قوات الأسد تتحرك إلى درعا

تاريخ النشر: 03 يونيو 2020 - 06:43 GMT
قام الإيرانيون بإنشاء اللواء العسكري الشيعي 313 برئاسة إبراهيم مرجي
قام الإيرانيون بإنشاء اللواء العسكري الشيعي 313 برئاسة إبراهيم مرجي

بسام بربندي

في أوائل شهر مايو الماضي دفع نظام الأسد بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو مدينة درعا مع أنباء متواترة عن اقتراب شن عملية عسكرية في المحافظة بدعم إيراني. وردا على ذلك، شهدت مدينة درعا انطلاق انتفاضة جديدة حيث خرج العشرات من الأهالي للاحتجاج على تحشيد قوات النظام السوري على أطرافها. وتشير الأحداث إلى أن المليشيات الإيرانية والأخرى الطائفية التي تتبعها، ستواجه بمقاومة عنيفة، داعية "الضامن الروسي" إلى تحمل مسؤولياته.

ويحدث هذا التصعيد قبيل أن تكمل اتفاقية المحافظة الجنوبية عامها الثاني في ظل اتفاق "التسوية"، الذي جرى توقيعها بين القوى المحلية وقاعدة "حميميم" الروسية، في شهر يونيو عام 2018، بهدف إيقاف العمليات العسكرية التي قادتها موسكو على المحافظة السورية جنوبا، واستمرت لأكثر من شهر ونصف الشهر.

ويذكر أن قوات النظام السوري مدعومة بالقوات الروسية وبموافقة أميركية قد تمكنت من إنهاء العمليات القتالية في كامل الجنوب السوري يوم 31 يوليو 2018.

وبرعاية وضمانه روسية رسمية، توصل الأهالي والنظام إلى اتفاق يحمل الكثير من البنود منها إطلاق سراح المعتقلين وتسوية أوضاع المطلوبين لأجهزة الأمن وتسهيل عودة النازحين واللاجئين والعودة التدريجية للحياة ومؤسسات الحكومة المدنية من مدارس ومستشفيات وخدمات وبشكل فيه شيء من اللامركزية. كما أرسلت روسيا العشرات من الشرطة العسكرية كنقاط مراقبة لضمان تنفيذ الاتفاق.

 والآن بعد عامين من الاتفاق، يسعى النظام إلى التنصل من جميع الاتفاقيات التي تتعلق بجنوب سوريا ويحاول استعادة محافظة درعا بالقوة. ولم يقدم أي بادرة حسن نية لأهالي الجنوب. لم يبن مدرسة أو يوصل خطوط الكهرباء أو يفرج عن المعتقلين أو يطمئن النازحين إلى إمكانية عودتهم بسلامة، بل على العكس عمل على تجاهل كل ما تم الاتفاق عليه، وأرسل إشارات واضحة للسكان المحليين وأصبح من الأخبار اليومية العادية سماع عملية اغتيال بين قادة المعارضة وممثلي النظام وخطف متبادل لإطلاق سراح معتقلين وفلتان أمنى وأصبحت قوات النظام عصابات تعمل وتنافس بعضها ضد المدنيين.

بصرف النظر عن الفشل التام في الالتزام باتفاقية 2018، ترجع الحملة العسكرية التي يشنها النظام السوري على مدينة درعا إلى عدة أسباب منها خشية النظام من أن تصبح درعا نواة لاستمرار الثورة السورية التي بدأت في عام 2011، ورغبته في استغلال معركة درعا كورقة لكسب الوقت بعد إخفاقه في الملف الاقتصادي.

يخشى أيضا النظام من أهل محافظة درعا كون المجتمع متماسك وعنيد ولديه نزعة استقلالية عن النظام وظهر فيه قيادات جديدة محلية لها تأثير واحترام ومختلفة جذريا عن النماذج العسكرية التي كانت موجودة في درعا قبل استيلاء النظام عليها. 

ومن ثم، يمكن أن تكون درعا نواة لاستمرار الثورة ضد النظام وهذا ما يشكل تهديدا جديا لروسيا وإيران والنظام إذا ما استمرت هذه الحركة. لذلك، اعتبر النظام أن مدة الاتفاق الزمنية انتهت وأن كل درعا يجب أن تعود إلى سلطة النظام بدون شروط وبدون أي اعتبار للضمانات الروسية.

ومع تفشى وباء كورونا وضعف الاقتصاد وظهور متطلبات اجتماعية واقتصادية وخدماتية ما بعد "الانتصار" والتي لا يستطيع النظام دفعها ولا يريد مناقشتها، فإن معركة في درعا بالنسبة للنظام ستكون ضرورة لكسب الوقت وتأجيل مستحقات الانتصار للطبقة الموالية للنظام وسحب النظام للجيش الذي أصبح عاطلا عن العمل من إدلب إلى درعا. ومن ثم، أدرك السكان المحليون أن النظام لم ولن يتغير وقاموا بردعه وإيقاف تصرفاته غير القانونية وغير أخلاقية وأحيانا بقوة السلاح.

