غشاء البكارة..مالئ الدنيا وشاغل الناس!

منشور 15 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2007 - 08:19

البوابة-بسام العنتري

مسحت على رأس طفلها الغافي في حضنها وقالت "كنت بين خيارين، ان انزف بضع قطرات من بكارة مزيفة كلفتني مبلغا يسيرا واقل من ساعة في عيادة حقيرة باحد الازقة المعتمة، او ان انتهي مذبوحة لأمر جئته في لحظة طيش وانا عليه نادمة".

هذه المرأة التي اطلقت على نفسها اسم سعاد وتصف نفسها الان بانها "أم وزوجة مخلصة"، لا تخفي امتنانها لصديقتها التي اشارت عليها قبل اسبوع من الزفاف بالتوجه الى تلك العيادة في احد احياء عمان الشرقية.

تقول سعاد "ايقنت عندما وافق ابي على تزويجي من ابن جارنا بانني سأقتل لا محالة. وعندما خرجت من تلك العيادة احسست بانني ولدت من جديد ونلت فرصة حياة ثانية".

وتضيف "لا استطيع وصف مدى الرعب الذي ظل يتملكني قبل اجراء العملية، كنت اتخيل نفسي موضوع خبر في جريدة فضائح تتحدث عن ذبحي بدافع الشرف بيد ابي او اخي..".

وفي بلد محافظ كالاردن، تشكل جرائم الشرف هاجسا بسبب ارتفاع نسبها قياسا بالدول العربية الاخرى.

ويصل معدل مثل هذه الجرائم الى 25 جريمة سنويا في الاردن وفق ارقام رسمية. وحتى ما قبل تعديل المواد المتعلقة بجرائم الشرف في قانون العقوبات الاردني عام 2001، كان القتلة بذريعة غسل العار يستفيدون من عذر مخفف لا يجعل احدهم يلبث في السجن اكثر من بضعة شهور.

لكن جرائم الشرف استمرت رغم هذا التعديل وان كانت اعدادها قد تناقصت بشكل لافت بعد اقراره.

فقد شهد عام 2004 مثلا 19 جريمة قتل بدافع الشرف بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش".

وفي الوقت الذي يبرز فيه ترقيع البكارة باعتباره حلا ممكنا لانقاذ البعض من القتل، ليس فقط لمن فقدن العذرية اختيارا، بل وايضا لمن فقدنها جراء تعرضهن للاغتصاب او حادث عرضي، الا انه يصطدم برفض اجتماعي وديني واسع من باب انه يمثل تدليسا وغشا وخداعا، وما الى ذلك.

وحتى عندما خرج مفتى مصر علي جمعة بفتوى اجاز فيها عمليات ترقيع البكارة بدافع "الستر" وعدم تيئيس الخاطئات التائبات وسد ابواب الحياة في وجوههن، ثارت غضبة كبيرة ضده من قبل جموع من علماء الدين.

طلبا للنجاة

سعاد لم تطلع على هذه الفتوى، ولكنها كانت مقتنعة في داخلها انها لم تقم باجراء عملية الترقيع بهدف الخداع والغش، وانما لانقاذ حياتها وسمعة اهلها.

ويتم ترقيع غشاء البكارة، وهو جزء نسيجي عند أول المهبل لا وظيفة عضوية له، عن طريق الخياطة أو عمل غشاء صناعي بإضافة بعض الأنسجة من جدران المهبل.

تقول سعاد "نعم انا اخطأت، كانت لحظة طيش ندمت عليها وتبت الى ربي، وكان هدفي من اجراء العملية حقن دمي وحفظ شرف وسمعة اهلي التي كانت ستلطخ بالوحل لاجيال قادمة".

وتضيف بنبرة ملؤها السكينة "الحمد لله انا الان ام وزوجة مخلصة، ويمكنني القول اننا اسرة سعيدة..كل هذا بسبب عملية اشعر بالقرف كلما تذكرتها، لكنني ادين لها بفضل حصولي على هذه الحياة".

قصة سعاد تتماثل في كثير من جوانبها مع قصص نساء اخريات لجأن الى الترقيع كحل انقذ حياتهن.

ويورد موقع "اسلام اون لاين" قصة ترويها صاحبتها "س.ش" (24 عاما) وهي امرأة متزوجة الان.

