بقلم: محمد سعيد حمادة*
منذ مساء أمس، وبعد موجة الاحتجاج التي أعقبت المطر لما أحدثه في شوارع دمشق وريفها، وأنا أفكّر، غاضبًا تارةً ومبرّرًا تارة، ردود الأفعال التي تحوّلت في كثير منها من الاحتجاج على النتائج إلى اتّخاذ موقف من المطر وغزارته. أفكّر بالمطر وما عناه من رمز للثورة والتغيير في الأدب، وما عناه لمجتمعنا كلّه قبل فترة الاستهلاك من خير وتقدّم وبشرى ازدهار في الأرياف والمدن على حدّ سواء.
سأحدّثكم عن الريف، فأنا كائنٌ ريفيّ رغم أن خمسة وثلاثين عامًا من خمسين قضيتها في المدينة التي لم تستطع تغيير أحوالي وطبائعي أو أنني لم أستطع تغييرًا بنيويًّا في داخلي يواكب روحها الاستهلاكية الجديدة التي طغت عليها بعد انتشار ثقافة التصحّر في الريف والمدينة على حدّ سواء.
في الريف، لا تعني المرّة الأولى لنزول المطر إلا البشرى المترافقة مع الدعاء لخيرها، لدرجة أنها كانت أهمّ من الأعياد الدينية، ذلك من يُرى عابسًا في يوم المطر يُلام بأن ما الذي دهاك والسماء تغدق خيرها؟
في الريف تراقب الناس بعضها بعد الشتوة الأولى، فمن يركض لترميم قنّ الدجاج أو بيت الكلب يكون عرضةً للاستهزاء ومثلاً للكسل والإهمال، لأنّ الكلب كائنٌ أساسيّ في البيت، يعيش بهدوء وأخوّة كاملة مع الدجاج والبطّ والأرانب والأبقار والأغنام، وله اهتمامه الخاصّ ويحسب حسابه في الطعام. أذكر اننا عندما كنّا نذهب إلى بيت جدّي في القرية كان الكلب يهجم على أمّي فرحًا يشمّها وينطّ مرحّبًا، وعندما ندخل إلى البيت كان يدخل ويضع رأسه على ركبيتها لدقائق إلى أن تمسّد أمّي على رأسه وتأمره جدّتي بالانصراف "يكفّي يابا يكفّي، روح الله يعطيك العافية". هنا تحضرني جمعيّات الرفق بالحيوان.
في هذه الأيام تبدأ تخبئة الموسم التشرينيّ من خضار في "المتبن" إلى جانب ما تمّ حفظه من ثمار الصيف. عند الأسر الميسورة تتمّ تخبئة وحفظ أنواع الفواكه الصيفيّة لمريض أو حامل في وِحام، وينتقل الناس من قرية إلى أخرى للحصول على هذه الثمار، من دون خجل أو مكابرة، لأن من يحتفظ بها قد فعل من أجل الخير ومن يطلب فإنه جاءه بأجر.
كانت حياتنا مرتبطة بعطاء السماء التي هي المؤشّر عن رضى الله الذي لا يميّز بين خلقه مخلوقاته، فـ"الدجاجة تشرب وتنظر إلى السماء"، وكان ديننا بالتالي هو العلاقة الطبيعية بين البشر وبقيّة الكائنات من حيوان ونبات.
فكّرت يوم أمس أن ما الذي غيّر شعبًا يحبّ حيواناته ويفكّر بها وحوّل جزءًا كبيرًا منه إلى قاطع رؤوس ومنظر الدم عنده لم يعد مهمًّا بل صار طبيعيًّا؟ كيف تغيّرت مشاعر هذا الشعب وعاداته وعلاقته بالسماء والله المحبّ العطوف الذي يعرف حاجات مخلوقاته "يعرف الكروم اش تريد"، وصار الدم جزءًا طبيعيًّا من إيمانه وعلاقته بالله؟
قلت لا جواب لهذا إلا بزحف ثقافة الصحراء المتوحّشة القاسية على ثقافة الخصب الخيّرة، فقد بدأ زحف هذه الثقافة مع الثورة النفطية في الصحراء العربية التي بدأت بتغيير سلوك مجتمعنا السوريّ عمومًا من الإنتاج إلى الاستهلاك البليد، فتغيّرت معها طبائعنا وأحوالنا وديننا وأعراسنا ومآتمنا، وأصبح حلال وحرام الله مرتبطًا ببدو الصحراء الذين لا يعرفون إلا الغزو والنهب والقتل والتقطيع. هل من تبرير لقطع ملايين الأشجار المثمرة والحراجية في المناطق التي سيطر عليها "الثوّار المعتدلون" ومن ثمّ داعش والنصرة وباقي سلالة الله الصحراوي؟
المطر يقول إنه لا خلاص إلا بالتخلّص نهائيًّا بالقطع الكامل مع الصحراء وثقافتها ودينها لنستعيد توازننا وحياتنا السليبة، وكل ما عدا هذا من نفاق ومواربة لا يخدم إلا من كان مستفيدًا من خلخلة المجتمع وقلبه.
*كاتب وناشط سياسي سوري مقيم في دمشق