لعبت روسيا، التي لم تستطع الحفاظ على تعهداتها بما في ذلك الاتفاق الذي حدث بين السكان المحليين والنظام تحت رعايتها، دورا كبيرا في تحفيز النظام السوري على مهاجمة درعا، فبعد فشل جميع المفاوضات بين الطرفين، ظهر الروس بموقف المتفرج الذي لا يعرف ماذا يفعل ولا كيف يحمي تعهداته، لكنهم عرضوا على أهل درعا الانضمام للمجموعات الروسية المسلحة والانتقال إلى ليبيا للقتال هناك أو للانتقال إلى منطقة السويداء لقتال الدواعش هناك.

 من دون أي التزام واضح بالاتفاقية، يعتقد النظام أن الاتفاقية التي توسطت فيها روسيا قد انتهت صلاحيتها معتبرا أن مدة الاتفاق الزمنية انتهت وأن كل درعا يجب أن تعود إلى سلطة النظام بدون شروط وبدون تدخل روسيا إلا لمساندته عسكريا. 

الجانب الروسي دائما ما يوازن تصرفاته بين دعم النظام والمحاولة دون الغرق في المستنقع السوري. وهذا دائما يعطي النظام مساحة أوسع للعمل ضد ما يريده الروس، الذين لا يهتمون كثيرا بما يقوم به النظام داخليا خصوصا إذا كان هذ التدخل ولا يؤثر على الاستراتيجية الروسية تجاه سوريا ومصالحها.

تمثل منطقة الجنوب تمثل أهمية استراتيجية كبرى للحليف الإيراني الذي يسعى لإيجاد موطئ قدم له بالقرب من الحدود مع إسرائيل وهو ما يمنح إيران ورقة ضغط في حال تعرضها لحملة عسكرية أميركية إسرائيلية.

تصرفت إيران أيضا كلاعب رئيسي في تحفيز النظام السوري على مهاجمة درعا، فالموقف الإيراني ينطلق من أن اتفاق أستانا يمثل حجر الزاوية للتعاون الروسي الإيراني التركي لإنهاء الأزمة السورية بطريقة تحفظ مصالح هذه الدول. ومن هذا المنطلق فإن روسيا وافقت على إعطاء تركيا ضمانات على الأرض لضمان أمنها وتحقيق أهدافها في سوريا في منطقتي شرق الفرات وإدلب، وبالتالي ترى إيران أن على روسيا أن تعطيها نفس الحقوق الأمنية والاستراتيجية في المنطقة الجنوبية في سوريا (جنوب دمشق حتى حدود مع إسرائيل) وذلك لمواجهة أي تصعيد أميركي إسرائيلي عسكري ضد إيران ولتقوية موقف إيران في أي محادثات قادمة بخصوص الملفات العالقة مع الغرب.

وكلما زادت الضغوط الدولية على إيران واستمرت الضربات الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية داخل سوريا، كلما ازداد إصرار إيران على تكثيف وجودها على الحدود مع إسرائيل وبالتالي إلغاء الاتفاق الذي رعته روسيا بين السكان المحليين والنظام وضرورة وقف ما تعتبره إيران حالة الفوضى في الجنوب. ودائما ما يبرر النظام السوري تصرفات إيران بادعائه أنها تحارب الإرهاب.

 بالنسبة لإيران، فهي لم تضيع أي وقت لبناء قوات حليفة لها تحت عدة مسميات ووسعت قواعدها العسكرية في هذه المنطقة القريبة من إسرائيل ولم تبال أو تهتم بما يقولوه أو يقوم به الروس من اتفاقات مع الإسرائيليين والأميركيين، وذلك وفقا لمبدأ "إذا أنتم لا تستطيعون حمايتنا من الإسرائيليين فاتركونا نحاربهم وحدنا". 

ولهذا السبب قام الإيرانيون بإنشاء اللواء العسكري الشيعي 313 برئاسة إبراهيم مرجي ومقره في "أزرع" والذي يتألف مما يقارب 1200 مقاتل، ومرتبط بالحرس الثوري الإيراني ومهمته حماية مصالح إيران بالمنطقة بما فيها مخازن الأسلحة الاستراتيجية في المنطقة الجنوبية. 

ومن ثم، فإن التهدئة في الجنوب لا تصب في مصلحة إيران التي تسعى إلى بسط سيطرتها على الحدود الجنوبية لتهديد إسرائيل والاحتفاظ بورقة ضغط تساهم في تخفيف الحصار الاقتصادي والسياسي المفروض عليها من قبل الغرب.

في النهاية، يبدو أن الحرب التي قد يشنها النظام ضد أهالي درعا قادمة وهي ضرورة للنظام وللقوى الأخرى على الساحة السورية، وكل له أسبابه المختلفة وهذا الاختلاف هو الذي سيحدد المدى الذي ستأخذه شكل هذه الحرب الجديدة ومداها الذي قد يكون محدودا لمنع حدوث حركة نزوح جديد للأردن تُظهر فشل الروس والنظام وإيران في كل ما ادعوه من سيطرة على درعا.

وفى ظل تفشى وباء كورونا يتوجب على جميع الأطراف الفاعلة في المجال السوري أن تتوقف عن لغة الحرب والالتزام بتعهداتهم المتعلقة بالجنوب السوري، فالتصعيد المستمر ضد المناطق الجنوبية سينتج عنه تهديدا لأمن الدول المجاورة خاصة الأردن وإسرائيل، والتي قد تتدخل لحماية أمنها وحدودها وهو ما قد يعيد الأزمة السورية إلى نقطة الصفر.