها للكمبردورية ..!!

حسد وبغضاء ونميمة تميز هذا الزمن الرديء الذي كمن للمخدوعين-أمثالنا- بخيانات قبض المتسلقون الأوغاد ثمنها من دمنا ودموع أطفالنا بل ومن وفائنا الفائض عن الحاجة, هنا يستوي البناؤون والهدامون, خسرنا وكان من الطبيعي ان نخسر لأننا كما قال (العقلاء) لم نحمل العصا من وسطها, أي بعبارة أخرى لم نساو بين الأردن وأي قطر آخر, هم فعلوا فكسبوا بمقدار ما خسرنا وفي حالات خاصة بأكثر من ذلك بكثير...

رب احمه وطنا وإن عاث فيه تجار التراب تسطيرا وعدا بالأمتار, وجنبه صحائف الأشرار وإشاعاتهم وفسادهم, وارحمه اللهم من ثقافة المزارع وفلسفة القلايات, ولا تؤاخذنا ربنا إن سهونا وغطت الأعين برهة من تعب النهار, فعند هذا الباب نخفر منذ الأزل ونحرس الجدران التي لا تأوينا عندما تصفر الريح ,والشجيرات التي لا تطعمنا حين نجوع ..أنك سميع مجيب الدعاء .