تبدأ داخل مجمع القصر الرئاسي في بغداد الاربعاء، اولى جلسات محاكمة صدام حسين الذي يواجه تهما بارتكاب جرائم ضد الانسانية قد تقوده الى الاعدام، فيما دعت فلول حزبه المنحل "البعث" الى تحيته بوابل من القذائف على القوات الاميركية والعراقية.
واعتقل صدام الذي أطاحت به قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في نيسان/ابريل 2003 في كانون الاول/ديسمبر من العام نفسه عندما عثر عليه جنود أميركيون مختبئا في حفرة بالقرب من مسقط رأسه في تكريت.
وبعد ان عاش العراقيون سنين طويلة تحدق فيهم تماثيل صدام وصوره شاهدوا صوره محتجزا أشعث الشعر واللحية التي خطها الشيب وقد بدا عليه الضعف بعد ان قضى شهورا هاربا.
واتهم صدام (68 عاما) بالقتل الجماعي فيما يتصل بمقتل نحو 143 شيعيا في بلدة الدجيل.
وقتل كثير منهم بعد محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها صدام في القرية في عام 1982 وأعدم اخرون بعد محاكمة.
واعرب المدعون عن اعتقادهم بأنهم يستطيعون من خلال التركيز على قضية الدجيل المحدودة نسبيا أن يثبتوا مسؤولية صدام الشخصية بشكل اسهل من الجرائم الاكبر.
وتؤرخ الاتهامات الاخرى الموجهة الى صدام والتي لم تتحول بعد الى تهم رسمية لسنوات من إراقة الدماء في العراق ودول مجاورة ومن بينها تهمة التطهير العرقي.
واتهم صدام بارتكاب جرائم ضد الانسانية خلال الحرب مع ايران التي استمرت نحو ثماني سنوات بعد ان بدأها صدام في عام 1980 وكلفت البلاد كلفة هائلة بشريا وماديا.
وتسري اتهامات مماثلة على احتلاله للكويت في عام 1990 والذي استمر نحو سبعة أشهر قبل أن تطرد قوات بقيادة الولايات المتحدة جنوده خلال حرب الخليج في عام 1991.
ومن المتوقع أن توجه الى صدام أيضا تهم فيما يتعلق بالهجوم على بلدة حلبجة الكردية في عام 1988 الذي استخدم فيه الغاز وأسفر عن مقتل نحو خمسة الاف شخص. وقال صدام ان الوفيات كانت نتاجا لمعركة وقعت بالقرب من البلدة مع القوات الايرانية التي استخدمت الغاز أيضا.
وصورت الولايات المتحدة صدام في نهاية الامر على انه "شيطان" رغم لجوئها هي والاتحاد السوفيتي سابقا وعدد من الدول الاوروبية الى تسليحه ودعمه خلال الثمانينات ليكون درعا ضد الثورة الاسلامية في ايران.
وخلال عدة سنوات تركزت السياسة الامريكية على احتواء صدام ولكن في أعقاب هجمات 11 ايلول/سبتمبر عام 2001 على الولايات المتحدة اختار الرئيس الاميركي جورج بوش العراق ليكون الهدف التالي في "حربه على الارهاب" بعد أفغانستان.
ومنذ الاحتلال اكتشفت العديد من الفظائع التي ارتكبت خلال حكمه مثل القبور الجماعية التي ضمت عظام الاف القتلى من أعدائه خاصة من الاكراد والشيعة.
ولكن القوات الاميركية لم تجد أي ادلة تدعم مزاعم واشنطن أن صدام كان يملك أسلحة للدمار الشامل أو ان له صلات بتنظيم القاعدة وهي المبررات الاساسية التي ساقتها لخوض الحرب.
وبدأت الولايات المتحدة الحرب في عام 2003 بغارة جوية في اذار/مارس بهدف قتل صدام والقضاء على راس النظام البعثي الذي اقامه بالحديد والنار واموال النفط.
لكن صدام نجا ونجح في الهرب والاختفاء بعد أن دخلت القوات الامريكية بغداد في التاسع من نيسان/أبريل 2003.
