قلق وترقب وكوابيس تقض المضاجع ليل الأغوار وصيف الاحتلال

تاريخ النشر: 03 سبتمبر 2009 - 11:19 GMT

تقرير عاطف أبو الرب / فلسطين/ جنين

 أيامهم ليست كأيام بني البشر، وطبعاً ليلهم مختلف جداً عن ذلك الذي يعيشه الآخرون، فهم سكان الأغوار الشمالية، فلا بد أن يتميز ليلهم ونهارهم عمن سواهم.

نهارهم كد وشقاء وعناء لا يبدده النوم، فنومهم كوابيس تطاردهم طوال الليل، الذي يطول ويطول ويكاد لا ينتهي. هذا النهار الذي يبدأ حتى قبل طلوع الشمس يتخلله الكثير من متاعب الحياة، أما الليل فلا يكاد ينقشع ظلامه إلا وقد عصفت بأذهان سكان المضارب الكثير من ممارسات الاحتلال، وعاشوا سناريوهات الألم الذي يتربص بهم الطرقات بفعل الاحتلال.

هنا لن نتحدث كثيراً في وصف ما يكابده هؤلاء البشر من معاناة، بل سندخل معاً في تفاصيل ليل عاشته إحدى عائلات خربة المالح في الأغوار الشمالية خلال الصيف الحالي. فهذه الأسرة تشكل أنموذجاً يجسد حياة الناس في منطقة يتهددها التهجير، ويلاحقها كابوس الطرد.

أبو محمد يرابط عند مدخل خربة المالح مع زوجته في خيمة لا تقيهم حر الصيف، ولا ترد عنهم مطر السماء. أبو محمد اختار قبل سنوات خلت هذا الموقع اعتقاداً منه بأن قربه من الشارع الرئيسي يشكل ميزة له ولأسرته، لكنه سرعان ما اكتشف عكس. حيث تبين لأبي محمد أن موقع بيته جلب له الكثير من المتاعب، فما أن يقوم جيش الاحتلال بنشاط في المالح، فيكون أبو محمد الضحية الأولى، وما أن يقوم الجيش بتمارين وتدريبات حتى يكون أبو محمد وبيته حقل للرماية، وساحة للتدريب، هكذا تحولت حياة أبو محمد وأسرته لجحيم لا يطاق.

ليلة واحدة عاشتها العائلة تكشف تفاصيل لا يعرفها الناس عن حياة المالح في ظل احتلال لا يراعي حرمة ولا يرحم كبيراً أو صغيراً. تلك واحدة من مسلسل متكامل من المعاناة التي يتجرعها الناس هناك.

غابت الشمس باكراً في أحد أيام حزيران، وبدأ الرعاة بالعودة لبيوتهم وخيامهم حتى لا يتعرضون للعقاب على أيدي جنود الاحتلال، وحتى يبتعدون عن أي مسائلة من قبل الاحتلال ومؤسساته. أبو محمد اطمأن بعد أن أغلق " صيرة" حظيرة المواشي، وتأكد من وجو أبنائه وزوجته داخل الخيمة. وقد صلى العشاء، وتناول مع أسرته ما تيسر من طعام.

أم محمد أخذت على عاتقها فرش أرضية الخيمة بما يتوفر لديها من فراش، استعداداً للنوم. لم تنتهي أم محمد من واجبها بعد، حتى بدأت أصوات مكبرات الصوت توقظ من النائمين. أصوات ليست غريبة عن سكان الأغوار عامة، وعن سكان المالح خاصة، أنها أصوات جنود الاحتلال، صحيح أن الكلام غير واضح وغير مفهوم لكنه حتماً ينذر بشؤم ينتظر الخربة وسكانها. استنفر الجميع، وتوقفت ام محمد عن فرش خيمتها، وأطرقت أذنيها، كما البقية، علها تسمع ما الذي يقال وما الذي يطلبه الجنود.

لحظات قليلة مرت حتى تأكد الجميع مما يقال، إن الجنود يطالبون الأهالي بمغادرة المنطقة، إن جيش الاحتلال يعلن أن المالح منطقة عسكرية مغلقة، وأن الجيش سيقوم بتدريبات عسكرية في الخربة، وعليه فإن على الجميع مغادرة المنطقة. بدأ الصوت يقترب، وبدأت أصوات محركات السيارات تتداخل مع صوت المنادي، الذي كان يتكلم العربية بصعوبة.

