عندما توقع عبد الناصر أن يشنقه المصريون في ميدان التحرير!

منشور 07 حزيران / يونيو 2015 - 04:38
ارشيف
ارشيف

بلال فضل

هل كان قرار جمال عبد الناصر بالتنحي عن الحكم عقب هزيمة 5 يونيو 1967 مغامرة محسوبة، أم فيلمًا سياسيًا كتبه محمد حسنين هيكل وتم تحضيره بالتنسيق مع قيادات الاتحاد الاشتراكي لإطلاق الشرارة الأولى للمظاهرات التي تطالب ببقاء عبد الناصر في الحكم،

قبل أن تلحق بها جموع أكبر؟، وهل التفكير في ذلك تعسف يقف وراءه الكارهون لعبد الناصر؟، أليس منطقيًا أن يرفض رحيل عبد الناصر، شعبه الذي عاش لسنين مطمئنًا بحتمية هزيمة إسرائيل وإلقائها في البحر، وحين وجد قائده يعلن مسؤوليته عما حدث ويعلن تركه للمسؤولية، شعر بأن القائد يتركه ليواجه مصيره الغامض، ولأنه لا يعرف غير هذا القائد، ولأن سنوات من التمجيد والتأليه وقتل الإرادة الفردية جعلت هذا الزعيم بمثابة الأب لشعبه، ألم يكن طبيعيًا إذن أن يخرج الشعب ليطالب قائده وأباه بألا يتركه؟

 

من الطبيعي أن تتبادر إلى ذهنك هذه الأسئلة، وأنت تسترجع ما حدث في مصر يومي 9 و10 يونيو عام 1967، ولعلك لن تفكر وأنت تسألها أنك ترتكب منكرًا أو محرمًا، لكنني فوجئت حين سألتها قبل عشرين عامًا، بأنها ليست أسئلة مقبولة أو مشروعة كما كنت أتصور، كان ذلك حين وجهت هذه الأسئلة في عام 1997 إلى عدد من الساسة الكبار الذين شهدوا تلك الفترة، وكان بعضهم من صناعها ورموزها، وكنت وقتها أقوم بتحقيق صحفي نشرته صحيفة (الدستور) في إصدارها القديم، كان يحمل سؤالًا رئيسًا هو: هل كانت مظاهرات التنحي في أحسن الأحوال مغامرة محسوبة؟

 

أول من وجهت له أسئلتي كان أمين هويدي الذي شغل منصب وزير الحربية ورئيس المخابرات في عهد عبد الناصر، والذي ظل لسنوات يكتب مقالًا أسبوعيًا في الصفحة الأخيرة من صحيفة (الأهالي)، حين كانت صحيفة وحين كان الحزب الذي يصدرها حزبًا، وبرغم أنني كنت أحب أن أقرأ له كثيرًا مقالاته التحليلية الهادئة والمفيدة؛ إلا أنني فوجئت برد فعله الحاد بمجرد طرح السؤال حيث قال لي غاضبًا: “مجرد طرح هذا السؤال يعتبر مهزلة، أنا كنت شاهدًا على ما حدث، أنا كنت أول واحد جنب الريس لما أعلن أنه هيتنحى، لكني أفضل أن يتركز جهدكم فيما نحن فيه الآن، أنتم جيل يهرب من الحاضر للماضي، وصحافة لا تريد أن تبصر الجماهير بحالها، بتخلوا الشعب يعيش في أحلام الماضي وغيبيات الماضي، وأنا لا يمكن أن أشترك في هذه المهزلة، ولو سمعت هذا السؤال في مجلس لن أرد”، وطلب مني إنهاء المكالمة فورًا.

