في سوريا: قرية لمرضى الجذام داخل مشفى

تاريخ النشر: 27 يونيو 2006 - 07:08 GMT

تحقيق: كمي الملحم و أوس عباس:

دخلنا إلى مصح الوليد في مدينة دوما، وفي بالنا أننا سندخل المكان الأحجية، ذلك ببساطة لأن أي من الناس في محيط ذلك المصح وجواره لا يعرفون عن المرضى المقيمين فيه، ولا عن نوع مرضهم سوى القليل من التكهنات:

أحد الجوار قال لنا أن المرضى المقيمون داخل المصح مصابون بإشعاعات نووية،وأن منهم من أصيب بتلك الإشعاعات في أعقاب رمي الولايات المتحدة لقنبلتيها الجليلتين على كل من هيروشيما وناكازاكي، مؤكداً لنا أننا سنكتشف فيما لو دخلنا، جالية يابانية مغمورة، لا تتعاطى السوشي الياباني، إنما أدوية من إنتاج معمل تاميكو في حلب.

سائق سيرفيس على خط (كراجات- عدرا) نفى تلك المعلومة، واستبدلها بأخرى، تقول أن المرضى في هذا المستشفى مصابون بالإيدز، إلا أن الدولة السورية التي تنكر وجود مرض الإيدز في بلادنا وضعتهم في مصح الوليد لكي تحجر عليهم وتبعدهم عن عيون المجتمع وألسنته.

• • رجل ثالث يعمل في ورشة تصليح سيارات بالقرب من المصح المذكور قال لنا:"لا نعرف عنهم شيئا إلا أن أشكالهم مخيفة والناس تتجنب الاقتراب منهم أو حتى النظر إليهم".

ما هي قصة مصح الوليد، ومن هم القاطنون فيه، ومنذ أية سنه هم يقيمون، وما هي ظروف إقامتهم، وهل هم سوريين أم أجانب، وما هو عددهم؟ يبدو أن علينا أن نعرف الأجوبة بمفردنا إذ لا أحد من الجوار يمتلك جوابا شافياً..

الجميع هنا مأكول:

على باب المصح استقبلتنا (منتهى)، وعلى اليمين منها حاوية لرمي القمامة يبدو أن أحدا لم يستخدمها، فأكوام القمامة كما هو واضح، تحيط بسور المشفى لتشكل سورا إضافيا يحجب المرضى المجهولين عن جيرانهم.

منتهى ليست متأكدة من عمرها، ولكنها متأكدة من ثلاثة أشياء لا لبس حولها:

الأول أنها تجاوزت الثمانين

والثاني أنها تحمل الجنسية اللبنانية

والثالث أن مصح الوليد هو سجنها الكبير الذي دخلت إليه منذ أكثر من ستين عاما بعد أن أصيبت بالجذام، و سوف لن تخرج منه سوى إلى المقبرة..

قادتنا منتهى إلى داخل المصح وعرفتنا على الكثيرين من المرضى زملائها في الجذام:

أبو حسن الذي لم يسبق وأن تزوج، وبالتالي ليس لديه أي حسن يرعاه أو يأتي لزيارته، وصف لنا المصح قائلا:

"هذا المصح مخصص لمرضى الجذام، وهو المصح الوحيد الموجود في سوريا المخصص لمعالجة هذا المرض.. أنا أقيم هنا منذ 41 سنه وهناك الكثيرون من مرضى الجذام يقيمون معي وهم من جنسيات مختلفة، هذا أكل المرض أنفه وذاك أكل المرض أصابع يديه أو قدميه وثالث بترت رجله من الخاصرة.. الجميع هنا مأكول، لا أحد سليم

- ومن هؤلاء الأطفال؟

هم أحفاد المرضى، أو أبنائهم.. داخل المصح هنالك أشياء عجيبة، فالكثير من المجذومين تزوجوا من نساء أصحاء، أو جلبوا زوجاتهم السابقات للإقامة معهم داخل المشفى، وأولئك أنجبوا أطفالا تزوجوا بدورهم وأنجبوا، وكما ترى أصبح لدينا قرية داخل المصح!

