مستوطنة حومش المخلاة مرتع للمتطرفين ومصدر اعتداءات

تاريخ النشر: 24 فبراير 2009 - 01:51 GMT

مستوطنة حومش المخلاة مرتع للمتطرفين ومصدر اعتداءات طالت عشرات المواطنين

كتب عاطف أبو الرب

صحيح أن إسرائيل قد مررت روايتها بخصوص الانسحاب من شمال الضفة الغربية. وصحيح أن لإسرائيل أخلت مستوطنة حومش للشمال من قرية برقة شمال غرب نابلس. ومع أهمية إزالة كل أشكال الاستيطان، وإخلاء كل المستوطنات، بغض النظر عن حجمها، فلا بد من الإشارة إلى أن إخلاء حومش لم يكن حقيقياً.

فما كاد الاحتلال يعلن إخلاء المستوطنة، حتى أعلن عن موقع المستوطنة المخلاة منطقة عسكرية لا يمكن الدخول إليها. هذا في وقت يرابط العديد من المتطرفين الصهاينة داخل المنطقة. ولا يكتفي هؤلاء بالتواجد في الموقع، بل كثيراً ما يتعرضون للمواطنين، ويعتدون عليهم كلما اقترب أحدهم من المكان.

رعاة الأغنام صيداً سميناً للمستوطنين:

ولمن لا يعرف موقع المستوطنة المخلاة، فإنها كانت تحتل قمة جبل كبير يفصل بلدة برقة في محافظة نابلس، وبلدة سيلة الظهر في محافظة جنين. وهذا الجبل شكل على مدار عشرات السنين مكاناً مناسباً للرعاة. حيث تنمو فيه الأعشاب ونظراً لاتساعه فإنه يعتبر أهم المراعي في المنطقة.

في سنوات خلت كان الرعاة يقتربون من حدود المستوطنة في فصل الربيع. كان كثيراً ما يتعرضون لاعتداءات جيش الاحتلال، ولكنهم كانوا يواصلون الرعي في هذه المراعي، إيماناً منهم بأنها ملك لهم، والرعي فيها حق لا يتأثر بوجود الاحتلال، وهكذا استمرت علاقة الراعي بالمرعى.

بعد أن خرج المستوطنون شعر الجميع بالفرح، وشعر رعاة الغنم بانتصارهم على الاحتلال، وبأن إخلاء المستوطنة، يشكل بداية تاريخ جديد وعهد جديد لهم ولقطعانهم. لأنه الاحتلال، ولأنه يصر على التنصل من كل شيء، فقد أغلق الاحتلال المنطقة أمام الرعاة، ومنعهم من الدخول للموقع الذي احتلته المستوطنة سنوات طويلة.

حاول الرعاة الحفاظ على علاقتهم بالمراعي كما كانت في عهد وجود المستوطنة. كثيرون منهم واصلوا الرعي في الأراضي المحيطة بقمة الجبل، وتجنبوا الدخول للأراضي المخلاة نظرياً. ومع هذا فكلما وجد المستوطنون فرصة يغيرون بها على أحد الرعاة، لم يترددوا. وقد سجلت عشرات الحالات التي هاجم فيها المستوطنون رعاة في المراعي.

آخر هذه الاعتداءات استهدف رجل مسن من عائلة أبو عون في بلدة جبع القريبة، حيث اعتاد هذا الراعي على الرعي في جبال قريته القريبة من حدود المستوطنة المخلاة. لم يفكر يوماً بأن يكون هدفا ًلتطرف المستوطنين. ولأنه وحيداً، ولأنه كبير في السن، فقد تمكن منه المستوطنون. حيث أصيب المواطن أبو عون برضوض وجراح نقل على إثرها لمستشفى الشهيد الدكتور خليل سليمان في جنين، حيث تلقى العلاج هناك حتى تماثل للشفاء.

حكاية أبو عون ليست وحيدة، فسبق ذلك اعتداء آخر طال راعي مسن من قرية برقة، حيث لاحقه المتطرفون مسافات طويلة، رموه بالحجارة فأصابوه، وقتلوا عدداً من أغنامه. وكما المواطن أبو عون، كان المواطن البرقاوي بعيداً عن القرية، الأمر الذي وجد فيه المستوطنون صيداً سهلاً يشبع تطرفهم وحقدهم.