 

بعدها لم يكن انفعال الكاتب الكبير محمد عودة غريبًا بالنسبة لي، فمحبة الرجل لعبد الناصر معروفة ومؤكدة؛ ولذلك بدأ إجابته بالقول منفعلًا: “هذا على رأي أغنية عبد المطلب سؤال غريب ماجاوبش عليه، دي لامؤاخذة قضية بيزنطية والسؤال فيها إثارة والمفروض أن تنشروا موضوعًا مدعمًا بالوثائق، يثبت أن هذا الخروج كان خروجًا شعبيًا صادقًا”، قلت له ولذلك: “أسألك ياعم عودة عشان تنورني بما لا أعرفه، إلا إذا كنت ترى أن السؤال حُرُم”، فهدأ انفعاله وأجاب على سؤالي. الكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة اعتذر لأنه يعتقد أن السؤال شائك، وهو يخشى أن يأتي رأيه انطباعيًا خاصة أنه كان وقت وقوع المظاهرات خارج مصر.

 

الفريق محمد فوزي اعتذر بفيض من الأدب لظروف مرضه. الفريق سعد الدين الشاذلي والذي كنت قد وصلت إليه بصعوبة اعتذر كذلك ولم تطل مكالمة التليفون أكثر من دقيقة. وحتى من توقعت أن يدلوا بآرائهم بحماس، على الأقل بسبب عدائهم للفترة الناصرية اعتذروا عن الإجابة؛ لأن السؤال شائك وسيثير حساسيات سياسية، وكان على رأس هؤلاء المستشار مأمون الهضيبي المتحدث الرسمي وقتها باسم جماعة الإخوان المسلمين، والذي قال باقتضاب بعد أن سمع السؤال: “دي حاجات تاريخية عاوزة بحث”، قلت له: “يافندم أنا أسألك عن الموقف السياسي للجماعة التي تتحدث باسمها وليس عن تفاصيل الواقعة”، رد باقتضاب أشد: “أنا مش عاوز أتدخل بشكل عام في سؤال خطير زي ده. شكرًا. سلام عليكم”، وأغلق السماعة، وكان واضحًا أن اللسع من شوربة الصحافة، بعد واقعة حوار صحيفة (الأهرام ويكلي) الذي أعلن فيه مرشد الجماعة وقتها مصطفى مشهور رفضه لتجنيد الأقباط في الجيش، جعل الإخوان جميعًا يقررون النفخ في الزبادي، حتى لو كان الحديث عن فترة مضت قادها رئيس يمقتونه.

أذكر يومها أن أحد الساسة الكبار بعد أن اعتذر عن الحديث، أصر على أن أعده بأنني لن أنشر حتى أنه اعتذر عن الإجابة، قائلًا لي: “الكلام في موضوع زي ده بصراحة هيجيب وجع دماغ، والواحد هيتشتم حتى لو قال إنه مش هيعلق والحكاية مش ناقصة”، قالها ضاحكًا دون أن ينتبه إلى أنه كان ينكأ جرحًا مؤلمًا، هو: طريقة تعامل الأجيال التي عاصرت ثورة يوليو مع تاريخها، كأنه ملك لهم ولمن صنعوه وليس ملكًا للأجيال التي تليهم؛ ولذلك ظللنا لسنوات نشهد هجومًا شرسًا على كل من يعيد قراءة واقعة تاريخية، فتقع الواقعة على رأسه، ومع أن هزيمة يونيو وقت أن وجهت أسئلتي عما جرى عقب وقوعها، لم يكن قد مضى عليها سوى 30 سنة، ولم تكن آثارها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية قد غادرت واقعنا أبدًا؛ إلا أنني اتهمت لمجرد طرح الأسئلة بالإثارة والتشجيع على الهروب إلى الماضي وتغييب الناس عن هموم الواقع، مع أن الطريق الأسهل للإثارة هو نشر صور عارية أو قصص جنسية، بدلًا من محاولة تطهير جراح لا زالت نازفة، والتذكير بأن هزيمة يونيو ليست تاريخًا ولَّى وراح لحاله، وأنها بعد مرور خمسة عقود عليها، لا زالت واقعًا يطبق بمرارته على نفسيات وعقول وقلوب أجيال عديدة، حتى وإن كان البعض ينكر ذلك أو لا يدركه.

