فياض .. سياسي من نوع آخر

تاريخ النشر: 28 أبريل 2010 - 06:12 GMT

يقوم رئيس الوزراء سلام فياض بهدوء بتغيير قواعد الصراع العربي- الاسرائيلي بمنطق بسيط : الفلسطينيون يجب أن يبنوا دولتهم الآن، ولا يستطيعون انتظار اتفاق سلام مراوغ مع اسرائيل.

وهو يتحرك قدما لتنفيذ خطة طموحة لتهيئة الفلسطينيين للدولة بحلول آب من العام ٢٠١١ من خلال محاولة بنائها من الأساس نحو السقف :تعبيد الطرق واصلاح النظام القضائي وتخطيط المدن الجديدة.

فياض، الاقتصادي الذي تدرب في الولايات المتحدة، أحيط بسيل من المديح، والأموال والدعم من قبل الولايات المتحدة واوروبا. ولم يقل الاسرائيليون سوى القليل، رغم أن البعض في اسرائيل عبروا عن القلق من أن فياض يتصدر استراتيجية فلسطينية لتجاوز المفاوضات، واعلان دولة أمر واقع والسعي لاعتراف دولي بها.

فياض يعتقد ان النجاح يخلق زخمه الخاص، وأن تقديم قضية مقنعة لدولة فلسطينية سيجعل قيامها حتميا. لكنه لا يصل حد القول بأن الفلسطينيين سيعلنون من جانبهم عن استقلالهم.

وقال مؤخرا في مقابلة أجريت في موكبه الذي كان يتجول في الضفة الغربية :"كان التفكير هو أنه حوالي منتصف العام ٢٠١١، اذا لم تسفر العملية السياسية عن نهاية للاحتلال... ستفرض حقيقة الدولة الفلسطينية نفسها على العملية السياسية، وعلى العالم".

فياض ركز خلال الشهور الأخيرة على محاولة إثارة الحماسة في صفوف الفلسطينيين الذين خاب أملهم من سنوات من العملية السلمية الفاشلة.

وهو يتواصل معهم، ويتخطى البنى البيروقراطية الفصائلية. وكمستقل يقوم بإلقاء خطاب اذاعي اسبوعي، ويجتمع بانتظام مع الصحفيين الفلسطينيين وقد وظف مستشارا لادارة موقعيه على "فيس بوك" و "تويتر".

وعلى العكس من السياسيين البيروقراطيين الذين يتخذون القرارات في مكاتبهم ، يسافر فياض الى مختلف أنحاء الضفة الغربية كل بضعة أيام.

وحصل الظهور العلني لفياض على الإهتمام الإعلامي. وقال الرئيس عباس انه لن يسعى لإعادة انتخابه. وقال فياض ردا على التكهنات بأنه ربما يسعى للرئاسة انه يعمل من أجل رؤية وليس في سبيل منصب.

الا ان الهوة بين التطلعات والواقع كبيرة جدا.

فياض الذي شغل رئاسة الحكومة منذ العام ٢٠٠٧ بقرار من الرئيس عباس، له صلاحيات محدودة على حوالي ٤٠٪ من الضفة الغربية، أما بقية الضفة فتسيطر عليها اسرائيل بالكامل. وقطاع غزة الذي من المفروض أن يشكل مع الضفة الغربية الدولة الفلسطينية هو بيد حماس التي أخرجت قوات السلطة الفلسطينية من القطاع عام ٢٠٠٧.

ويقول رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو انه لن ينسحب مطلقا من القدس الشرقية العاصمة المأمولة للفلسطينيين.

وتعكس حياة فياض هذه التناقضات ،فهو يعيش في القدس الشرقية لتي ضمتها اسرائيل. زوجته بشائر، لديها اقامة دائمة كمواطنة مقدسية. وكمواطن من الضفة الغربية يعيش في القدس بتصريح زيارة تجدده اسرائيل كل بضعة شهور.

انتقال نحو الحرية

وخلال دوامه اليومي في رام الله كثيرا ما يستقبل الشخصيات الأجنبية. وأثناء عودته الى بيته يجتاز المعبر الاسرائيلي في قلنديا.