ومن مخبئه أصدر صدام تسجيلات حث فيها العراقيين على مقاتلة القوات التي تقودها الولايات المتحدة.
وظهر شريط لصدام كان مشحونا بالانفعالات بعد مقتل نجليه عدي وقصي على ايدي القوات الاميركية في 22 تموز/يوليو 2003.
وبعد ان استغل صدام مهاراته كمقاتل في الشوارع ومتامر للوصول بحزب البعث الى السلطة عام 1968 احكم قبضته الحديدية على العراق برغم الحروب والانتفاضات ومؤامرات الانقلاب ومحاولات الاغتيال. وأصبح رئيسا للبلاد في عام 1979.
وبعد أن كان يوما بطلا في نظر بعض العرب لتحديه الولايات المتحدة واسرائيل خيب امال المعجبين به عندما فشل في توفير دفاع قوي لبغداد في حرب عام 2003.
ولجأ صدام الذي ولد في 28 نيسان/أبريل 1937 الى مباديء القومية العربية والاسلام والوطنية العراقية لتعزيز قيادته وكان معروفا عنه اعجابه بالدكتاتور السوفيتي جوزيف ستالين.
البعث يدعو لتحيته
وفي هذه الاثناء، فقد دعا حزب البعث المنحل الى "تحية" صدام حسين بوابل من القذائف على القوات الاميركية والجيش العراقي لدى مثوله امام المحكمة الاربعاء.
وقال الحزب في بيان على الانترنت "حيوا القائد عند ظهوره العلني في المحاكمة بطلقات التقتيل وقذائف الموت تنطلق لأهدافها المشروعة وتنال من جند المحتل ومعداته وآلياته وقواعده وتنال من قطعان جيش وأمن السلطة العميلة ورموزها وشخوصها الخونة الساقطين".
واكد البيان ان "انعقاد المحاكمة غير المشروعة يفتح صفحة جهادية متميزة في فعل المقاومة العراقية المسلحة" مضيفا انه "لن يكون هناك من مكسب سياسي وأمني للاحتلال وسلطته العميلة بإجراء المحاكمة أبدا".
من جهتها أعلنت وزارة الخارجية الاميركية ان محاكمة الرئيس العراقي السابق ستكون "مرحلة مهمة" وستنهي "فصلا اسود" في تاريخ العراق.
وقال المتحدث باسم الوزارة شون ماكورماك الاثنين خلال لقائه اليومي مع الصحافيين "اعتقد ان محاكمة صدام حسين ستكون مرحلة مهمة للشعب العراقي وستضع حدا لمرحلة مظلمة ولفصل اسود في تاريخه".
واضاف ان "صدام حسين من وجهة نظرنا مسؤول عن القمع الوحشي الذي مارسه ضد شعبه وعن مقتل عشرات الاف الاشخاص ان لم يكن مئات الالاف خلال حكمه الذي استمر عشرين عاما".
واوضح ان الولايات المتحدة ودولا اخرى قدمت نصائح ومساعدة تقنية من اجل المحاكمة وان الاميركيين شاركوا ايضا في الاجراءات الامنية خلال الاعداد للمحاكمة والاستماع للشهود.
ولكنه قال ايضا ان الاجراءات قام بها العراقيون. واضاف "هذا الامر يجب ان يكون اجراء عراقيا لان الشعب العراقي يستحق ان يتحمل مسؤولية هذه الفترة من الوحشية ضد هؤلاء الاشخاص".
قضايا قد يواجهها صدام
في ما يلي القضايا الجنائية التي يباشرها قضاة التحقيق والتي يمكن أن يحاكم عليها صدام في النهاية..
مذبحة الدجيل
اتُهم صدام وسبعة اخرون باصدار الاوامر والاشراف على قتل أكثر من 140 شيعيا من قرية الدجيل عقب هجوم على موكب الرئيس اثناء مروره بالقرية التي تبعد 60 كيلومترا شمالي بغداد في تموز/يوليو 1982.
وزُعم ان الانتقام شمل سجن مئات النساء والاطفال من اهل القرية لمدة سنوات في معسكرات اعتقال بالصحراء وتدمير بساتين النخيل التي كانت تغذي الاقتصاد المحلي وكانت تمثل أسباب الرزق للاسر في الدجيل.