تقول هذه المرأة "قبل الزواج أقمت علاقة جنسية مع أحد أصدقائي..لم يكن عدم عذريتي يشكل لي هاجسا طوال الفترة التي عقبت قطع العلاقة مع صديقي وسبقت زواجي حاليا، فقد كانت شخصيتي تتسم بعدم المسئولية والتمرد".

وتضيف "عندما تمت خطبتي بدأت أقدّر حجم المشكلة التي وضعت نفسي بها، لا أنكر أن عائلتي ليست محافظة، إنما لن يتوانى أخي عن قتلي إذا علم بعدم عذريتي. وندمت على كل ما فعلت، حاولت إخبار خطيبي والتحلل من الخطبة، إلا أنني ضعفت أمام احترامه وثقته بي، ..والآن أحمد ربي أنني لم أفعل".

وتتابع "بحثنا أنا وصديقتي في كل عمان عن طبيب يجري لي العملية.. وبعد أكثر من شهر من البحث شبه اليومي، قبل أحد الأطباء بإجراء العملية..وتم الزواج. مر الأمر بسلام ونزلت بضع قطرات من الدم، كان زوجي سعيدا بها وكنت أحس بحجم خيانتي".

وتختم قائلة "الطبيب لم يتقاض إلا 100 دينار (نحو 70 دولارا) دفعها للممرضة، أنا أدين له بحياتي، لأنه أعطاني فرصة أن أكون زوجة محترمة ومخلصة لزوجي الذي أحبه وأقدره أكثر من أي شيء".

ظاهرة واسعة

وعموما، فان غشاء البكارة لا يشكل شعارا وعنوانا للعفة في الاردن فقط بل الامر ينسحب على بقية الدول العربية التي تشهد اعدادا متفاوتة من جرائم القتل بداعي الشرف، وايضا اعدادا متزايدة من المقبلات على عمليات الترقيع طلبا للنجاة.

وبحسب تقرير لوكالة انباء رويترز، فقد انتشرت ظاهرة الترقيع في تونس في الأعوام الأخيرة بشكل ملفت وأصبح كابوسا مزعجا لرجال كثيرين خوفا من أن تنطلي عليهم مثل هذه "الحيل".

ويؤكد أطباء في تونس أن حجم الظاهرة مرتفع وفي تزايد مستمر, وعادة ما تجري مثل هذه العمليات سرا في مصحات خاصة ولاتتجاوز تكاليفها 300 دولار.

تقول نادية الممرضة بمصحة خاصة بضواحي العاصمة تونس "يوميا نستقبل ما لايقل عن 15 حالة" وأغلب الفتيات يقبلن على عمليات بواسطة الأشعة لأنها غير مؤلمة ويمكن أن تدوم عشرة أيام.
وداخل المصحة، تقول سلوى التي بدت منشرحة والبسمة تعلو محياها بعد خضوعها للعملية إذ تستعد للزواج بعد أسبوع إنها فقدت عذريتها منذ ثلاث أعوام وليس هناك تونسي أو شرقي يجرؤ على تقبل حقيقة أن زوجته فاقدة للعذرية لذلك "ليس أمامي سوى خيار واحد هو أن أقوم بعملية زرع بكارة".
وكانت سلوى (23 عاما) قدمت إلى العاصمة تونس من مدينة بعيدة أوهمت عائلتها أن عليها شراء بعض المستلزمات لزفافها من العاصمة. ومن المقرر أن تتزوج من شاب تونسي يعيش في فرنسا.

وفي تونس تحديدا، يرجع البعض تفشي هذه الظاهرة إلى تزايد الروابط خارج إطار الزواج بين الشبان إضافة إلى عامل التحرر النسبي خصوصا لبعض الطالبات اللاتي يدرسن بعيدا عن أهاليهن.

وأشارت دراسة أجراها ديوان الأسرة والعمران الحكومي في تونس أن بنتا واحدة من بين كل 10 شابات لا تعارض إقامة علاقة جنسية قبل الزواج مقابل 4 من بين كل 10 شبان.