يومها، وبعد أن خذلني الكبار الذين حاولت جمع شهاداتهم على ما جرى، قررت أن أقرأ قصة التنحي وما أعقبه من مظاهرات، كما وردت على لسان بعض معاصريها، وكان من الطبيعي أن أبدأ بشهادة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الذي كان مشاركًا في صناعة الحدث، أكثر من كونه شاهدًا عليه، فهو كما يروي في كتابه (الانفجار)، كان أول من طرح فكرة التنحي على عبد الناصر في تمام الثامنة والنصف من مساء الخميس 8 يونيو، قبل أن يقول عبد الناصر له إنه فكر في ذلك فعلًا، وقتها كانت الحقيقة المرة لم تتضح بعد للمصريين، حيث كانت الصحف لا تزال تتحدث عن المعارك الضارية التي تدور بشراسة على الجبهة، والإذاعة تعلن أرقام الطائرات المعادية التي يتوالى سقوطها، بينما كان عبد الناصر يقرأ كشفًا وصله للتو بخسائر الجيش المصري، وعندها على حد تعبير هيكل: “أحس بهول الكارثة وأدرك أنه لن تكون هناك ضربة ثانية أو ثالثة”، ومع ذلك حاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وطلب من القادة الميدانيين الصمود، لكنه عندما أدرك أن الأمر أصبح غير قابل للسيطرة، اتصل بوزير الخارجية محمود رياض، ليطلب من السفير القوني -سفير مصر في الأمم المتحدة نيويورك- إبلاغ موافقة مصر على وقف إطلاق النار.

 

قبل أن يتحدث هيكل مع عبد الناصر، كان قد اقتنع أن عليه ترتيب أوضاع البلد للانتقال إلى ظروف مختلفة، وفي جلسة منفردة مع عبد الحكيم عامر شريكه في الثورة والحكم والهزيمة، اقترح ناصر تقديم استقالته للشعب، وأن يكون شمس بدران رئيسًا مؤقتًا لمصر، ووافق عامر، بعدها اتصل ناصر بهيكل في مكتبه بصحيفة الأهرام، يقول هيكل واصفًا تلك المكالمة: “وبدا صوته لأول وهلة على التليفون مثقلًا بهموم الدنيا كلها، وقد سألني ما الذي أقترح عمله، وكان رأيي أنه لم يبق أمامه غير الاستقالة وكان رده بالحرف: غريبة هذا ما فكرت فيه تمامًا، وكان ردي أنه ليس هناك خيار آخر. وكان تعليقه بالموافقة”. طلب ناصر من هيكل أن يكتب له خطاب الاستقالة “كجهد أخير في معاونته”، وتحاورا في نقاط الخطاب، واتفقا على اللقاء في الساعة الثامنة من صباح يوم 9 يونيو. ظل هيكل يكتب مسودات الخطاب طيلة الليل، وفي الصباح اتجه لبيت عبد الناصر ومعه مشروع الخطاب “الذي أرهقتني سطوره أكثر من أي شيء آخر كتبته من قبل، وظننت أنني حفظت العبارات والألفاظ من كثرة ما راجعتها وغيرت فيها وبدلت”.

 

عندما التقى هيكل بناصر بدا له وكأنه “أضاف إلى عمره 10 سنوات على الأقل، كان مرهقًا بشكل يصعب وصفه، وكانت في عينيه سحابة حزن لم أرها من قبل”. أخذا يتحدثان طويلًا في تفاصيل الخطاب وبالذات في نقطة اختيار شمس بدران خليفة لعبد الناصر، وهو اختيار يشعر كل من يقرأه بأنه ملغز، خصوصًا حين يأتي عقب هزيمة كان شمس بدران واحدًا من صناعها، لكن هيكل في هذه النقطة لا يفصح عن الكثير، ليساهم في إضفاء هالات الغموض على شمس بدران التي لم يتم إزاحتها حتى الآن، على أية حال انتهت المناقشة الطويلة بأن أصبح زكريا محيي الدين هو المرشح البديل، خاصة أنه كما قال ناصر “مقبول دوليًا.. وقادر على الحوار مع الأمريكان”.