غزو الكويت
وصدام متهم أيضا بانتهاك القانون الدولي باصدار اوامر بغزو الكويت في اب/اغسطس 1990.
وطالب تحالف دولي قادته الولايات المتحدة بانسحاب العراق وشن حرب الخليج الاولى في 17 كانون الثاني/يناير 1991 بعدما رفض صدام الاذعان لقرارات الامم المتحدة. وانتهت الحرب في 28 شباط/فبراير بعد طرد القوات العراقية من الكويت.
وزُعم ان الجنود العراقيين ارتكبوا خلال الاحتلال جرائم تعذيب واعدام دون محاكمة للسجناء ونهبوا مدينة الكويت ونقلوا مئات الاسرى الكويتيين الى بغداد. واشعل الجنود العراقيون أيضا النار في أكثر من 700 بئر نفطية وفتحوا انابيب النفط لتصب في مياه الخليج وغيره من مصادر المياه.
القمع السياسي
صدام متهم ايضا بالقمع الوحشي لانتفاضتين قام بهما الشيعة في جنوب العراق والاكراد في الشمال الذين تمردوا عليه مع انتهاء حرب الخليج في عام 1991. ويُقال ان عشرات المقابر الجماعية بجنوب بغداد تحتوي على جثث لشيعة قتلوا في عمليات قمع. وفر مئات الالاف من الاكراد الى ايران وتركيا. وهناك ايضا قبور جماعية لاكراد في الشمال وفي مناطق مهجورة بالجنوب.
عرب الاهوار
تتردد مزاعم بأن الجيش العراقي قام باوامر من صدام بعملية تدمير منتظم لاسباب الرزق لعرب الاهوار الذين استوطنوا الاهوار الواسعة بجنوب البلاد عند ملتقى نهري دجلة والفرات طوال نحو 5000 عام. وكان صدام اتهم عرب الاهوار بالهرب من الجيش والقتال ضد قواته خلال الحرب مع ايران التي استمرت من عام 1980 وحتى 1988 وايواء المجرمين والمنشقين على حكمه الى جانب المشاركة في الانتفاضة الشيعية في 1991. واستهدف صدام عرب الاهوار في بداية حكمه عندما امر بتجفيف الاهوار.
الابادة الجماعية للاكراد والتطهير العرقي
شنت القوات العراقية حملة في عامي 1987 و1988 لاعادة السيطرة الحكومية على المناطق الكردية في الشمال. وشهدت العملية التي اطلق عليها اسم الأنفال سحق قرى باكملها وتدمير الزراعات والتهجير القسري للسكان. وتقول السلطات الكردية ان مئات الالاف من الاكراد اجبروا على النزوح وقتل عشرات الالاف ودفنوا في قبور جماعية. وكان أحد أسوأ الحوادث هجوما على قرية حلبجة الكردية في عام 1988 حيث قيل أن نحو 5000 شخص قتلوا في يوم واحد في هجوم بغاز الخردل وغاز الاعصاب. ويتهم اللواء علي حسن المجيد ابن عم صدام حسين والملقب ايضا بعلي الكيماوي بتنفيذ اكثر تلك العمليات وحشية. وقال المجيد ان قمع حلبجة كان لمعاقبة القرية على تقاعسها عن مقاومة عمليات التوغل الايرانية خلال الحرب الايرانية العراقية.
عمليات القتل السياسي
ويتهم صدام وقواته الامنية بارتكاب العديد من جرائم القتل ذات الدوافع السياسية وانتهاكات أخرى لحقوق الانسان بما في ذلك اعدام خمسة من الزعماء الدينيين الشيعة في عام 1974 وقتل الالاف من افراد قبيلة البرزاني الكردية في عام 1983 واغتيال نشطاء سياسيين خلال عقود قضاها في السلطة.
وظهرت أدلة على وجود نحو 270 قبرا جماعيا في انحاء العراق يعتقد انها تضم رفات عشرات الالاف من بينهم شيعة وأكراد ومعارضون سياسيون.
—(البوابة)—(مصادر متعددة)