مخيم المجذومين:

في البداية ظننا أن الرجل يمزح، فمن المستحيل أن يتخيل المرء قرية تقبع داخل مستشفى إلا إذا كان المقصود بالقرية، تلك القرى الصحية التي من المستحيل أيضا أن تعثر على واحدة منها داخل هكذا مصح، خاصة وأن القمامة هي أول ما كان باستقبالنا على بابه. لكن ما أن تجاوزنا العشرين متر الأولى حتى بدا المشهد واضحاً:

تجمع سكني يذكرك بمخيم صبرا وشاتيلا، يفوق تعداد بيوته المئة بيت، ولكل بيت تصميمه الفريد، ونمط إنتاجه الخاص، وطريقته المبتكرة في إعالة أفراد العائلة التي تقطن تحت سقفه.. بعض هذه المنازل مسقوف بالخشب، وبعضها بألواح الزنك، و أخرى بالطين، ولن تعدم مشاهدة صحون الستالايت فوق بعض البيوت الميسورة التي تتفاوت قياساتها كبراً وصغراً، وفق الحالة المادية لسكان البيوت، ووفق جنسياتهم أيضا.. فأفقر الساكنين هم السوريين، ومن ثم يأتي بعدهم حاملي الجنسيات الأخرى: اللبنانيون والقطريون والباكستان والأفغان.

بهلول الوليد:

أبو حمزة الحانق جداً على التفاوت الطبقي هذا، بين المرضى من الجنسيات المختلفة يقول لنا:

"وزارة الصحة تصرف لنا مبلغاً شهرياً مقداره 1785 ليرة سورية (حوالي 33 دولار أمريكي) أما اللبنانيون فهم يأخذون علاوة على ذلك معونات من الحكومة اللبنانية قدرها 2000 ليرة لبنانية يوميا (حوالي الدولار) وكذلك يأخذ المرضى من الجنسيات الأخرى من حكوماتهم.. هم يعيشون أغنى منا بالرغم من أننا أهل البلد ونحن أحق بعيشة كريمة داخل مصحنا".

أما أبو إبراهيم (المستشار السياسي لمرضى المصح كما سماه لنا أحدهم) فلديه نظرية أخرى:

"الوضع هنا خراء بخراء و.. أخت الحكومة.. وأخت أكبر مدير..".

ولا يتوقف أبو إبراهيم عن رمي الشتائم لجميع مسئولي الأرض ومدراء المشافي ووزراء الصحة، السابقين منهم واللاحقين، كذلك للصحافة والصحفيين والمصورين ولـ (جماعة التلفزيون)، لنكتشف لاحقا أن أبو ابراهيم هو مجنون الحي، أو بهلوله بمعنى أدق، وهو الرجل الذي عليك أن تأخذ الحكمة من فمه طالما أنه الوحيد الذي يتجرأ على النطق بها..

على العكس من أبو ابراهيم كان أبو عماد يحافظ على لباقة، لم تكسرها الأربعون عاما التي قضاها داخل هذا المجمع السكني برجل مبتورة وأصابع أكلها الجذام، وتشوهات في الوجه وبقية أنحاء الجسم.

يروي أبو عماد حالة المصح بعد أن يسدي إلينا النصح بألا ننقل كلام أبو ابراهيم "غير المسئول" كونه يتضمن ألفاظا بذيئة ستضر بنا وبمرض المصح و يتابع:

"هنالك إهمال كثير في هذا المصح، فالآن أصبح هنالك أكثر من ستين عائلة، الأب أو الأم فيهم مصابون بالجذام، هذا عدا عن المرضى غير المتزوجين، وعن عائلات أبناء المرضى الذين ولدوا وترعرعوا داخل المشفى، وعن عائلات أخرى اشترت بيوتاً لها داخل المشفى أو استأجرتها من أحد المرضى. وكذلك عائلات عمرت بيوتاً مخالفة في حديقة المشفى، لأن الأرض هنا كبيرة تفوق ال25 دونم.. وهي ببلاش.. من أملاك الدولة.. والوضع كما ترى من سيء لأسوأ.. لا يوجد هنا صرف صحي فالجميع يحفر جوراً صحية بالقرب من منزله بحيث أصبح المصح بؤرة أمراض وأوبئة وقذارة..وضع المشفى أسوأ من وضع مناطق السكن العشوائي، فعلى الأقل هناك تجد إنارة في الليل، وتجد شوارع معبدة.. هنا أغرق بالوحل قبل أن أصل لبيتي في الشتاء"..