 

بعدها، اختلف ناصر وهيكل على نص عبارة في الخطاب، كانت هي أهم العبارات فيه وربما هي أشهر عبارة في الخطاب بعد ذلك، وهي عبارة كانت صيغتها الأولى تقول: “وبرغم أية عوامل قد أكون بنيت عليها موقفي من الأزمة، فإنني على استعداد لتحمل نصيبي من المسؤولية”، واعترض ناصر مؤكدًا أنه يتحمل المسؤولية كلها، وهنا يعلق هيكل: “ولم أختلف معه فيما قال، وأعدت صياغة العبارة على الفور فجعلتها كالآتي: “إنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها”، وكان تعليق ناصر على هذه الصياغة الجديدة: “تلك هي الحقيقة وهذا أدق وأكرم”. حمل هيكل خطاب التنحي، وعَبَر الشارع إلى مكتب سامي شرف لتتم كتابته على الآلة الكاتبة، أصابت سامي حالة من الهستيريا عندما قرأ عبارة “التنحي تمامًا ونهائيًا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي”، نفس الحالة أصابت موظف الآلة الكاتبة الذي أجهش بالبكاء وهو يكتب الخطاب، وبالتأكيد لم يكن خافيًا على هيكل -وهو من هو دهاء وحنكة- أن الأثر الشعبي الذي سيسببه الخطاب سيكون أقوى بكثير من هستيريا سامي وبكاء موظف الآلة الكاتبة.

 

عاد هيكل بعدها إلى ناصر، ودار بينهما حوار طويل عن الساعات القادمة، وما سيحدث فيها، والأيام الماضية وما حدث فيها، وسنقتبس بعض العبارات التي وردت في الحوار كالآتي، مع التنبيه على أن ما يرويه هيكل لم يشهده أحد غيره، مما يجعل لك الخيار في تصديقه كما جاء، أو إنكاره كاملًا دون الالتفات إليه، أو تأمله في ضوء حساسية الموقف المحيطة بالحوار لاختيار ما يوافق عقلك وتفكيرك:

 

“ناصر: لا أستطيع أن أتصور ما سيفعله الناس، والله لو أنهم أخذوني إلى ميدان التحرير وشنقوني فيه لما اعترضت عليهم.. لهم الحق.

 

هيكل -بارعًا في دور المبرر والمنظر كعادته-: ليس هناك ضرورة لأن تدفع مشاعرك إلى هذه الدرجة، فما حدث لك شيء حدث من قبل كثيرًا في التاريخ، واعتقادي أن البلد واجه نكسة، ولكنه قادر على القيام منها بقواه الذاتية.

 

ناصر: إنني أتصور أن الناس بعد مفاجأة استقالتي، سيطلبون معرفة الحقيقة فيما حدث، وهو حقهم، ولست أعرف السبيل إلى تحقيق هذا الطلب، فهو ضروري لمستقبل العمل، ولكني أخشى أن يتصور أحد أنني بأي شيء أقوله أحاول إشراك غيري في المسؤولية، والله يعلم أنني لا أفكر في أي شيء من ذلك، فأنا نازل عند حكمة الله في قضائه ولكن الحقيقة يجب أن تكون واضحة للناس”.

 

بعدها طلب ناصر من هيكل أن يحضر معه إلقاء الخطاب فاعتذر، تبادلا المشاعر الطيبة عن الصداقة التي جمعت بينهما، ودار بينهما حوار دعونا نضع شكلًا له طبقًا لما أورده هيكل – مع بعض الاختزال.

