واقفا على أنقاض منزل عائلته يلوح مجدي العثامنة (75 عاما) بلغم أرضي غير منفجر باتجاه طاقم تصوير تلفزيوني.
لكنهم يحثونه على أن يضعه على الارض لشعورهم بالقلق. ويصيح قبل أن يذعن لهم في نهاية المطاف وينزل من على كومة الانقاض التي تبقت بعد الهجوم الذي شنته اسرائيل هذا الشهر على قطاع غزة قائلا "لا تقلقوا. اذا مت لن أكون أغلى مما دمر بالفعل."
ويقول ان اللغم واحد من ألغام كثيرة زرعها الجنود الاسرائيليون لهدم المبنى السكني الذي كان يعيش به عشرات من أفراد أسرته الممتدة. وأضاف بصوت متهدج "ظللت أبني هذا لخمسين عاما وقد ذهب كل شيء في طرفة عين." وكان المنزل ملاذ العائلة من فاجعة وقعت في وقت سابق حين قتل 18 من أقاربه قبل عامين بنيران دبابة اسرائيلية دمرت منزلا اخر. وسوت القوات الاسرائيلية بالارض منزل العثامنة فضلا عن ثلاثة مبان مجاورة مملوكة لابنائه وكل العقارات الاخرى على امتداد كيلومتر واحد في قرية عبد ربه على مشارف مدينة غزة.
وخلف الهجوم وراءه صلبا معوجا ومتعلقات شخصية متناثرة بين أكوام الانقاض. وتنفي الاسرة الضلوع في اطلاق الصواريخ على بلدات اسرائيلية وهو السبب الذي بررت به اسرائيل هجومها على غزة. وتقبع البقايا المعوجة لسيارتي الاجرة المرسيدس الصفراوين اللتين كانتا مصدر رزق العائلة في الاحراج بجوار المنازل المدمرة. ويقول رائد ابن العثامنة (37 عاما) والذي يبدو في سن اكبر من هذا السن ان السيارتين كلفتاه 35 الف دولار. وكانت الاموال التي يجنيها هو وشقيقه من قيادة سيارتي الاجرة فضلا عن العمل في بعض الاحيان مع صحفيين زائرين لتسهيل الامور لهم باعتبار أنهما يتحدثان الانجليزية تعول أسرة ممتدة من 56 فردا. كما يقول ان الاموال كانت ضرورية لمساعدة أسرته على التعافي بعد نوفمبر تشرين الثاني عام 2006 حين سقطت قذائف الدبابة الاسرائيلية على منزل العثامنة السابق في بلدة بيت حانون القريبة. واستشهد 18 فردا من أسرة العثامنة بينهم ثمانية اطفال في ذلك الهجوم الذي قالت اسرائيل انه نجم عن خطأ فني حيث أسيء توجيه قذائف الدبابة. وبعد ذلك بثلاثة أشهر في فبراير شباط 2007 انتقل أفراد عائلة العثامنة الى قرية عبد ربه حيث كان مجدي عميد العائلة يملك منزلا وارضا.
وقالت احترام العثامنة زوجة رائد وام ابنائه السبعة "كان لدينا أمل ضئيل في أننا نستطيع بدء حياتنا من جديد لكن في اي مكان نذهب اليه يواصلون تدميرنا." وحاولت عائلة العثامنة تجاوز الهجوم الاسرائيلي الاخير داخل منزلها الجديد في قرية عبد ربه
لكن عندما ازداد القتال حدة مع بدء الهجوم البري خرج أفراد عائلة العثامنة سيرا على الاقدام حاملين أعلاما بيضاء متجهين الى ما تبقى من منزلهم القديم في بيت حانون الذي اعتبروه اكثر امانا. ويقول رائد العثامنة ان العودة الى منزل بيت حانون في ظل هذه الظروف أعاد الى أذهانهم ذكريات عام 2006 التي هي اقرب الى الكوابيس. واثر سريان وقف هش لاطلاق النار بعد ذلك ببضعة ايام عادوا الى قرية عبد ربه والى مشاهد الدمار التام. وقالت احترام العثامنة وهي جالسة امام الجناح الصغير من الحديد المموج الذي أصبح منزلهم "حين غادرت ظننت أننا سنعود لنجد بعض الاجزاء من بيتي لكنني وجدت أنقاضا. لم يتبق شيء منه."
وتعلق ابنها الذي لم يتجاوز عمره العام الواحد بذراعها وهو يبكي غير أن ابناءها الاخرين الذين هم في عمر الدراسة بالمدرسة يثيرون قلقها بدرجة اكبر الان. وأضافت " من الصعوبة بمكان الحياة بهذا الاسلوب. لسنا معتادين على هذا. حتى لو أردت وضعهم في حجرة واحدة فانها غير موجودة. "لدي سبعة اطفال الى أين يمكن أن أذهب بهم.. حين يكون المرء في الخامسة عشرة من عمره وليس لديه مكان يذهب اليه او مكتب يدرس عليه ماذا بوسعه أن يفعل.." اما زوجها رائد فحتى تدينه لا يمكن أن يحميه من مستقبل يحيطه اليأس والشكوك وتساءل "هل سيفتح الله بابا ليأتيني منه المال.." مشيرا باتجاه السماء. وتابع "هل سيجلب الي الحجارة والاسمنت.. كيف أبني أي شيء بدون حياة ولا أمان.." واستدار رائد ومشي بين الانقاض وعيناه تبحثان بغضب عن أي شيء يستحق أن ينتشل