أبو عماد لديه ثمانية أطفال يعملون بمهن مختلفة.. بعضهم تعلم إلى الصف التاسع وبعضهم اكتسب مهنة يعيش منها، وهو سعيد لأن أولاده تمكنوا من الاستقلال عنه والسكن في دوما البلد خارج هذا المصح.

أنا هي التاريخ..

قصص كثيرة سمعناها من مرضى المصح، بعضها تسمعه من مصاب بالجذام يروي قصة حياته وبعضها من مريض يروي قصة مريض آخر، وكيف أصيب وكيف نقلت إليه العدوى، وما هي الأدوية التي أخذها.. وجميع المرضى يشتركون بالمصائب نفسها، لا بمصائب الجذام وحسب، إنما بمصيبة كونهم يعيشون خارج التاريخ أيضا، حتى أن إحدى النساء التي تقيم هنا منذ الخمسينات قالت لنا حينما سألناها عن تاريخ المشفى، بلغة بونابرتية:

"لا تاريخ هنا.. أنا هي التاريخ"

الدكتور طارق الغبرة المدير الحالي للمصح، عين مديراً للمشفى منذ ثلاثة شهور فقط وهو يقول:

"مصح الوليد، سمي تيمناً بالوليد بن عبد الملك، الخليقة الأموي الذي أنشأ أول مجذمة في الإسلام، ويوجد الآن 55 مريض و33 مريضة يقيمون مع عائلاتهم داخل المصح، منهم تقريبا 40 رجل و20 امرأة متزوجون.. في الماضي كان هذا المرض معدي لذلك كان لا بد من الحجر على المجذومين، أما الآن فقد بات بوسعنا السيطرة على المرض، وبات علاجه سهلاً، ولذلك توقفنا عن استقبال المرضى منذ نحو خمسة أعوام..وهنالك ثلاثة أطباء في المصح وحوالي العشرين موظف، طبيبان للأمراض الجلدية وطبيب أسنان..المصح تأسس على يد الفرنسيين في عام 1936 ومن ثم أشرفت عليه راهبات مسيحيات عام 1948بعد خروج فرنسا من بلادنا، إلى أن ألحق بمديرية الصحة في ريف دمشق في عام 1953..ووزارة الصحة اليوم هي من تتكفل بصرف المعونات والأدوية للمرضى، وكذلك يتلقى المرضى غير السوريين معونات من حكومات دولهم إضافة إلى المعونات المقدمة من الحكومة السورية.."

الدكتور طارق الغبرة كان قد استلم إدارة المشفى بعد إحالة المدير السابق د. نبيل البزرة إلى التقاعد (وقد تجاوز الستين)، والأخير كان قد استلم إدارة المشفى منذ عام الثمانين.

على أيام فرنسا!

المشكلة الأكبر لدى مرضى المصح هي مشكلة قديمة، تأسست بفعل القانون الفرنسي القديم الذي كان يعتبر المرأة هي المسئولة عن إعالة أسرتها لا الرجل، وبالتالي، فإن مرضى الجذام الذكور يتقاضون بدلاً نقديا (1785ليرة سورية) عن أنفسهم فقط دون أطفالهم ونسائهم، فيما تتلقى النساء المصابات، بدلاً نقدياً عنها، وعن زوجها، وعن كل من أطفالها دون السن القانوني..و بسبب هذا القانون بالذات يريد نضال الحسين أن يحرق نفسه زوجته وأطفاله عند أول لتر مازوت سيلتقي به في حياته:

"والله ما معي حق قلم رصاص جيبو لإبني.. شوف كيف أصابيعي رايحين.. ما بقدر حك جسمي..كيف بدك ياني اشتغل؟ ثلاثة أيام ما دخل الخبز لبيتي وولادي ميتين من البرد وما في مازوت.. والله بدي احرقهن كلهن واقتل حالي واخلص.."

بيت نضال الحسين هو البيت الأمثل لاستدعاء البكاء، فالرجل الذي شوه المرض ملامحه، وذهب بأصابعه، ينام وزوجته وطفليه في مساحة لا تتعدى الستة أمتار مربعة، تشغل جزءاً من هذه المساحة امرأة لا تقوى على النهوض بفعل مرض الديسك. وفي جزء آخر هنالك أواني للطبخ موضوعة في رف يعلو المرحاض تماماً.

