كم من تونس في تونس

منشور 29 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2018 - 05:13
كم من تونس في تونس
كم من تونس في تونس

تونس اليوم تبدو غريبة على جانب كبير من أهلها، بل هناك أكثر من تونس داخل تونس: تونس الداعمة للتحالف العربي ضد الإرهاب، وتونس المنخرطة في المشروع القطري التركي الإخواني، وتونس المتعاطفة مع إيران والباكية على الحوثيين، وتونس التي لا يهمّها إلا خبز يومها وهي تعاني تبعات الأزمة الاقتصادية الخانقة وتخشى أن تهتز من جديد لعواصف الشتاءات السابقة التي طالما كانت وراء تفجير الثورات والانتفاضات الشعبية.

تونس اليوم لم تعد تلك الدولة ذات القرار المركزي الجامع، وذات الإعلام الحكومي الموجه للرأي العام وفق توجهات السلطة الحاكمة، ولم يعد فيها من يستطيع أن يقنع عموم الشعب بمفاهيم عدة كالعلاقات التقليدية والمصالح الاستراتيجية والرؤية الاستشرافية، بل مفهوم الدولة ذاته أصبح محل جدل عادة ما يكون صاخبا، حتى أن الرئيس الباجي قائد السبسي لا ينسى في كل مناسبة أن يقول لمحاوريه بأن لديه مفهوم الدولة بمعنى أن هناك من لم يستوعب هذا المفهوم، أو من لا يريد استيعابه.

هناك في تونس، من يشكك في عروبتها وإسلامها، هناك من لا يراها إلا في ولاية من ولايات مشروع الخلافة المزعوم، ومن يدّعي أنها ما كانت لتحافظ على إسلامها لولا الاحتلال العثماني، بل وهناك من يعتقد أن بإمكانه اقتلاعها من موقعها في شمال أفريقيا ونقلها إلى جغرافيا أخرى، ومن يريد أن يدفع بها إلى حروب لا تهمّها ولا تعني لها شيئا، ومن يعمل على أن يجعل منها خزّانا للمقاتلين في سبيل مشروع الأخونة الذي جاء بعواصف ما يسمّى بالربيع العربي.

المشكلة أن مصلحة تونس هي التي باتت محل تجاذبات حزبية وأيديولوجية وسياسية، وحتى جهوية وقبلية، كما بات هناك من يرى أن مصلحة الحزب أو الفكرة أو الأسرة أو الفرد فوق مصلحة الوطن، وهناك من يرى أن وطنا لا ينبني على أسسه العقائدية ليس وطنا، وأن شعبا لا يتبعه كالقطيع ليس شعبا، وأن مصلحة البلاد ليست مهمة، إن لم تصبّ في مصلحته الشخصية.

تونس اليوم لا تنتج ما يكفيها، ولا تفلح في استقطاب الاستثمارات، ولا تسمح لها التجاذبات العاصفة بقرارها السياسي بأن ترتبط بعلاقات جدية مع حلفاء فاعلين وقادرين على مساعدتها، ومع ذلك فالجميع يشكو ويحتج وينادي بوضع اقتصادي أفضل لم يعد يتحقق، وإن تحقق بعضه فبالديون التي تتراكم، وبالخضوع المذلّ للمؤسسات المالية الدولية. وتونس اليوم أضحت مُحرجة لسلطاتها الرسمية ومخيفة حتى لضيوفها، نتيجة خطاب التجييش الذي بات سائدا فيها ولثقافة التدافع التي تم تكريسها على أسس أيديولوجية تجاوزها الزمن، ولعجز الدولة عن التحكم في أدواتها الإعلامية التي كان من المفروض أن تحسب حسابا للمصلحة الوطنية العليا كما يعمل الإعلام في أغلب دول العالم بما فيها الدول الأوروبية العريقة ديمقراطيا.

وتونس اليوم، أصبحت شبه رهينة للجيوش الإلكترونية المتحركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأجندات لا تخدم غير الواقفين وراءها، ممن يحلمون بتونس المعزولة عن محيطها والخارجة عن ثوابتها والخاضعة لسياسات المحاور، في حين أن الدول الكبرى ذاتها، لا تفكر إلا في مصالحها، بعيدا عن الشعارات والأيديولوجيات والحسابات الحزبية الضيقة.

في 2011 اندفعت تونس بالأغلبية الساحقة من سياسييها وإعلامييها وناشطيها وبمواقفها الرسمية، لدعم التدخل الخارجي في ليبيا، وكانت النتيجة خسائر فادحة للبلاد اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وعسكريا، ولكن لا أحد اعتذر عن ذلك أو اعترف بأنه كان على خطأ، ثم اندفع جانب من التونسيين لاستقطاب وتسفير المقاتلين إلى ساحات القتال في سوريا والعراق، ليضعوا بلادهم على رأس قائمة الدول المصدّرة للإرهابيين، ولا يزال ذلك الاصطفاف قائما ضد هذه الدولة أو تلك، وضد هذا النظام أو ذاك.

إن تونس اليوم ورغم أنها لا تعاني من تباينات عرقية أو دينية أو مذهبية أو طائفية، إلا أنها باتت رهينة الأيديولوجيات فاقدة الصلاحية التي تدفعها نحو الإفلاس والفقر والتأزم الاجتماعي، في حين أن العالم من حولها بات مبنيا على المصالح والشراكات والاستثمار والأسواق الكبرى والتطور العلمي والمعرفي والذكاء الاصطناعي واقتحام الفضاء. وبينما يختار الجانب الأكبر من التونسيين الصمت واللامبالاة، أصبحت قلة قليلة من داخلهم، تقرّر مصيرهم وتحدد علاقات بلادهم الخارجية وتتلاعب بمصالحهم وبمستقبل أبنائهم، وتزعم أنها وصّية عليهم ومسؤولة عنهم وأنها الأدرى بمصالحهم والمؤتمنة على مستقبلهم.

إن تونس اليوم، تحتاج إلى كثير من البراغماتية، وإلى سلطة قوية قادرة على تجاوز هذا التفكك الذي يواجه المجتمع، وعلى وضع النقاط على الحروف خاصة في ما يتعلق بالمصلحة العليا للبلاد، فمصلحة الوطن فوق مصلحة الحزب أو الجماعة أو الفرد، والانفلات بشكله الحالي لن يدفع إلا إلى المزيد من الضياع في قلب عاصفة قد تؤدي بالجميع إلى ما لا يحمد عقباه.

 

الحبيب الأسود - العرب اللندنيه

مواضيع ممكن أن تعجبك