في مجمع سكني متواضع في احد احياء بغداد يعيش فلسطينيو العراق منذ العام 1948 فيما يشبه المنفى، بينما يترصدهم شبح الخوف من المجهول بسبب التهديدات التي باتوا يتعرضون لها وعمليات القتل والخطف التي طالت العديد منهم مؤخرا.
في حي البلديات القريب من منطقة بغداد الجديدة وعلى مساحة متواضعة من الارض تنتصب بعض العمارات السكنية مكونة مايسمى المجمع السكني للفلسطينيين في بغداد وتحيط بمعظم جوانبه وبين ازقته مياه راكدة تنبعث منها روائح نتنة وتتكدس عند اغلب زواياه اكوام من القمامة.
غير أنه في خضم تداعيات الاوضاع الامنية والصراعات في العراق وجد فلسطينيو العراق الذين يعيشون في هذا البلد منذ حرب العام 1948 انفسهم طرفا مباشرا في الاحداث الامنية.
واصبح الفلسطينيون وخاصة منذ التفجيرات التي شهدتها منطقة بغداد الجديدة في ايار/مايو من العام الماضي موضع اتهام تطور فيما بعد الى عمليات اعتقال وقتل واختطاف من قبل اطراف يصر اصحاب الشأن على وصفها انها "اطراف مجهولة" وتعالت اصوات هنا وهناك مطالبة بترحيل الفلسطينيين من العراق.
وقال الشيخ ايمن مصطفى (33 عاما) امام مسجد القدس في المجمع ان المجمع "الذي يفتقر الى الكثير من الخدمات" شيد في العام 1971 ليستوعب من حيث الاساس 768 عائلة لكنه الان يضم 1700 عائلة بمجموع سكان يقدر بنحو عشرة الاف شخص.
واضاف مصطفى الذي يحمل شهادة الماجستير في الهندسة ان الفلسطينيين من سكنة هذا المجمع يعيشون "ومنذ فترة في حصار حقيقي. فالموظف وطالب المدرسة والعامل كلهم يخشون من الذهاب الى اعمالهم خوفا من ان يتعرف عليهم احد بانهم فلسطينيون وهذا قد يعرضهم لخطر القتل او الخطف او الاعتقال بدعوى انهم ارهابيون."
وقال عدد من سكان الحي ان حياتهم انقلبت فجاة رأسا على عقب منذ الاحداث التي شهدتها منطقة بغداد الجديدة في ايار مايو من العام الماضي عندما انفجرت سيارة مفخخة كان يقودها انتحاري استهدف سوقا شعبيا في المنطقة راح ضحيتها العشرات من السكان المنطقة أُتهم على اثرها الفلسطينيون بالوقوف وراء الحادث.
ووصف احد سكان المجمع رفض ذكر اسمه تاريخ 22 ايار/مايو من العام الماضي بانه "عام النكبة الثاني لفلسطيني العراق."
بعد يومين من الحادث عرضت قناة التلفزيون العراقية اعترافات لاربعة اشخاص قال متحدث التلفزيون حينها ان قوات الامن العراقية القت القبض عليهم وانهم مسؤولون عن حادثة التفجير وانهم من الفلسطينيين اعترفوا بمسؤوليتهم عن الحادثة وكانت تبدو على وجوه بعضهم اثار ضرب.
وقال ثائر نور الدين وهو شقيق احد الاشخاص الاربعة الذين ظهروا على شاشة التلفزيون ويسكن المجمع ان شقيقه "بريء تماما من الحادثة وانهم اعترفوا بسبب التعذيب الذي مورس ضدهم ونحن نمتلك من الادلة مايثبت ان شقيقي والاخرين الذين ظهروا معه لا علاقة لهم بالحادث لا من قريب ولا من بعيد."
واضاف نور الدين ان شقيقه والاخرين "لم يتم تقديمهم حتى اللحظة الى المحكمة.. وان كل الاعترافات انتزعت منهم اثناء التحقيق."
وقال الشيخ مصطفى ان استهداف سكان المجمع ازداد حدة وخاصة بعد الاحداث الاخيرة التي شهدتها مدينة سامراء في الثاني والعشرين من الشهر الماضي عندما تم تفجير مرقد الامامين العسكريين هناك.
ويروي الشيخ مصطفى كيف ان " مايقارب من خمسة عشر الية هاجمت المجمع عصر ذلك اليوم يرافقها عشرات المسلحين اطلقت النار بشكل عشوائي في ارجاء المجمع مما أسفر عن اصابة خمسة اشخاص احدهم من سكنة الحي وكانت جروح أحدهم خطيرة."
واضاف الشيخ مصطفى "عدد الذين قتلوا من الفلسطينيين او وجدوا مقتولين بعد اختطافهم ومنذ احداث سامراء بلغ 16 شخصا... وان العديد من العوائل هجرت المجمع خوفا على حين قدمت اليه أعداد أخرى هربا مما لاقوه في المناطق التي كانوا يسكنون فيها."
وعلى اثر هذه الاحداث حاولت خمسون عائلة وقبل ايام معدودة مغادرة العراق وبشكل جماعي الى الاردن لكن السلطات الاردنية رفضت استقبالهم باعتبار ان مشكلتهم هي مشكلة الفلسطينيين اللاجئين في العراق وان حل هذه المشكلة يجب ان يتم من خلال الهيئات الدولية وسلطات البلدين.
ومازالت هذه العوائل للان على الحدود بين البلدين بانتظار الحل.
وقال الشيخ مصطفى ان معظم هذه العوائل كانت تسكن هذا المجمع وان "هجرتهم هي انعكاس لما وصلت اليه الامور لفلسطيني العراق."
ويقول نبيل محمود السهلي وهو كاتب فلسطيني متخصص في عملية الاحصاء السكاني لفلسطيني المنفى انه بعد احداث التاسع من نيسان/ابريل من العام 2003 عندما سقط نظام الرئيس السابق صدام حسين " حاولت أطراف عراقية حاقدة زج اللاجئين الفلسطينيين في معادلة الازمات العراقية المسعتصية بفعل الغزو الامريكي."
ويضيف ان الامر وصل "الى حد الاعتداء على تجمعات اللاجئين في العراق في كل من من منطقة البلديات وبغداد الجديدة."
ويضيف السهلاني في مقالة نشرت على موقع شبكة الانترنت للاعلام العربي ان تطورات الاحداث في العراق "أدت الى طرد مئات الاسر الفلسطينية ليصبحوا لاجئين مرة ثانية بعد أكثر من خمسين عاماً على نكبتهم في العام 1948."
وقال احد سكان الحي "اذا كانوا لا يريدوننا في العراق فليرحلونا من هنا الى اي مكان.. لقد سئمنا العيش هنا في هذا القلق والخوف.. كلنا هنا مهددون ولا نعرف السبب.. السبب الوحيد الذي نعرفه هو اننا فلسطينيون."