العائلة استنفرت بشكل غير عادي، أبو محمد بدا مضطرباً غير قادر على اتخاذ قرار، ففي مثل هذه الحالات يفقد المرء قدرته على التفكير الصحيح، حيث يسيطر الإرباك على عقول البشر. أبو محمد والأولاد وكذلك والدتهم أخذوا يتحركون في محيط الخيمة التي لا تكاد تتسع لهم وقوفاً، ولكن هذا حالهم بفعل خطورة الموقف.

الوقت يمر بسرعة، والسيارات تقترب من المكان، الجنود انتشروا كما لو أنهم في مهمة قتالية. العائلة بدورها بدأت تتحرك لتدبر أمرها، علها تخرج من هذه الأزمة بأقل الأضرار.

لم يمر وقت طويل حتى بدأ الجنود يدخلون البيوت ويأمروا الناس بمغادرة المكان بسرعة، ولم يعطي الجنود الأهالي فرصة للحديث أو الاعتراض على قرار الجيش. طوال الوقت كان الجنود يصيحون على الناس لإجبارهم على مغادرة المكان، وقد بدأ أهالي الخربة عامة، وعائلة أبو محمد خاصة العمل لمغادرة الموقع.

بدأ أبو محمد يصدر تعليماته للأولاد لتدبر الأمر، صحيح أن الخيارات أمام العائلة محدودة جداً، ولكن لا بد من بحث سريع في سبل إدارة هذه الأزمة. " واحد يطلع الغنم، والثاني يتابع البهم" الخراف"، وأنت يا مرة بسرعة لم الأغراض وأرفعيها على التراكتور...." توقف أبو محمد ثم أعاد توزيع الأدوار بعد أن تذكر أن هناك أمور لا بد من مراعاتها، فلا بد من بعض الطعام، ولا بد من علف للأغنام والمواشي، وأكيد هناك ضرورة لوجود ولو قسط يسير من الماء. أبو محمد لم يعد قادر على توزيع المهام، والكل صار غير مدرك حقيقة ما طلب منه، فقد تعددت الطلبات حتى لم يعد أحد منهم يدرك ما طلب منه.

الجنود يصيحون والعائلة بدأت تغادر المكان، والكل يحاول أن يتأكد بأنه قد قام بكل ما طلب منه، وانطلقت العائلة مع قطيع المواشي، التراكتور يجر خلفه عربة على ظهرها بعض الخراف الصغيرة وأم محمد، التي أوكل إليها الاهتمام بالخراف. وواصل الجميع مسيرهم باتجاه الشرق بعيداً عن منطقة الحظر التي أعلنها الجيش. وكلما شعر أبو محمد أنه ابتعد عن المكان، يصله صوت الجيش عبر مكبرات الصوت ليشعر بأنه لا زال في منطقة الحظر.

وبعد أن قطعت العائلة مسافة تزيد على 3 كيلو متر، بدأ أبو محمد يفكر في المكان الذي سيحل به، ولو بشكل مؤقت. وطلب من الجميع النزول في المكان، واليقظة حتى لا تهرب المواشي والخراف، وقال لهم بأن عليهم الانتظار حتى الصباح بدون نوم، وبعد ذلك سيقومون بنصب خيمهم في مكان يتلاءم مع خصوصية العائلة، ويراعي خصوصية الآخرين في المكان.

وقبل أن يأخذ الناس قسطا ًمن الراحة، تغيرت العبارات التي يصدرها الجنود عبر مكبرات الصوت، حيث بدأ المنادي يدعوا الناس للعودة لبيوتهم. في البداية لم يصدق الأهالي ما يسمعون، ولكن بعد تكرار النداءات التي تدعوا الجميع للعودة، توقف الجميع عن تهيئة المكان، ورغم ما أصابهم من إرهاق، إلا أن النشاط قد دب فيهم من جديد، وأعادوا كل الأغراض للعربة التي يجرها التراكتور، استعداداً للعودة.

ومع بزوغ شمس اليوم التالي وصلت العائلة لبيتها الأصلي على مدخل خربة المالح، وقد بدا التعب والشقاء واضحاً على محياة الجميع. ونظراً لخصوصية الحياة في هذا المكان، فقد بدأ الجميع العمل كل حسب ما هو مطلوب منه. وقد واصلت العائلة يومها بشكل اعتيادي دون أن يتمكن أحد من النوم.

هكذا قضت عائلة أبو محمد ليلها الطويل، فيما عاشت عائلات أخرى نفس الظروف. والغريب في الأمر أن السبب وراء ما جرى كان مجرد تدريبات عسكرية روتينية في الأغوار، هذه التدريبات التي تجري باستمرار في الأغوار، حيث يتجرع الناس هناك صنوفاً من العذاب.