يعيش نضال على هذا مبلغ الـ 1785 والمطلوب من عائلته أن تأكل وتشرب وتتدفأ وتتعلم وتلبس بهذا الرقم!

مئات الشكاوى والكتب والعرائض رفعت إلى مديرية الصحة ووزارة الصحة من أجل تعديل هذا القانون ليتضمن البدل التقدي عائلة المصاب والمصابة بالجذام على حد سواء، كذلك طالب المرضى برفع البدل النقدي الذي يتقاضوه طالما أن هذا البدل مقوم بأسعار الثمانينات لا بأسعار اليوم ومن المفروض زيادته بمعدل زيادة الأسعار.

لكن لا أحد يجيب كما يقول السيد نضال وغيره من مرضى المصح، والكثير من المرضى يحيلون ذلك إلى إهمال الإدارة السابقة وعرقلتها تحقيق مطالبهم حتى أن أحدهم قال:

"كان المدير السابق للمشفى يعاملنا كأننا أعداء له.. هو يدير المشفى منذ الثمانينات ويحاول تعطيل كل مطالبنا وعدم تحقيقها.. وطوال فترة إدارته لم يزرنا وزير الصحة، أي منذ أكثر من 25 سنة! الوزير دار على كل مشافي القطر وزار مشفى ابن سينا القريب من مصح الوليد إلا أنه لم يدخل المصح ابداً..هناك مرسوم جمهوري صدر سنة 2001 ليعدل صرف مستحقاتنا إلى مبلغ 3800 ليرة سورية إلى أن مديرية الصحة لا تطبقه وما زالوا يعطوننا المبلغ السابق..وبالرغم من كل إهمالات المدير السابق إلا أنه لم يتعرض لأية مسائلة ولم يترك إدارة المشفى إلا بسبب إحالته على التقاعد.. وهنالك عشرون موظفاً في المشفى لا يقومون بأي عمل..".

من الذي يكذب؟

المدير السابق للمشفى د. نبيل البزرة يقول:

"كان المرضى سابقا يأخذون مخصصاتهم من الطعام واللباس والمحروقات بشكل عيني، ومن ثم يلجأ بعضهم إلى بيعها مما حوّل المصح إلى ما يشبه السوق. لذلك اجتمعنا سنه 1984 لنحدد بدلا نقدياً نعطيه للمرضى ليشتروا حاجاتهم بأنفسهم ومن قدر المبلغ كانوا من وزارة المالية ووزارة الصحة، ثم تمَّ استصدار قرار من السيد رئيس الجمهورية للصرف النقدي حسب الأنظمة المرعية وقد كان من المفروض أن نجتمع بشكل دوري فيما بعد لنقيم الزيادة في البدل المترتبة على الزيادة في الأسعار إلا أننا لم نعد نجتمع منذ ذلك التاريخ.. وهذه لم تكن مسؤوليتي.. أما بالنسبة لما يقولونه حول وضعهم الصحي فأنا أقول لك:

"مشكلة المشفى هي مشكلة اجتماعية وليست صحية، فالمصابون بالجذام جميعهم يتعرضون لفحوصات دورية وقد تمت السيطرة على المرض ولم يعد قادراً على الانتشار في أجسامهم.. ومع ذلك هم ما زالوا مقيمين في المشفى ويتقاضون معونات ويعيشون كعالة .. المرضى لجوجين ويريدون دائما المزيد.. بعضهم يحصل على أموال أضعاف راتبي الذي أتقاضاه فكل واحد منهم يأخذ1800 ليرة ويريد المزيد.. ومن ثم لو كان هنالك مرسوم يقضي بزيادة المبلغ إلى 3800 ليرة سورية، لماذا سأعرقل لهم قبض المبلغ؟!"

المدير السابق للمشفى يقول للثرى أيضا أن من عادات مرضى الجذام الكذب، وهم يكذبون دوما و"بيتمسكنوا" لأتهم يشعرون أن المجتمع ينبذهم، ولا بد من إتباع هكذا طرق كي يحصلوا على ما يريدون!

وحين سألناه عن الشكاوى والكتب التي كان المرضى يرفعونها للمديرية عن طريقه قال:

"لا أحد منا يود أن يلقي المسؤولية على كاهله، لذلك كنت أرفعها مباشرة إلى السيد مدير الصحة الذي يرفعها بدوره إلى الوزير.. اسألوا السيد المدير أو السيد الوزير عن الموضوع فأنا أقوم بواجبي".