 

“ناصر: أعرف إلى آخر العمر أن لي أخًا.

 

هيكل “مقاطعا”: لا داعي لأن نقع فيما نهينا أنفسنا عنه فنسلم أنفسنا للانفعالات، وأنا سعيد بما أديته إلى جانبك من دور، وقد خدمت فيه بلدي بما أستطيع.

 

ناصر: خدمتك للبلد لم تنته بعد. مازالت أمامك خدمة أرجو أن تؤديها، أنا بعد إلقاء خطابي سأدخل إلى غرفتي وأعزل نفسي تمامًا عن العالم، وقد تثور مشاكل ومضاعفات، وكل ما أطلبه منك أن تكون في هذه الليلة مسؤولًا عن أي شيء يذاع أو يقال باسمي أو نيابة عني، حتى يتمكن زكريا محيي الدين من حلف اليمين غدًا. أنا أعرف أن علاقتك بزكريا طيبة.

 

هيكل: أنا لا أنوي أن أكرر دوري بجانبك مع أي رجل آخر، ولكني سأقبل تكليفك لدقة الظروف”.

 

“ينهض هيكل ثم ينهض ناصر، يسلمان على بعض”، وهنا يقول هيكل: “ولمحت دمعة في عينيه لأول مرة في حياتي، واستدرت خارجًا من غرفة مكتبه، فلم أكن أريده أن يرى دمعة أخرى في عيني”.

 

بعد ساعات، كان الشعب المصري والشعوب العربية على موعد مع مشهد أكثر درامية ومأساوية من المشهد السابق، وهو مشهد عبد الناصر وهو يلقي خطابه على مدى ثلث ساعة، صمت الملايين فيها صمت الموتى، وتأكد لمن كانوا لا يزالون يغلبون الأمل على اليأس أن الهزيمة قد وقعت، وأن البطل الهمام قرر أن يترك المركب واختار من سيحكمهم بدلًا منه، وبعد انتهاء الخطاب تبدد الصمت شيئًا فشيئًا، ليعلو صوت البكاء الذي تحول تدريجيًا إلى نشيج مكتوم، ثم إلى عويل، ثم إلى صراخ يطلق هتافات تقول: “ناصر.. ناصر.. كلنا عايزين ناصر”.

 

ثمة شهادات منشورة تقول إن ما حدث وقتها كان مدبرًا من قبل قادة الاتحاد الاشتراكي: أحد رموز الإخوان المستشار علي جريشة، يحكي أنه كان في السجن وقال له سجان إنه تعبان جدًا؛ لأنهم أعطوه ملابس مدنية، وقالوا له أن يشترك في مظاهرات مدبرة؛ الفريق عبد المحسن مرتجي يؤكد ذلك أيضًا، ولكن رأيه كان بناء على انطباع وليس مستندًا إلى معلومات، هناك حديث عن قيام الاتحاد الاشتراكي بتوفير أتوبيسات في اليوم الثاني من المظاهرات، وليس في اليوم الأول، حين سألت الكاتب الكبير محمد عودة ونقلت له هذا الكلام لكي يعلق عليه، أجاب بحماس شديد “مين المخرج العظيم اللي هيطلع الشعب المصري كده؟، طب هل الاتحاد الاشتراكي هو اللي طلع برضه الشعب الجزائري والتونسي واليمني في مظاهرات ضد التنحي، هل هو اللي أقنع أكبر معلق سياسي في الغرب دويتشر إنه يقول: لأول مرة يخرج شعب مباشرة ليصنع التاريخ بنفسه وليعيد زعيمًا مهزومًا. أنا يوم التنحي خرجت في هذه المظاهرات ورأيت شرائح عمري ما شفتها في حياتي، في الدقي والزمالك الستات خرجوا بهدوم البيت، ببساطة ودون أي مبالغة، عبد الناصر كان يمثل الاستقرار والناس بيقولوا له احنا عارفين إنك غلطت، ولكن أنت القائد اللي احنا بنثق فيه ونقف معاه ساعة المحنة”.

