قبل أربع سنوات، عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، التقيت في واشنطن أحد الباحثين الأميركيين ممن عملوا في وزارة الخارجية مساعدا لهيلاري كلينتون. كان الرجل شديد اليقين، شأنه شأن استطلاعات الرأي آنذاك، بفوز المرشحة الديمقراطية، وبالتالي كان يتحدث عن علاقات بلاده مع إيران بناء على هذا المعطى.
أفاض الباحث كثيرا في الحديث عن خطط أعدتها إدارة كلينتون المقبلة لإضعاف طهران وشل نفوذها الإقليمي وإجبارها على احترام قواعد السياسة الدولية. ونذكر أن طهران تنفست الصعداء كثيرا حين فشلت هيلاري كلينتون.
ذلك الباحث، كما هيلاري كلينتون، ابن المؤسسة الأميركية التي كانت، حتى في السنوات الأخيرة لعهد باراك أوباما، مستاءة مما وفره الاتفاق النووي لإيران من قوة، وترتب خطة طريق للانقلاب على الأعراض الجانبية المرفوضة التي أظهرتها طهران مستفيدة من صفقتها مع مجموعة الـ 5+1 عام 20015.
لم يكن انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي إلا صدى لما تفرضه مصالح الولايات المتحدة وفق ما تخطه مؤسسات الدولة الأميركية العميقة. وكان واضحاً أن الرجل يسير على خط ترسمه الإدارة، على نحو يجعله يُصلح، في دقائق، زلات ارتكبها في الإعلان عن الانسحاب الكامل من سوريا مثلا، فيتراجع عن الأمر انصياعا لمؤسسات الأمن والعسكر في بلاده.
خاض رجل العقارات مغامرة الرئاسيات قبل أربع سنوات بصفتها تمرينا مسليا يشبه ذلك الذي يمارسه في برامجه التلفزيونية، فإذا ما نجح فالأمر صفقة من صفقاته الرابحة، وإذا ما خسر فالأمر صفقة خاسرة من صفقات كثيرة خسرها في حياته. تحمل الجمهوريون ترشحه كقدر لا بديل عنه، ولم يأخذ الديمقراطيون ترشحه على محمل الجد. ترامب نفسه فوجئ قبل خصومه وأصبح رئيسا لأميركا.
مارس الرجل السياسة في البيت الأبيض بصفتها حملة انتخابية دائمة تحضيرا للانتخابات الرئاسية الأخيرة. في ذلك أن مشاداته مع كندا والمكسيك، كما مع أوروبا والأطلسي استدرجت البهرجة والفرجة اللتين من شأنهما مخاطبة كتلته الانتخابية. وحتى في موضوع إيران والسلم في الشرق الأوسط وصفقة القرن، بقيت تلك الملفات داخل سياقات لا تشكل انقلابا لا يمكن الرجعة عنه، لكنها تضيف مشاهد تباهي وبطولة يتبجح بها أمام ناخبيه. فهل ما وعد به بالنسبة لكوريا الشمالية، مثلا، يتعدى صورة جمعته مع كيم جونغ أون؟
سيطوي العالم صفحة ترامب. من اعتبره في العالم حليفا لم يؤمن به قيمة مستقرة في الولايات المتحدة ومستقبل العلاقات معها. تعامل العالم، الحلفاء والخصوم، مع ترامب بصفته أمرا واقعا، وكان سيتعامل معه مرة أخرى كأمر واقع لو انتخب مرة أخرى.
أميركا التي استفاقت قبل أربع سنوات مصعوقة بفوز دونالد ترامب بالرئاسة، اعتبرت الأمر نزوة عرضية في تاريخها. غير أنه يسجل لترامب أنه تمكن من اقناع أنصاره أنه ليس نزوة عابرة، بل حقيقة زحف 70 مليونا للتصويت لها في الانتخابات الأخيرة مسجلين رقما قياسيا تاريخيا في عدد من يصوت لرئيس مرشح في تاريخ البلاد.
والحال أن ترامب لم يصنع تلك الملايين، بل أنها كانت موجودة داخل المجتمع الأميركي تنهل عقائدها من تاريخ عنصري معطوف على مظلومية طبقية سهل قطافها وكانت تنتظر قاطفها. تلك الكتلة خجلت من الظهور في عهود اوباما وكلينتون وبوش الاب والابن وحتى في عهد ريغان، وانتعشت من جديد بوقاحة في عهد تاجر العقارات.
بالمقابل استفاقت أميركا من جديد، وعملت ليل نهار، ومن خلال كل ولاية ومدينة وحيّ، على منح جو بايدن أكثر من 74 مليون صوتا، حطموا الرقم القياسي التاريخي لأي مرشح في تاريخ الولايات المتحدة.
نعت ترامب منافسه بـ "جو النعسان". صوتت أميركا لـ "النعسان"، وكانت ستصوت لأي نعسان آخر تخلصا من كابوس أيقظ انحرافات عنصرية متقادمة لطالما كانت سوداء في تاريخ البلاد.
والحال أنه ليس صحيحا أن هناك ترامبية. هناك دونالد ترامب بحيث تغيب أي ترامبية بغيابه. فمشواره لم ينبني على نهج واستراتيجية، بل على ارتجال ونزق ومزاج وعدم توقع على نحو لا يؤسس لعقيدة يمكن أن تسمى ترامبية.
في العالم من سيحب بايدن ومن سيكون حذرا منه. لكن العالم سيصبح أكثر عقلانية، سلبا أو إيجابا، في بناء تحالفاته وشق خطوط مواجهاته، على نحو يعيد للعقل مكانه في عالم كانت تربكه أزمة اللايقين في رأس السلطة في دولة هي زعيمة هذا العالم.
حدث التحول الكبير في أميركا حين انتخبت عام 2008 باراك أوباما رئيسا أسود للولايات المتحدة. أكد البلد هذا التحول حين أعاد انتخابه لولاية ثانية. والظاهر أن هذا التحول حقيقي أصيل إلى درجة أن تهتز مناعة الجسد الأميركي بأعراض جانبية أتت بدونالد ترامب كردة فعل لا فعل. أعادت أميركا تأكيد هذا تحول 2008، بانتخاب الكاثوليكي جو بايدن وإلى جانبه كمالا هاريس، أول امرأة من أصول أفريقية آسيوية في منصب نائب الرئيس. لن يعرف معنى هذا التحول إلا من عرف ويعرف أميركا جيدا.