المدير الجديد د. طارق الغبرة، يتفق مع المدير السابق في كون مشكلة المشفى اجتماعية أكثر مما هي صحية، وكذلك يتفق مع المرضى في توصيف حالة المصح الخدمية ومعاناتهم المعيشية ويقول:

"مشكلة المشفى من الصعب حلها على الإدارة بمفردها، الآن هنالك فقط طبيبان في المصح.. أنا و طبيب الأسنان، ونجري فحوصات للمرضى كل ستة أشهر، أما بالنسبة للدواء، فنحن نوزعه عليهم كل يوم أربعاء، حتى إذا لم يكونوا محتاجين.. وهذا بالطبع هدر..نحن لا نعطيهم أدوية تضرهم بل أدوية للاستطباب المنزلي، كأدوية الحروق والجروح واللواصق الطبية والشاش الخ.. ولكن لنكن صريحين: بعض المرضى أساؤوا للمصح لذلك لا المديرية ولا الوزارة يتجاوبون معهم..بالتأكيد ليس الجميع وإنما البعض، فهنالك من المرضى من حالته المادية جيدة وهنالك منهم من يحتاج فعلا إلى المساعدة..على كل حال نحن نقدم طلبات كثيرة إلى بلدية دوما وإلى المديرية بشأن تحسين وضع المصح و90 بالمئة من هذه الطلبات لا يرد عليها."

دجاج ودعارة:

مدير المصح يقول لنا أن الحالة المادية لأغلب المرضى جيدة وكذلك يقول المدير السابق للمصح، ولكن من المشروع أن نسأل: كيف أصبحت حالتهم جيدة؟ هل من مبلغ الـ1785 المقدم لعائلاتهم (طبعا إذا كانت المصابة امرأة وليس رجلا)؟ أم أنهم يعملون كما يقول لنا المدير الحالي أعمالا تكسبهم رزقا؟ وما هي تلك الأعمال التي يخبرنا عنها موظفو المصح والتي ستجعل من مريض جذام لا يملك على الأغلب يداً أو قدماً أو أصابع، أكثر ثراء من الطبيب المشرف عليه؟

ليس الجواب صعبا فما أن تدخل أحياء المشفى وتستمع إلى المرضى حتى يقولون لك دونما تردد:

- جميع الأطفال داخل المصح يعملون أجراء أو متسولين بالإضافة إلى كونهم طلاب مدارس (وبعضهم تسرب من التعليم).

- أغلب البيوت داخل المصح تحولت إلى مداجن في كل منها ما يزيد عن الألف صوص، ستكبر بالتأكيد غدا لتصبح دجاجاً، والدجاج سيصبح بيضا ولحماً، والبيض واللحم يعني النقود.

- بعض البيوت تحولت إلى شقق للإيجار يستأجرها العساكر أو عابري السبيل.

- هناك بيوت دعارة (قصة مثيرة: بيت للدعارة في داخل مشفى) تؤجر بنات للمتعة ويأتيها زوار من خارج المشفى

ومن داخله أيضا ليشتروا قليلاً من اللذة بقليل من النقود..

ومهن أخرى يمارسها أهل المصح، كجمع الحطب أو العتالة، أو جمع النفايات لإعادة تدويرها، أو التسول على باب المصح نفسه أو الذهاب إلى الجمعيات الخيرية (وهذه مهنة أيضا) لاستجداء القليل من الطعام أو اللباس... وكل هذا الكم من المهن المحترمة لن يمنعك من أن تجد طالب هندسة أو طالبة علم نفس، وموظف في أحد دوائر الدولة، هم أولاد لمرضى مجذومين.

في مصح الوليد، بوسعك أن تتحسس أنفك أو أصابع قدميك بغامر السعادة... بوسعك أيضا أن تبكي دون أن تخجل من بكاءك، إذ لا أحد هناك لا يثير فيك تلك الرغبة... في مصح الوليد، الذي يصلح كمادة روائية تتجاوز واقعية ماركيز السحرية، ستجد في ساحة المصح طفلاً اسمه علي، وعلي سيقول لك:

توقف عن تصويري، فأنا لست مريضاً... أبي هو المريض.