يتهكم محمود بعلوشة، وكثير من الفلسطينيين "المقهورين بفعل استمرار الاحتلال الإسرائيلي" لدى تقييمهم للولاية الرئاسية الاولى للرئيس الأميركي باراك أوباما بالتساؤل "هل بدأ فعلاً أوباما ولايته الرئاسية؟".
يقول بلعوشة، وهو في الأربعينات من عمره، إنه "رسم أمالاً وردية لدى متابعته الحملة الانتخابية لأوباما ووعوده بالسلام والتغيير"، لكنه بعد عام من فوز أول رئيس أسود في البيت الأبيض "لا يجد سوى الإحباط لأفعاله على الأرض".
وتنتاب حالة قوية من الاحباط معظم الفلسطينيين، رسمياً وشعبيا إزاء سياسات أوباما في المنطقة بعدما أبداه من تعاطف كبير إزاء قضيتهم وتعهد بأن يدفع قدما جهود إقامة دولة مستقلة لهمً.
يقول بعلوشة الذي يعمل تاجرا في غزة ، إنه يأسف للوعود التي قطعها الرئيس الأميركي على نفسه والتي وصفها بأنها "تبخرت".
ويرى سائق التاكسي مصطفى درويش أن أوباما رسم للعالم صورة مغايرة للواقع، وقال انها: "صورة مفعمة بطموحات السلام والأمن"، لدى ترشحه للانتخابات الرئاسية لكنه "سرعان ما أبقاه في نفس الدوامة".
ويقول الطالب الجامعي محمد راضي إنه تابع بشغف حملة أوباما الانتخابية ودعمه عبر شبكة الانترنت أملا في أن يتمكن من تنفيذ شعار التغيير الذي نادى به، بيد أن راضي يضيف بنبرات من الاستياء "وجدناه كمن سبقه، يعد دون تنفيذ".
كان اوباما تعهد فور توليه مقاليد الامور في البيت الابيض قبل نحو عام بأن تحتل دبلوماسيته تجاه الشرق الأوسط أولوية كبيرة، والتركيز على استئناف الجهود لتسوية الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين ختاما بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
كما أنه طالب إسرائيل بخوض مفاوضات جدية للسلام والتوقف عن البناء الاستيطاني، وهو ما لاقى ترحيبا فلسطينيا كبيرا، وان كان مشوبا بالحذر لدى الكثيرين، وقد تحول لاحقا إلى غضب إزاء تراجعه عن مواقفه والضغط على الفلسطينيين لاستئناف المفاوضات من دون وقف الاستيطان.
ويرى المواطن فضل نعمان، وهو في الستينات من عمره، أن أوباما "عاد كغيره من الزعماء الأميركيين الى دعم إسرائيل والانحياز لمواقفها ضد الفلسطينيين والعرب"، عوضا عن الوفاء بوعوده بإحلال السلام العادل.
ولم تحقق جهود إدارة أوباما لاستئناف محادثات السلام المتوقفة منذ كانون الأول (ديسمبر) 2008 بين إسرائيل والفلسطينيين أي تقدم رغم أنه عقد قمة ثلاثية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي في تموز (يوليو) الماضي لهذا الغرض إلى جانب جولات مكوكية لمبعوثه الخاص جورج ميتشل بهذا الشأن.
وكشفت العديد من المقابلات التي أجرتها وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) بين مواطنين الفلسطينيين انهم يرون أن أوباما لم يقدم دليلاً على جدية نواياه لتحقيق السلام العادل واكتفي بالشعارات والوعود.
لكن الطالبة الجامعية سحر جاد الله من مدينة رام الله تلتمس بعض العذر للرئيس الاميركي، بصورة "أكثر واقعية" فهي ترى أن أوباما "صدم بواقع السياسات الدولية المتعاقبة وتركيبة الحكومة الإسرائيلية... الأكثر تطرفا" إضافة إلى "ضعف الموقف الفلسطيني المنقسم على حاله".