ويقول فياض، ٥٨ عاما :لو انني، لدقيقة واحدة فكرت بأن هذه معاناة سأعيشها طيلة حياتي... فإنني ربما اقول في نفسي انس الموضوع، لأنه في الواقع غريب جدا. لكننا نعيش مرحلة انتقالية. وبالنسبة إلي، هي انتقال نحو الحرية، نحو الدولة.

استراتيجية فياض تقف في تناقض مع توجهات القادة الفلسطينيين التقليديين الذين يقولون "الكل أو لا شيء"- بل انها اثارت مقارنات بينه وبين دافيد بن غوريون الأب المؤسس لاسرائيل.

توجهه عبارة عن توازن بين التعاون مع اسرائيل ومواجهتها.

اسرائيل ردت على نجاح فياض في اعادة الأمن الى الدن الفلسطينية التي كانت تسودها الفوضى في وقت ما بتقليص نشاط قواتها وتخفيف القيود على التنقل. ومكَّن ذلك الاقتصاد الفلسطيني المنهك من النهوض قليلا. وهذا التحسن، مضافا إليه الإنفاق الشفاف لفياض وخطته لبناء الدولة ادى لاقتناع الدول المانحة بمواصلة تحويل مبالغ كبيرة من المساعدات المالية.

يؤيد الاحتجاجات الشعبية

الا ان فياض يؤيد ايضا الاحتجاجات الشعبية الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي ويضغط من اجل البناء في ال ٦٠٪ من اراضي الضفة الغربية الممنوعة على الفلسطينيين.

وقال روبرت بليتشر المحلل في منظمة ادارة الأزمات للأبحاث :"أكبر تحد يواجهه فياض هو انه مضطر للسير على حبل مشدود بين التنسيق مع اسرائيل وهو ما تحتاجه خطته لبناء الدولة، ومواجهة اسرائيل التي يريدها الفلسطينيون وهم منجذبون نحوها".

اسرائيل أعطت فياض علامات عالية على تحسن الأمن. لكن عددا من مسؤوليها انتقدوا ما اعتبروه خطته الرامية لاعلان الدولة انفراديا.

وقال الوزير الاسرائيلي المتشدد بيني بيغن :"لا اعتقد انها ستكون مجدية. فنحن لن ننسحب بسبب بيان او تصريح، حتى لو ايده العالم.

عدد من الفلسطينيين حذروا من أن خطة فياض ستضر بقضيتهم من خلال إقامة هياكل دولة دون الحصول عليها فعليا- وهو أمر يخشون من أن اسرائيل ستستغله للقول بأن التسوية النهائية لن تكون ضرورية بعد ذلك.

الا أن شعبية فياض في تزايد بالضفة الغربية، على كل حال.

القائد الوحيد الذى يمتلك خطة

وفي جولة خارج مكتبه، زار فياض مؤخرا قرية عارورة بالضفة الغربية حيث حاول المواطنون تسجيل رقم قياسي في كتاب غينيس بصنع أكبر رغيف مسخن في العالم. وتفقد فياض الطبق ومن حوله حشود الفلسطينيين، ثم حمل صحنا من الوجبة الى مقعده وبدأ في تناوله مستعملا أصابعه.

الناس الذين كانوا يشاهدونه من تحت شجرة كانت لهم آراء متباينة.

بعضهم امتدحه على حضوره، قائلين انها المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول رفيع قريتهم. آخرون قالوا انهم شعروا انه بعد سنوات من محادثات السلام الفاشلة والانتفاضتين فإن فياض هو القائد الوحيد الذي يمتلك خطة.

الا أن مهندسا محليا ذكر ان فياض يبيع الأوهام. وأضاف :"هذا مجرد تخدير للشعب. فالسلطة الفلسطينية ليست لها صلاحيات على الناس ولا على الأرض. فكيف نستطيع الحصول على دولة خلال عامين؟".

فياض قال انه ما يزال يواجه كثيرا من المتشككين. لكن المزاج العام آخذ في التحول.

وعندما سئل عما اذا كان قد أصبح رمزا للأمل أجاب :"بكل تواضع، اعتقد ذلك".