وعلى الجانب الاخر، تطرح كوثر التي فقدت ما تعتبره أعز ما تملك إثر تعرضها لاغتصاب وجهة نظر أخرى بقولها "ليس لدي أي مبرر لاخفي هذا الأمر.. لا أقبل أن أعيش مع رجل لايصدقني ولايقبلني كما أنا خصوصا بعد أن أبلغه بما تعرضت إليه", لكن إشراق من الرافضين لهذه الفكرة. وتضيف "مهما كانت الأسباب هذا سر يجب أن يدفن مع الزواج لأن الرجل أناني ولايغفر للمرأة ما يغفره لنفسه.
وفي دبي ايضا، وعلى الرغم من أن القوانين الإماراتية تحظر هذه العمليات، إلا أن بعض العيادات الخاصة تقوم باجرائها لفتيات يرغبن في الهرب "من الفضيحة" قبيل زواجهن، لقاء مبالغ تصل إلى 10 آلاف درهم إماراتي (نحو 2800 دولار) بحسب موقع "العربية نت".

يقول مسؤول رسمي في وزارة الصحة إن "إعادة ترقيع أو ترميم غشاء البكارة تحظره القوانين الإماراتية" إلا إذا كان ولي الأمر على اطلاع بالأمر.
وأوردت صحيفة غلف نيوز أن جرّاحا يعالج البواسير في عيادة متخصصة بأمراض المجاري البولية في دبي، يجري عمليات ترقيع غشاء البكارة مقابل 10 آلاف درهم للعملية التي تدوم 90 دقيقة.

وتتحدث العديد من التقارير عن انتشار ظاهرة الترقيع في سوريا التي تلجأ اليها فتيات من مختلف الدول العربية.

وفي مثل هذه العيادات لا يتم تقاضي مبالغ كبيرة، وهي مرغوبة من قبل الفتيات القادمات من بقية الدول العربية بحكم بعدها عن بلدانهن وامكان التذرع بالتوجه الى سوريا بقصد السياحة.

حتى في الغرب

ولا يقتصر الامر على الدول العربية، بل ويشمل كذلك عرب الغرب. ففي فرنسا مثلا تقبل أعداد كبيرة من الشابات من أصول مسلمة وعربية على اجراء عمليات "ترقيع البكارة" نتيجة اقامتهن علاقات جنسية قبل الزواج، وتظهر هذا المشكلة في الجاليات القادمة من المغرب العربي باعتبارها تشكل الغالبية الكبرى من الجالية العربية المسلمة هناك.
الجراح الفرنسي برنارد بانيال اكد انه أجرى خلال العامين الماضيين فقط 200 عملية جراحية لفتيات غالبيتهن من الجالية العربية.
وقال "أعرف الكثير من الجزائريات والتونسيات اللواتي يجرين هذه العمليات الجراحية في تونس لأنها قريبة وبسبب المشكل المادي، غير أنني أسعى بدوري لإجراء العمليات هنا في فرنسا".

وتختلف آراء الشباب المسلم في فرنسا بشأن مسألة الزواج من الفتاة التي نشأت وترعرعت في المجتمع الفرنسي، حتى وإن كانت عربية مسلمة، حيث يرى محمد (مغترب جزائري) أنه مسألة العذرية لم تعد مهمة عند الكثيرين وهناك من مستعد للتزوج من امراة مطلقة وعندها أطفال.
وبالمقابل يرى مالك شبال (متخصص في علم الاجتماع الإسلامي) أن مقتضيات العيش في الغرب تتطلب من الجاليات الإسلامية معرفة التعامل مع هذه المجتمعات، والتخلي عن بعض أنماط السلوك والتقاليد القديمة بحسب تعبيره.

اختلافات وتجاذبات

تترواح دوافع الأطباء الذين يجرون عملية الترقيع بين السعي للكسب المادي والتعاطف، ولا توجد اجراءات قانونية يتم اتخاذها بحقهم إلا في حال الشكوى ضدهم.

لكن العملية عموما لا تزال مالئة الدنيا وشاغلة الناس، حيث تتجاذبها مواقف مؤيدة واخرى مُدينة، ناهيك عن اختلاف علماء الدين سواء الاسلامي او المسيحي في مدى شرعيتها.

فعلى المستوى المهني مثلا، يرى رئيس جمعية اختصاصيي الأمراض والجراحة النسائية والتوليد الأردنية عبد المالك محمد أن هذه العمليات منافية لأخلاق مهنة الطب التي تقوم على الصدق.

ومن جهته، يرى فخري محمد صالح كبير الأطباء الشرعيين ورئيس مصلحة الطب الشرعي بوزارة العدل في مصر سابقاً ان عملية الترقيع من شأنها تشجيع "الرذيلة".