 

من أهم الشهادات التي تثبت براءة المظاهرات من التدبير، شهادة حسن طلعت مدير المباحث العامة الذي يكشف في مذكراته، أنه فوجئ بأمر المظاهرات، ولأن لديه أوامر بقمع أي مظاهرة بغض النظر عما تتظاهر من أجله، شعر بالحيرة وحاول الرجوع إلى رئيسه المباشر وزير الداخلية شعراوي جمعة، فرفض شعراوي أن يرد عليه، كعادة المسؤولين في لحظات الأزمات؛ ولذلك اتخذ حسن طلعت بمبادرة فردية قرار عدم الاصطدام بالمظاهرات، ولولا ذلك لحدثت كارثة محققة خاصة أن المئات من مسؤولي الأمن الذين يرفعون شعار “سلومة الأقرع مايعرفش أبوه ولا أمه”، كانوا يتصلون به ليسألوا في إلحاح عن الطريقة التي سيتعاملون بها مع المظاهرات.

 

في تلك الفترة أيضًا كان الدكتور حسين كامل بهاء الدين، الذي ظل لسنوات طويلة وزير تعليم حسني مبارك، قائدًا لمنظمة الشباب التي أنشأها عبد الناصر لتكون ذراعه السياسي وسط الشباب، وفور إعلان خطاب التنحي، ذهب إلى مكتب المعلومات المواجه لبيت عبد الناصر، وكان في حالة عصبية شديدة، وقال بصوت عال لموظفي المكتب إن 30 ألف شاب من أعضاء منظمة الشباب مستعدون للزحف على بيت عبد الناصر لإثنائه عن قرار التنحي، وهو تهديد لو أطلقه في ظروف أخرى، لكان مرميًا في زنزانة انفرادية في السجن الحربي، لكنه تهديد يكشف عن عدم وجود تواصل قيادي معه للأمر بإخراج الشباب، وإلا لكان قد فعل ذلك فورًا قبل التلويح به.

 

وأنا أبحث في الكتب والمذكرات التي تناولت تلك الفترة، فوجئت بأن الدكتور عبد العظيم رمضان المعروف بعدائه الشديد للناصرية، يرد بقوة على اتهام مظاهرات التنحي بأنها كانت مدبرة، ويقول في كتابه (تحطيم الآلهة) إن ذلك الاتهام مهين جدًا للشعب المصري؛ حيث يصوره أنه شعب يساق كالأغنام فقط، نافيًا أن يكون الاتحاد الاشتراكي قادرًا على تدبير مظاهرات ضخمة كهذه؛ لأنه في الواقع لم يكن يتمتع بشعبية بين الجماهير تمكنه من أداء هذا الدور الضخم، وحين تمت الإطاحة بقياداته في مايو 1971، لم يستطيعوا إخراج تلميذ واحد في مدرسة لمساندتهم ضد السادات.

 

من ناحية أخرى، لم يكن غريبًا أن أجد في صحف اليوم التالي لمظاهرات التنحي سيلًا من المقالات التي ترفض القرار وتناشد عبد الناصر بالرجوع عنه، لكن ما لفت انتباهي هو بعض ردود الأفعال لأشخاص عرفوا فيما بعد بمهاجمة عبد الناصر بشراسة، ولم يذكر أحد منهم موقفه عقب التنحي، ولو على سبيل المراجعة الذاتية، خذ عندك مثلًا موسى صبري الذي كتب يصف الجماهير التي شاركت في مظاهرات التنحي بأنها: “جماهير شاء لها القدر أن تعيش لأول مرة في تاريخ مصر منحة السماء لها في حاكم مصري ابن مصري”، وكتب أنيس منصور يسأل: “كيف للراعي أن يتخلي عن رعيته المؤمنة به؟”، وكتب جلال دويدار يعلن أنه حين كان يعيش في الخارج لم يكن مصريًا ولاعربيًا؛ بل كان يحمل جنسية ناصر، وسبحان مغير الأحوال من حال إلى حال.