أم علي ونجاة من موت محقق

أم علي تلك الفلسطينية التي تسكن بيتاً محاذياً لشارع جنين نابلس، والذي يمر منه المستوطنون يومياً في طريقهم من وإلى موقع مستوطنة حومش، فقد كان لها حكاية أخرى مع الاستيطان. فذات يوم وبينما كانت تتجول في حديقة بيتها، المزروعة بالزيتون، مرت سيارة للمستوطنين، فما كان منهم إلا أن فتحوا نيران أسلحتهم باتجاه الحديقة. يومها قتل المستوطنون عدداً من أغنام أم علي، ولكن كتب الله لها ولأبنائها النجاة. حتى اليوم لا تعرف أم علي وزوجها، وأولادها السبب الذي من أجل فتح المستوطنون النار باتجاه العائلة، لكن ما يعرفوه وما تعلموه أن يبقون حذرين في بيتهم، حتى لا يتعرضوا مرة أخرى لنفس الخطر.

السيارات تستفزهم فتصيبها حجارتهم:

بعيداً عن توصيف جرائم هذه المجموعات التي كثيراً ما أصابت الفلسطينيين دون ذنب، يكفي أن نشير لما يقومون به من اعتداءات بحق السيارات المسافرة على الطريق. ففيما يشعر الفلسطيني براحة نفسية وهو يقود سيارته بعيداً عن منغصات الاحتلال، وحواجزه، فإنه كثيراً ما يشعر بالخوف إذا ما مر بالمكان، الذي يدرك بأنه قد يكون هدفاً لحجارة المستوطنون.

هنا لا يمكن للمرء سرد كل جرائم المستوطنين بحق السيارات المسافرة على الطريق، حيث أنها لا تعد ولا تحصى. ففي كل المناسبات يغيرون على الشارع فيحطموا الزجاج، ويرشقون الناس بالحجارة. ويكفي في هذا المقام ذكر حادثة واحدة، تصور التطرف الذي يعمي عيون هذه العصابات.

أبو محمد حمور، سائق سيارة الأجرة، والذي أوقف سيارته عند طرف الشارع، ليقضي حاجة له خلف أشجار قريبة. لم يكد ينتهي من قضاء حاجته، حتى بادره عدد كبير من المتطرفين من جهة موقع حومش، وضربوه وحاولوا اختطافه، إلا أنه تمكن من الفرار، ولكنهم خطفوا سيارته ، وهربوا بها لقمة الجبل، وهناك أشعلوا بها النيران.

أبو محمد الذي شاهد السيارة تحترق، وذلك بحضور جنود الاحتلال، الذين لم يحركوا ساكناً لاعتقال أحد من هؤلاء المتطرفين، لا يجد ما يصف به مشاعره أمام هذا الاعتداء، وهذه الجريمة، لكن لا يمكنه أن يتصور كيف بقي جنود الاحتلال وأفراد الشرطة صامتون على جريمة حرق سيارته.

ما قيمة الإخلاء في ظل استمرار الجرائم:

سؤال منطقي، وسؤال لا بد له من إجابة. صحيح أن الإجابة قد معروفة للجميع، بأنه في ظل هذه الجرائم فلا قيمة للإخلاء، ولكن لماذا نبقى نصر على أن الاحتلال قام بإخلاء شمال الضفة، مع إنكاري التام لهذه التسمية؟ وهل يعقل أن يبقى عدد من المتطرفين يجولون في شارع جنين نابلس، يحميهم جيش الاحتلال، فيما يشجعهم خوفنا على مهاجمتنا الواحد تلو الآخر؟ أليس ما نتعرض له يشير لحالة من الضعف الهوان، ويستدعي منا التحرك؟ هذا مع العلم أن عدد هذه المجموعة التي تمارس اعتداءات متكررة على المواطنين لا يتجاوز عشرة مستوطنين. ولنقل بصوت واحد، لا بد أن يكون إخلاء أي موقع من الاحتلال حقيقياً، ولا بد من إعادة هذه المواقع لأصحابها الفعليين، وإلا فليعد المستوطنون لمواقعهم، بعيدا ًعن التضليل واكذب والتدليس.