بيد أن كثيرا من الفلسطينيين يرون أن المشكلة الحقيقية تكمن في السياسات الإسرائيلية والأميركية ، وانها العائق الحقيقي أمام جهود تحقيق السلام وليس انقسامهم الداخلي.
يقول الأمين العام للمبادرة الفلسطينية مصطفي البرغوثي لـ(د.ب.أ) إن تذرع إدارة أوباما بان الانقسام الفلسطيني يعيق السلام مجرد "حجج "، مشدداً على أن هذه الإدارة "مازالت تفتقد أصلاً الرغبة بسلام حقيقي وليس فقط مفاوضات ولقاءات شكلية".
واعتبر البرغوثي ان إدارة أوباما "ضعفت أمام ضغط إسرائيل واللوبي الصهيوني، وبالتالي تراجعت عن مواقفها - المبشرة فلسطينيا - بضرورة توفير متطلبات السلام وإحقاق الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني".
ويؤكد البرغوثي أن الفرصة مازالت سانحة أمام الادارة الاميركية لتنفيذ وعودها بتحقيق السلام "شرط التقيد بحل حقيقي للقضية الفلسطينية باعتبارها بوابة الأمن والسلام في المنطقة من دون أي انحياز لإسرائيل".
ويقول المحلل السياسي طلال عوكل إن الفلسطينيين: "مقتنعون بعد عام من حكم أوباما وجهوده من أجل السلام أن ادارته مازالت لا تتمتع بالحد الأدنى من نزاهة وموضوعية الوسيط الذي يسعى لبلوغ سلام حقيقي قائم على الحق والقانون والصدقية".
واعتبر عوكل أن الإدارة الأميركية مازالت كذلك تبدي رغبة جدية في مواصلة "الاستثمار بقضية الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي من واقع أهميتها للمصالح والأمن القومي الأميركي، وليس من أجل سلام عادل".
وعلى المستوي الرسمي، انتقدت السلطة الفلسطينية في عدة مناسبات ما اعتبرته تراجعا من قبل إدارة أوباما عن مواقفها بشأن متطلبات العملية السياسية، خاصة وقف الاستيطان.
وأوضح الناطق باسم المكتب الإعلامي الحكومي التابع للسلطة الفلسطينية غسان الخطيب للوكالة الالمانية أن أوباما "خلق توقعات عالية في بداية عهده، لكنه لم يكن قادرا على تحقيقها وهو ما شكل خيبة أمل فلسطينية كبيرة".
إلا أن الخطيب يرفض رسم صورة شديدة القتامة لإدارة أوباما بتأكيده أنها كانت أفضل من سابقتها "كونها انكبت باكرا على السعي لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وحملت مواقف أكثر وضوحا تجاه السلام ومتطلباته".
وأكد الخطيب أنه ما زال هناك أمل وتفاؤل فلسطيني بقدرة أوباما على حل القضية الفلسطينية "فإدارته مواظبة على متابعة جهود إحلال السلام وتنسيقها أفضل مع الأطراف الأخرى في الأسرة الدولية، خاصة أوروبا من أجل تحقيق ذلك".
وتعارض حركة المقاومة الاسلامية (حماس) هذه الرؤية وهي التي واصلت إدارة أوباما مقاطعتها لحين انصياعها مع شروط اللجنة الرباعية الدولية للسلام، وأبرزها الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف.
وقال القيادي في الحركة يحيى موسى في تصريحات لـ(د.ب.أ) ان: "إدارة أوباما تحكمها مؤسسات ومصالح وانها لم تغير في هذه السياسات "التي نرى أنها لم تختلف أبدا عن إدارة جورج بوش".
واستبعد موسى أي دور إيجابي لإدارة أوباما في دفع عملية السلام في المنطقة "بسبب استمرار انحياز إدارته الواضح للاحتلال الإسرائيلي وأمنه ومصالحها، المقدمة على القضية الفلسطينية وعدالتها".