 

ليس مدبرًا لكنه مغامرة محسوبة

 

لكن، إذا كان هناك شبه اتفاق بين معاصري الفترة برغم اختلافاتهم السياسية، على أن مظاهرات التنحي لم تكن مدبرة، لن تجد نفس الاتفاق في الإجابة على سؤال: “هل كان تنحي عبد الناصر مغامرة محسوبة؟”، حيث سنجد شهادات عديدة تؤكد أن التنحي كان مغامرة محسوبة؛ لأن عبد الناصر وهيكل كانا يدركان تعقيد الوضع، ويتوقعان رد فعل الجماهير؛ ولذلك فقد أحسنا اختيار كلمات خطاب التنحي بذكاء شديد، هذا ما يؤكده منير حافظ الرجل الثاني في مكتب سامي شرف الذي يؤكد في شهادته للتاريخ بأن ما حدث كان مغامرة محسوبة؛ “بدليل أن خطاب التنحي الذي ألقاه عبد الناصر، بعد أن شرح ظروف النكسة تقدم ببرنامج عمل للمرحلة القادمة، والذي يتنحى لا يعقل أن يضع لخلفه برنامج العمل الذي يسير عليه، كما أن نص الخطاب لم يقطع بمسؤولية عبد الناصر بما جدث، فقد ذكر أنه على استعداد لأن يتحمل المسؤولية ولم يقل أنه يتحمل المسؤولية بالفعل، وهذا يعني أن عبد الناصر يريد أن يقول إن آخرين كانوا وراء ما حدث ولكنه مستعد لأن يتحمل عنهم المسؤولية أمام الشعب، كذلك فإن اختيار عبد الناصر لزكريا محيي الدين خلفًا له كان مناورة؛ لأن الاتفاق بينه وبين عامر، كان على أن يتسلم شمس بدران الحكم، لكن عبد الناصر أدرك أنه لو اختار شمس فإن شمس سيتولى الحكم على الفور لقوة مجموعته العسكرية”. إذن فقد خاض عبد الناصر هذه المغامرة المحسوبة -في تحليل منير حافظ- وهو يعلم أن إعلان التنحي له واحدة من نتيجتين لا ثالثة لهما؛ فإما أن تقبل الجماهير تنحيه، وينتهي به الأمر إلى زاوية مهملة من زوايا التاريخ كزعيم مهزوم، أو أن تتشبث به الجماهير فيبقى ليتحمل تبعات النكسة، وقد تحققت أهداف تجربة التنحي كلها بالفعل؛ إذ لم يكن عبد الناصر يتصور أن الشعب سيخذله.

 

