فتاوى خراب البيوت

تاريخ النشر: 22 ديسمبر 2008 - 11:24 GMT

د. أحمد شوقى الفنجرى

يقولون: المرأة شؤم.. المرأة شيطان - وتقطع الصلاة.. ناقصات عقل ودين.. لماذا كانت قضايا المرأة الهدف الأكبر للكذابين وواضعى الحديث؟! الإسلام حطم قيود المرأة، ورفع شأنها، وكفل حقوقها، والأحاديث الموضوعة تجرح كرامتها، وتسلب حريتها، وتحط من آدميتها!
ذكرنا فى السابق أن واضعى الحديث نوعان: نوع حاقد وكاره للإسلام وفى مقدمتهم الإسرائيليون والزنادقة الذين ضاعت أممهم وسطوتهم، ثم دخلوا الإسلام خائفين ومهزومين وفى نيتهم الكيد والدسيسة والتخريب من الداخل! والنوع الثانى من العرب المسلمين، ولكن أغلبهم من الأعراب والبدو حديثى العهد بالإسلام، وهم من الجهلة وأنصاف المتعلمين، فمنهم من ظل بعد إسلامه يفتقد حياة الجاهلية، حيث كانت المرأة أمة عند الرجل ويعيش مع قطيع من النساء كالفحل بين الأغنام، ويدفن البنت حية تحت التراب، ولذلك نجد أحاديثهم التى وضعوها كلها إساءة إلى المرأة وقيود على حريتها، ومنهم من يتهمها بالزنى إذا كشفت وجهها لغيره، وبالزنى إذا تعطرت وشمها غيره، وبالزنى إذا صافحت سواه! وفى نفس الوقت منهم المتعلمون، وأهل التقوى، لكنهم لا يتورعون عن تلفيق الحديث المكذوب على رسول الله! يذكر د.محمد أبو شهبة أنهم - أى الوضاعين - يتعللون فى ذلك أنهم رأوا الناس قد انصرفوا عن الدين وتلهوا بالمال والنساء، فأرادوا وضع الأحاديث التى تخيفهم وتردعهم وتجعلهم يزهدون الحياة الدنيا ويكرهون المرأة، والرسول «صلى الله عليه وسلم» يقول فى ذلك: «من كذب علىّ فليتبوأ مقعده فى النار».
وفى هذا الباب نذكر مجموعة من الأحاديث الموضوعة عن المرأة فى البخارى ومسلم ونذكر قصتها:

أولا: حديث: الشؤم فى ثلاثة.. المرأة والفرس والدار. «رواه البخارى ومسلم». هذا حديث غريب ومنكر، ويتنافى مع القرآن الكريم ومع خلق الرسول وتعاليمه، ومع الذوق والعقل السليم، وقد ذكره البخارى فى موضعين بشكلين متناقضين! ونصه أن أبا هريرة كان جالسا فى المسجد يتلو على المسلمين الأحاديث التى سمعها عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، إلى أن قال: سمعت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يقول الشؤم فى ثلاثة «المرأة والفرس والدار»، وكان بين الحاضرين نفر من كبار الصحابة فاستنكروا أن يقول الرسول مثل هذا الكلام وقاموا إلى بيت السيدة عائشة يسألونها، فلما سمعته ثارت غاضبة وقالت: أخطأ أبو هريرة فقد دخل والرسول يقول: «لعن الله اليهود. يقولون الشؤم فى ثلاثة المرأة والفرس والدار» فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله، فعادوا إليه وأخبروه بما قالت، فاعتذر عن خطئه وقال هى أصدق وأصح! وللأسف الشديد أن البخارى لم يشطب هذا الحديث من كتابه بعد أن تبين ما فيه من خطأ بل كتبه كما هو برواية أبى هريرة، ثم عاد فكتبه بصحته برواية عائشة فى باب آخر هو «ما صححته عائشة على كبار الصحابة»، وهذه الطريقة قد أحدثت بلبلة بين المسلمين فأصبح كل فريق منهم يختار ما يهواه بصرف النظر عن التناقض بينهما، وكل منهما منسوب إلى البخارى! وفى عصرنا الحاضر نشرت فتوى للشيخ الوهابى ابن باز، عن سؤال وجه له جاء فيه: أنا تاجر كبير وكنت ناجحا فى تجارتى منذ الشباب ثم تزوجت من امرأة وأنجبت منها ثلاثة أطفال، ولكنى لاحظت بعد زواجى الفشل والخسارة فى تجارتى وكل صفقة أعقدها، وأنا أحب زوجتى وتحبنى ولا عيب فيها، وإنى أستغفر الله أن أربط بينها وبين النحس الذى يلازمنى الآن، فما هو موقف الإسلام من هذا؟

وقد رد عليه رئيس هيئة كبار العلماء بالفتوى التالية : يقول الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» الشؤم فى ثلاثة: فى المرأة وفى الفرس وفى الدار، «رواه البخارى»، فإذا أردت طاعة الله والرسول ودهست على قلبك وحبك فعليك أن تطلق هذه المرأة فهى شؤم عليك وعلى تجارتك وعسى الله يرزقك بخير منها ويرزقها بخير منك»! وبسخرية شديدة وتحت عنوان «فك النحس بالطلاق» نشرت الصحافة هذه الفتوى الجهنمية، التى تحض على خراب البيوت وتشريد الأطفال، وقد أخذت أبحث فى البخارى حتى عثرت على الحديث الصحيح كما صححته عائشة فكتبت مقالا فى نفس الصحيفة أرد فيه على المفتى، أن الحديث مبتور بحيث جاء بعكس معناه، وأن عائشة قد صححته بحيث لا يجوز الآن الاستشهاد بالحديث المحرف، مادام عندنا الصحيح، ثم قلت إنه كان الواجب على المفتى قبل أن يطالبه بطلاق زوجته أن يسأله عن أسباب خسائره فى التجارة: هل تكاسل فى العمل أو بدأ يغش فى التجارة أو يسىء إلى الناس فى معاملاته، أو يخلف المواعيد؟ فهذه هى الأسباب التى تؤدى إلى الخسارة ولا علاقة نهائيا بالزوجة أو النحس أو الشؤم، ومن الخطأ والظلم وخراب البيوت أن ينصح المفتى بالطلاق دون أى مبرر وهو أبغض الحلال إلى الله وخاصة أن الشاكى لا يشكو من سوء فى زوجته!

ثانيا: حديث يقطع الصلاة ثلاثة: المرأة والحمار والكلب الأسود.. «قالوا يارسول الله مابال الكلب الأسود أو الأحمر فكلهم سواء.. قال: الكلب الأسود الذى فى وجهه نقطة بيضاء شيطان فإذا رأيتموه فاقتلوه» رواه البخارى. هذا الحديث أيضا.. رواه أبو هريرة.. فلما سمعت به عائشة غضبت وقالت شبهتمونا بالحمير والكلاب، أخطأ أبو هريرة فالنبى «صلى الله عليه وسلم» كان يصلى وأنا راقدة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلى فقبضتها إلىّ ثم يسجد، فإذا كان أبو هريرة وهو الراوى الأساسى فى جميع كتب الحديث يخطئ هذا الخطأ الفاحش، وينقل الأحاديث دون تروٍّ أو تدقيق فما بالك بالآخرين الذين رووا عنه واختلقوا الحديث والذين يرون فى تحرير الإسلام للمرأة ورفع مكانتها قيدا على حريتهم، وقد كانوا فى الجاهلية يئدونها حية فى التراب! والعكس من هذا فقد روى أبوداود فى باب الصلاة عن ابن عباس: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين بيديه حمارة لنا وكلبة تعبث بين يديه فما بالى بذلك» وروى مسلم فى باب الصلاة عن ابن عباس: «أنه رأى النبى يصلى ويمر بين يديه الحمار والكلب فلا يمنع من ذلك». أيضا، فإن من سيئات هذا الحديث قولهم أن الكلب الأسود الذى فى وجهه نقطة بيضاء هو شيطان فاقتلوه.. فهم بلا شك يريدون نسبة الخرافات والجهل والدجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم الله وفضحهم فى الدنيا والآخرة!

ثالثا حديث: المرأة تقبل فى صورة شيطان وتدبر فى صورة شيطان.. فإذا رأى أحدكم امرأة وأعجبته فليذهب إلى أهله فعندها مثل الذى عند هذه! رواه البخارى. إن أى إنسان يحب رسول الله، ويدرس كلامه المعجز وحكمته، ويعرف أسلوبه الراقى فى التعبير وانتقاء الألفاظ.. سوف يشعر فى الحال أن فى هذا الحديث انحرافا ووضعا.. فاتهام المرأة بأنها شيطان أمر بعيد عن خلق الرسول وحكمته، فالقرآن يقول: «إن الشيطان للإنسان عدو مبين» «يوسف».
ويقول: «الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء»، «البقرة». وما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليصف المرأة بهذه الصفات الشيطانية، وهذا الحديث يصف أى علاقة بين الرجل وأى امرأة يلقاها فى الطريق العام بأنها نزوة جنسية وأن إفراغها فى أى امرأة تستوى وتزول.. فالحديث موضوع، ولو عرض على عائشة لأنكرته كما أنكرت سوابقه!

رابعا، حديث: «استأخرن فليس لكن وسط الطريق ولكن عليكن بحافات الطريق»، رواه أبوداود عن أبى هريرة. قصة هذا الحديث أن الرسول رأى النساء أثناء خروجهن من المسجد يسرن فى وسط الطريق.. ويختلطن بالرجال فأمرهن أن يستأخرن حتى يسير الرجال أولا ولا يسرن فى وسط الطريق، بل بجوار الحائط. ويصف الراوى أن المرأة كانت تلتصق بجوار الحائط حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار.. هذا الحديث غريب ومشكوك فى صحته ولا يستعمله غير الوهابيين الذين لا يحترمون المرأة، ولم يروه إلا أبوداود، والمعروف أن أبا داود «جمع فى كتابه الصحيح والضعيف والمنكر وما فيه وهن شديد»، وهو ليس فى مرتبة البخارى ومسلم. والحديث ينص على أن المرأة إذا خرجت إلى الشارع فعليها ألا تسير وسط الطريق، بل بجوار الحائط حتى لا تختلط بالرجال، وهذه تفرقة لا يقرها الإسلام ولم نسمع بأى نظام كهذا منه، فالمرأة فى الحج والعمرة لا تسير بعيدا عن الرجال، وقد تكون بجوار زوجها وأهلها. وكلمة «استأخرن» معناها أن يتأخرن فى الشارع عن الرجال، فى حين أن الرسول يقول «النساء شقائق الرجال»، فلا تعامل المرأة معاملة العبد وتسير بجوار الحائط حتى تلتصق ملابسها بجدار البيوت، لقد كانت هذه التفرقة فى الدولة الرومانية فلا تسمح للعبيد أن يسيروا وسط المشاة فى الطريق، بل بحافة الطريق، وفى عصرنا الحديث هناك شعار حضارى يقول: «Ladies First» «النساء أولا»، باعتبارهن الأضعف والأرق.. والإسلام لا يعتبر أن الاختلاط بين الرجال والنساء حرام، مادام يتم فى الأماكن المحترمة «والطريق أحدها» ويلبس الجميع ملابس إسلامية وليس فيه خلوة ويتصرفون بسلوك إسلامى، وهؤلاء جميعا رجالا ونساء خارجون من المسجد بعد الصلاة، فلماذا الحرص على التفرقة بينهم؟!

خامسا: حديث «ناقصات عقل ودين» نصه: يا معشر النساء أكثرن من الصلاة والاستغفار، فإنى رأيتكن أكثر أهل النار وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن! قالت إحداهن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم، فهذا من نقصان دينها. وأليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل.. فذلك من نقصان عقلها! فبصرف النظر عن سلسلة الرواة وعن العنعنة ووروده فى كتب الصحاح، أرجو أن نحكم عقلنا ومنطقنا ونحكم علمنا برسولنا الأمين، وحكمته وأدبه وحسن تربيته، هل يعقل أن يصدر منه مثل هذا الكلام؟! ففيه سب وذم أكثر مما فيه وعظ وإرشاد، والله تعالى يقول: «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك». والحديث يتنافى مع العقل والمنطق الذى اتسم به الرسول، فهو يعتبر النساء ناقصات دين لأن الله والشرع يفرضان عليهن عدم الصلاة وعدم الصوم إذا حضن، ويعتبرهن ناقصات عقل لأنه فرض عليهن أن تكون شهادتهن نصف شهادة الرجال، فهذه تشريعات الله ولا اعتراض عليها وليست ذنوبا من المرأة تستحق العقاب بالدخول فى النار. وصدق رسول الله إذ يقول: إذا سمعتم الحديث عنى تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم عنه» رواه أحمد.(
عن مجلة روز اليوسف)