مثقفون تحت الطلب: كتاب عن الثقافة المصرية ووزيرها

تاريخ النشر: 03 فبراير 2005 - 12:02 GMT

يمثل الفنان التشكيلي المصري فاروق حسني الذي يتولى وزارة الثقافة في بلاده منذ عام 1987 علامة بارزة في تاريخ هذه الوزارة إذ بقي فيها أطول فترة ولايزال رغم ما واجهه من عواصف منها قول كاتب مصري في مؤتمر دولي بدار الاوبرا أمام أكثر من 300 كاتب عربي وأجنبي ان الحكومة المصرية تحمي الفساد وتفتقد المصداقية.

وتجاوزت الانتقادات التي استهدفت الوزير مناقشة أدائه الوزاري وجدارته بالمنصب وصولا إلى التعريض بحياته الشخصية. ولكن المفاجأة أن أحد المقربين منه وهو الصحفي المصري محمد عبد الواحد المدير السابق للمكتب الاعلامي للوزير وبعد أن ظل لسنوات يدافع عن سياساته أعلن هذا الاسبوع أن اختيارات حسني لقيادات وزارته "دليل واضح على عدم صلاحيته كوزير."

وأضاف في كتابه (مثقفون تحت الطلب) الذي صدر يوم الاربعاء متزامنا مع معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي تنتهي دورته السابعة والثلاثون الاربعاء القادم أن حسني "رجل فذ في ادراك موضع خطاه... تزداد خبراته في شغل الناس به لأن مهارة شغل الناس إلى درجة الالهاء ضرورة وشرعية سياسية في البلاد التي يكون فيها المسؤول في حد ذاته قرار وليس صانع قرار."

ولا يحمل غلاف الكتاب الذي يقع في 400 صفحة اسم دار نشر وان كتب في صفحة داخلية أن الناشر هو (دار غرناطة) غير المعروفة في مصر. وقال المؤلف لرويترز إنه أصدر الكتاب على نفقته الخاصة.

ولكن الغلاف الخلفي للكتاب يحمل قصيدة من نثر العامية المصرية سبق نشرها في صحيفة (القاهرة) التابعة لوزارة الثقافة وكتبها صاحبها في أحد المعارض التشكيلية لحسني ومن سطورها..

"لوحتك خطفتني من عنيه ( زي لغم قابض على الرجلين ) حبستني جوه البرواز ( كتفتني ) حللتني ( بالضبط زي الارض ما بتحلل الميتين.) طلعني يا فنان ( لوحاتك وقعت دماغي في دماغي جوه الالوان ) انت جايب الالوان دي منين ( هل قلبت السما على ضهرها ) ساعة مغربية ( ولزقتها في اللوحات ) طب وديت النجمات فين ( فين النجمات)."

صورة حسني على غلاف الكتاب تصوره قائد أوركسترا موسيقي في يده عصا وأمامه نوتة موسيقية وأربعة من الرجال تبدو رؤوسهم نسخا متشابهة وفارغة.

وقبل قراءة الكتاب يتبادر إلى الذهن سؤالان أولهما عن مدى الحياد الذي يمكن أن يتمتع به المؤلف بمجرد خروجه من الوظيفة ويفترض أن تفصله مسافة زمنية عن الحدث الذي لايزال ساخنا.

أما السؤال الثاني فعن مصداقية موظف اعتبر العمل كمستشار اعلامي يلازم الوزير كظله يقف في مقدمة طابور المدافعين عنه أبقى وأهم من العمل الصحفي اضافة إلى الوثوق بما يورده من أحكام كان يبحث في السابق مع الوزير عن ردود إذا وجهت إليه من خصومه.

ولكن عبد الواحد في شجاعة تحسب له أشار في المقدمة إلى رغبته في تسجيل شهادته عن الوزير ورجاله وهم في مناصبهم "في فترة بلغ فيها فاروق حسني ذروة مجده وقوته السياسية."

وأشار إلى أن دار الاوبرا المصرية "تمت عسكرتها مع مجيء (رئيسها الاسبق) ناصر الانصاري من مراسم رئاسة الجمهورية...(ثم) جاء عسكري آخر لكنه حاصل على الدكتوراه (رئيسها السابق) سمير فرج. اقتنع (الوزير) بأن عسكرة الاوبرا أفضل من أن تصبح عرضا أوبراليا."

ويذكر ان الرئيس الحالي لدار الاوبرا هو عبد المنعم كامل راقص البالية السابق.

واستعرض المؤلف صعود الوزير "من موظف صغير وإلى أن أصبح في قصر الزمالك وزيرا للثقافة طيلة 18 عاما."

وقال إن صحيفة (القاهرة) كان يتردد فيها نداء شهير عصر كل يوم أحد هو "نسخة الوزير.. نسخة الوزير" في اشارة إلى نسخة التجربة الاخيرة لصفحات (القاهرة) لتعرض على الوزير "ليراجعها قبل طبعها."

ويبدو الكتاب أشبه باعادة نشر غسيل الثقافة والمثقفين المصريين الذين قال الوزير في أحد حواراته الصحفية انه جاء لمهمة ادخالهم حظيرة الدولة.

ورصد المؤلف بعض ما يعتبره تواطؤا بين مثقفين مصريين في معسكرين مختلفين أحدهما متحالف مع الوزير والثاني معاد.

وخلال عمل عبد الواحد مساعدا لرئيس تحرير صحيفة (القاهرة) الاسبوعية التي تصدرها وزارة الثقافة التي اعتبرها بعض المثقفين والصحفيين صحيفة الوزير الشخصية كان يبرر سياساته ويدافع عنه أمام منتقديه.

كما احتفل به في مناسبات منها افتتاح معرض للوزير في مطلع عام 2001 ونشرت مجلة (الاهرام العربي) الحكومية المصرية صورة للحفل يقف فيها الوزير بين عبد الواحد وشاعر العامية عبد الرحمن الانبودي وأمامهم كعكة كبيرة مثل كتاب مفتوح تحمل صفحته اليمنى صورة طويلة لحسني يمشي على شاطيء البحر واليسرى كلمات في حب الوزير بتوقيع عبد الواحد.

وجمع عبد الواحد عددا من مقالاته التي نشرتها صحيفة وزارة الثقافة في كتاب (حب من طرف ثالث) الذي نشرته عام 2002 الهيئة المصرية العامة للكتاب (مكتبة الاسرة) التابعة لوزارة الثقافة وأهداه "الى أصدقائي الحقيقيين الذين منحوني الحرية وتحملوا تحرري.. أبي وأمي وفاروق حسني."

ويبدو الكتاب أقرب إلى ثرثرات المقاهي ووعاء ضخما للنميمة التي تعتمد على الشائعات والحقائق معا. وفي زحام تفاصيل صغيرة يمكن أن يردد القاريء مع المؤلف قوله "ستبقى السنوات الست عشرة الماضية في الثقافة المصرية لغزا ومادة خصبة للكتابة والكذب والحقيقة."