عبد العظيم رمضان وبعد رفضه لكون المظاهرات مدبرة، يرى أن التنحي نفسه كان عبارة عن سيناريو شديد الإتقان، معتبرًا أنه “سيناريو من صُنع هيكل بالدرجة الأولى، وليس من صنع عبد الناصر؛ لأن مثل هذا التخطيط يحتاج لخبرة بفن التعامل مع الجماهير وكتابة خبير سياسي يستطيع التفرقة بين تعبير”تحمل المسؤولية” وتعبير “الاستعداد لتحمل المسؤولية” وإن كان هذا بطبيعة الحال لا ينفي إدراك عبد الناصر لكل هذه التلميحات والإيحاءات وموافقته عليها، خاصة وأنه كان يشعر في داخله بمسؤولية عامر عن النكسة؛ لذا كان يتوق إلى فرصة أخرى يمنحه إياها الشعب ليتخلص من سيطرة عامر، ولكنه لم يعول كثيرًا على هذا الأمل”، ورغم أن خطاب التنحي كما يؤكد رمضان كان حافلًا بالأكاذيب الضخمة والخديعة، منها عبارة: “العدو الذي كنا نتوقعه من الشرق والشمال جاء من الغرب”، بينما الصحيح وفقًا لشهادة عبد المنعم رياض أن الطائرات الإسرائيلية جاءت من الشرق. كذلك فقد تم إخفاء أي إشارة إلى أخطاء القيادة العسكرية المصرية، وتم الحديث عن “قتال الجيش السوري قتالًا بطوليًا” وهو ما لم يكن صحيحًا. ومعنى ذلك في رأي عبد العظيم رمضان، أن الحقائق كانت غائبة تمامًا عن ذهن الشعب المصري؛ حيث اتخذت هبته العفوية مساء 9 يونيو شكل التمسك بقيادة عبد الناصر، بعد أن كان يتجه في صبيحة ذلك اليوم إلى محاسبتها؛ ولذلك فهذا الشعب هو الذي هب مرة أخرى في فبراير 68 احتجاجًا على الأحكام التي صدرت ضد قادة الطيران، وهو ما يؤكد أن تصرف الشعب المصري تم في إطار جهله بحقائق ما يجري؛ ولذلك فربما كانت حسابات الشعب المصري في مساء 9 يونيو والتي بناها على غريزته المجردة أصدق حكمًا من أية حسابات تفرضها الحقائق، فلو أنه خذل عبد الناصر في ذلك اليوم لارتكب أكبر الأخطاء في تاريخه، ليس فقط لأنه يكون قد حقق رغبة الأعداء في التمتع بانتصارهم كاملًا؛ وإنما لأنه يكون قد حرم نفسه من القيادة الوحيدة التي كانت وقتها قادرة على انتشاله من هذه الهزيمة.

يبقى أن الشعب المصري في نهاية المطاف، لم يفوت الفرصة لوضع لمسة عبثية على الأمر برمته، بعد أن اطمأن إلى عودة عبد الناصر إلى الحكم، ليتحول شعار “لا تتنحى لا تتنحى”، إلى شعار ساخر هو “أحه أحه لا تتنحى”، والذي ربما كان يعبر برغم بذاءته، عن معنى شديد الصدق والواقعية، وهو رفض الشعب لأن يتخلى عن مسؤولية الهزيمة من كان سببًا في وقوعها، وأن عليه أن يبقى ليصلح ما أفسدت يداه، وحين أدرك الشعب المصري صدق عبد الناصر في محو آثار الهزيمة، كما بدا عقب الإطاحة بعبد الحكيم عامر ورجاله، وإعادة بناء الجيش المصري، تجاوز الناس لحظة الهزيمة التي كان يمكن أن تشل حركتهم لسنين، وبدأت ملحمة حرب الاستنزاف التي تم تغييب الكثير من بطولاتها حتى الآن، لكن خروجهم التالي في المظاهرات التي أعقبت الأحكام التي صدرت ضد قادة الطيران لم يكن تأييدًا ولا تهليلًا، بل كان غضبًا من تحميل الهزيمة لمن ليس مسؤولًا عنها، وهو ما أزعج عبد الناصر كثيرًا، وأشعره أن لحظة “لا تتنحى”، كانت مجرد لحظة استثنائية خرجت في توقيت حرج، ولن تتكرر ثانية؛ ولذلك فقد تعامل مع مظاهرات الطلبة بالذات بعصبية شديدة، وصلت إلى حد أنه طلب في لحظة انفعال ضرب تلك المظاهرات بالطيران، طبقًا لشهادة وثقها الدكتور هشام السلاموني في كتابه (الجيل الذي واجه عبد الناصر والسادات)، ومن يدري ربما كان عبد الناصر في تلك اللحظة بالذات، يفكر في أن غضب المصريين على أي هزيمة قادمة، ربما انتهى بمصير الشنق في ميدان التحرير.

عن موقع "التقرير"

مواضيع ممكن أن تعجبك