ويقول ان غشاء البكارة وان لم تكن له وظيفة عضوية، الا ان له "وظيفته الأخلاقية والدينية من حيث أنه يساعد على منع الفتاة من ممارسة الرذيلة والتمسك بالأخلاق باعتباره دلالة على عذريتها".

ومن جهة الجدل الدائر بين علماء الدين، فقد أجاز مفتي مصر علي جمعة إجراء عملية ترقيع غشاء البكارة للنساء اللاتي فقدن عذريتهن "لأي سبب كان".

وأكد جمعة في تفصيله لهذه الفتوى أن "الدين الإسلامي يدعو إلى الستر، وإذا كان إجراء الفتاة، التي فقدت عذريتها لأي سبب كان، لعملية ترقيع غشاء البكارة سيؤدي إلى سترها، فإن الإسلام يبيح ذلك".
وأكد جمعة "أن ذلك الأمر يأتي في إطار السعي للحفاظ على وحدة الأسرة، وبهدف مساعدة الفتيات المخطئات على التوبة والزواج، ولا يعد من قبيل الغش والخداع".

على ان الشبكة الاسلامية رفضت ما ذهب اليه جمعة وذلك في فتوى تنشرها ضمن موسوعتها للفتاوى دون ذكر اسم المفتي الذي يؤكد حرمة هذه العملية لاي سبب كان.

وجاء في نص الفتوى التي تنشرها الشبكة ان اجراء مثل هذه العملية "لا يجوز لما يترتب عليه من محاذير شرعية، منها: أن تلك العملية لا تتم إلا بالاطلاع على العورة المغلظة جداً، وذلك محرم لا يجوز إلا لضرورة ملجئة، ولا ضرورة حاصلة هنا".
"ومنها أن في ذلك تشجيعاً للنساء اللاتي لا يتقين الله تعالى على الفاحشة، فترتكب إحداهن جريمة الزنا ثم تخفي جريمتها بإجراء تلك العملية. ومنها أن في ذلك غشاً وخداعاً لمن قد يتزوج تلك الفتاة التي قامت بعملية الترقيع فيتزوجها على أنها بكر، وهي في الحقيقة ثيب".

وقد اعترض "عضو مجمع الفقه" التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور محمد بن يحيى النجيمي على إجازة الترقيع لأية فتاة فقدت عذريتها.
وقال النجيمي في تصريحات نشرتها صحيفة "الشرق الاوسط" انه "إذا كان فقد العذرية ناجماً عن سبب إجباري فإن رتقها أو ترقيعها جائز شرعاً، أما إذا سمحنا لللاتي فقدن بكارتهن اختياراً بالرتق، فإننا بذلك سنفتح باباً من الفساد والخداع عظيماً، ومعلوم في الشرع أن التدليس والغش محرمان".
ومن جهته يرى الشيخ أحمد الكبيسي، أحد أبرز علماء الدين في الإمارات ان "هذه العمليات تعد خداعا وتسترا على جريمة ويحرمها الإسلام"، وان الضالعين فيها "يتسترون على جريمة والتستر بحد ذاته جريمة".

كما ان الشيخ عز الدين الخطيب التميمي قاضي القضاة الأردني السابق أفتى بعدم جواز عمليات الترقيع مطلقا، واستند في فتواه إلى اعتبارها نوعا من الغش وتشجع على الزنا، بالإضافة إلى احتمالية اختلاط الأنساب إذا حدث حمل من العلاقة الأولى.

على ان محمد نعيم ياسين أستاذ الشريعة الإسلامية في الجامعة الأردنية فصل الحكم في هذه المسألة حسب معطياتها معطيا العلة في التحريم إلى نية الزنا من عدمها، فأفتى بجواز عملية الترقيع إذا غلب الظن أن الفتاة ستلاقي عنتا وظلما وكان فض غشائها قد حدث نتيجة حادث عرضي أو اغتصاب، وذلك لانتفاء نية السوء.

وفي ما يتعلق بالدين المسيحي ونظرته الى عمليات الترقيع، فان الأب بولص حداد من مطرانية الروم الكاثوليك الأردنية يرى أن زواج الفتاة التي تخضع لهذه العملية دون إخبار زوجها بحقيقتها مبني على غش وكذب، وهو مرفوض في الدين المسيحي.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك