فكرة الجيش الأوروبي الموحد هل تتبلور لواقع؟

منشور 15 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2018 - 01:31
أثارت دعوة ماكرون الكثير من التساؤل عن دوافعها، لا سيما أن فرنسا والاتحاد الأوروبي اعضاء في حلف الناتو
أثارت دعوة ماكرون الكثير من التساؤل عن دوافعها، لا سيما أن فرنسا والاتحاد الأوروبي اعضاء في حلف الناتو

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إنشاء جيش أوروبي موحد، وذلك على هامش الاحتفال بذكرى نهاية الحرب العالمية الأولى في باريس، ومطالبا بذات الوقت الدول الأوروبية بالاستقلالية في تسليحها بدلا من الاعتماد على الولايات المتحدة في شراء السلاح.


وأثارت الدعوة الفرنسية غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأعتبر دعوة ماكرون مهينة، حيث قال: "لكن ربما يجب على أوروبا أن تسدد أولا مساهمتها في حلف شمال الأطلسي الذي تموله الولايات المتحدة إلى حد كبير".

 

مخاوف أمنية ورغبة بالاستقلالية

وكانت دعوة ماكرون مثيرة للتساؤل عن دوافعها، لا سيما أن فرنسا والاتحاد الأوروبي اعضاء في حلف الناتو، وهو قوة عسكرية مشتركة ومسلحة بأقوى الاسلحة.

من جهته يرى الكاتب والباحث بالشؤون السياسية كامل الحواش أن "دافع ماكرون لإطلاق هذا التصريح، هو رغبته بأن تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها، وذلك بدون الحاجة لحماية أمريكية، الأمر الذي يعتبره ماكرون قضية سيادية"، مضيقا أنه "بنفس الوقت لا تنسى أن ترامب تحدث بالماضي عن ضرورة أنفاق أوروبا مبالغ أكبر على الدفاع".

وتابع الحواش في حديث لـ"عربي21": "الأوروبيون متخوفون من خطر أمني روسي وصيني، وماكرون أشار لانسحاب ترامب من معاهدة انتشار الصواريخ النووية متوسطة المدى، وبنفس الوقت لم يتحدث عن خطر أمريكي ضد أوروبا".

بدوره أشار أستاذ الإدارة والسياسة العامة في جامعة القدس صلاح الحنيني إلى أن "رغبة ماكرون بإنشاء جيش أوروبي موحد، هدفها ايجاد استقلالية أوروبية والخروج من تحت عباءة العم سام".

وتابع الحنيني في حديث لـ"عربي21": "قد يكون الدافع أيضا أسلوب الرئيس الأمريكي المتعالي في تعامله مع الدول الأوروبية، والذي ظهر جليا بفرض رسوم تجارية جديدة على البضائع الأوروبية، بالتالي يريد ماكرون القول بأن يمكننا الاستغناء عنكم، إضافة للرغبة بحماية أوروبا من مخاطر أمنية صادرة من روسيا ودول أخرى".

 

ما واقعية تشكيل جيش أوروبي؟ 

وحول واقعية فكرة تشكيل جيش أوروبي موحد، أوضح المختص بالشأن الأوروبي صلاح الحنيني أن احتمالية حدوث ذلك تبقى واردة، مشيرا إلى أن فقدان الاتحاد الأوروبي الثقة بترامب قد تساهم بتحويل هذه الفكرة لواقع.

ولفت إلى أن الاتحاد الأوروبي فقد الثقة بالرئيس الأمريكي ترامب بعدة ملفات، "أهمها الاقتصادية خاصة رفع الضرائب على الحديد والصب الأوروبي، وأيضا انسحاب واشنطن من معاهدة الاحتباس الحراري وتخفيض التمويل الأمريكي للمؤسسات الدولية".

وأكد الحنيني على أنه من المبكر الحديث عن تأثير الجيش الأوروبي على الناتو، مضيفا "فالفكرة برأيي لن تخرج عن كونها تصريحات، ولكن إن تحولت لواقع فعلي، فهذا يعني انفراط الاحلاف التقليدية بين دول الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة، وسيكون خطوة أوروبية باتجاه أخذ زمام الأمور بخصوص أمن الدول الأوروبية و مصالحها الاستراتيجية".

بدوره عبر الباحث السياسي كامل الحواش عن اعتقاده بأنه لا امكانية لإنشاء جيش أوروبي على المدى القصير، وبالذات عند اخذ رد الدول التي عليها ان توافق على ذلك وهي 27 دولة، فالعديد منها ستعتبر الدفاع موضوع سيادي محلي مع اتفاقهم على ضرورة التنسيق فيما بينهم، وهم أيضا يعتبرون وجود الناتو كالمنظومة التي توفر الحماية لهم أمر مهم جدا".

وحول تأثيره على الناتو قال الحواش: "لا أعتقد أن انشاء جيش اوروبي سيتم بدون دراسات عميقة وتنسيق مع حلف الناتو، فالعديد من الدول الاوروبية أعضاء فاعلين فيه، وتغطية الناتو اوسع فهو مثلا يضم تركيا وهذا الأمر يخوله للتفاعل مع أزمات في مناطق خارج أوروبا".

 

مستقبل العلاقات الامريكية الأوروبية

وأثارت الردود المتبادلة الغاضبة بين بعض القادة الأوروبيين وبين ترامب التساؤلات عن مستقبل الحلف الأوروبي الامريكي، خاصة في ظل اختلاف ارائهما حول عدد من القضايا العالمية، فهل يمكن أن نرى قطعية أوروبية أمريكية؟

يجيب الباحث السياسي كامل الحواش على هذا التساؤل بالقول: "بداية لا بد من ألإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مزاجي حتى في القضايا الحساسة، فمثلا على الرغم من امتعاضه من تصريحات ماكرون حول فكرة الجيش الأوروبي، إلا أن لقاءهما في باريس كان جيدا، وأيضا للمفارقة قد يكون ترامب سعيد بفكرة هذا الجيش خاصة إذا تم تسليحه بسلاح أمريكي اللأمر الذي سيجلب فرص عمل إضافية للأمريكيين، ولكني لا اعتقد أن الفكرة ستتبلور لواقع".

وختم حديثه بالقول: "نعم هناك بعض المشاحنات بين أوروبا وأمريكا، ولكن لم تصل حتى الان إلى أزمة قد تؤدي لتفكك تحالفهما، وعلينا أيضا التفريق بين التحالف طويل المدى، وبين العلاقة مع الرئيس الأمريكي الحالي فهو بالنسبة لهم شخص عابر".

بدوره اعتبر صلاح الحنيني "أن ما يفرق العلاقات الأمريكية الأوروبية أكثر ما يجمعها حاليا، و يمكن أن يعتري هذه العلاقات بعض الفتور، لكن لن تصل لحد القطيعة، فمثلا حين انزعج ترامب من فكرة ماكرون وصرح بغضب ضدها، صرح الرئيس الفرنسي بتصريحات دبلوماسية لتهدئة الأجواء والقول بأن الفكرة كانت تهدف لتقاسم الأعباء داخل حلف الناتو، و أنه لا يستهدف أمريكا أو الإضرار بها".

مواضيع ممكن أن تعجبك