لعل الامر يبدو للناظر انه شبيه بصورة بطاقة عيد الميلاد.. الشبان والشابات داخل الكنيسة يزينون شجرة عيد الميلاد، بينما جوقة المنشدين تتدرب على ترانيم عيد الميلاد، وباللهجة العراقية ينشدون "فلتسترح قلوبكم، يا ايها الجمهور".
ونشرت صحيفة "ذي تايمز" البريطانية اليوم مقالا لمراسلتها في بغداد أليس فوردهام تقول فيه انه مشهد كنيسة سيدة النجاة في بغداد، وفي خارجها مشهد آخر اصبح مألوفا من الاسلاك الشائكة والحرس المسلحين. غير ان خلف تلك الزينة والترانيم يتنامي الخوف من ان الجالية المسيحية في العراق تتعرض للتهديد بالانقراض. فيما تزيد نسبة المسيحيين الذين يغادرون العراق اكثر من نسبة اي فئة عراقية اخرى.
وكان مئة من زعماء المسيحيين والسياسيين من مختلف الديانات قد عقدوا الاسبوع الماضي اجتماعا طارئا قبل انطلاق موجة العنف الاخيرة في مدينة الموصل الشمالية، حيث تعرضت الكنائس والمدارس المسيحية للهجمات. وقد قتل طفل و40 شخصا بينهم اطفال مدارس في ثلاثة تفجيرات متتالية. وقبل يومين قتل رجل مسيحي بطلق ناري اثناء توجهه الى مكان عمله.
يقول فادي (26 سنة) وهو عامل كهرباء من الموصل طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي انه "امر مؤلم. ومعظم المسيحيبن يفضلون البقاء في مساكنهم، او يلتزمون الحرص اذا هم خرجوا منها". ففي اواخر العام 2008 خلفت عمليات الاعتداء على المسيحيين في الموصل 40 قتيلا فيما فر 12 ألفا من منازلهم. وتناول فادي في حديثه مجموعة من الهجمات الاخيرة الاضيق نطاقا ضد مسيحيين مشيرا الى مخاوفه من عودة العنف الى ذات المستوى مرة اخرى.
وقد تعرض المسيحيون في كركوك، وهي مدينة عراقية اخرى في الشمال، الى اعمال اختطاف في الاشهر الاخيرة، ومع تزايد العنف قبل العملية الانتخابية فانهم يخشون من ارتفاع حدة الهجمات.
ويوجه البعض اصابع المسؤولية عن الهجمات الى المتمردين، بمن فيهم نشطاء "القاعدة"، الذين لا يزالون نشطين في الموصل، بينما يتهم اخرون الفصائل الكردية او العربية الذين يكافحون من اجل السيطرة على الارض. ورغم اختلافهم على من هو المسؤول، فان الجميع يلجأون الى الهرب.
يقيم جورجيس ميتس، وهو من الاقلية اليزيدية، في قرية بارتيلا التي تقيم فيها اكثرية مسيحية قرب مدينة الموصل. وقد اشار الى انه بعد اسبوع من اعمال العنف لجأ الكثير من العائلات المسيحية الى بلدته. وقال "لا يمكنك العيش في الموصل. ففي كل يوم يتعرض مسيحيون للقتل". واعرب عن اعتقاده انه منذ العام 2003 غادر ثلاثة ارباع المسيحيين الموصل التي كانت على مدى التاريخ مركزا لممارسة العقيدة المسيحية للاشوريين الكلدانيين في العراق. وقال ايضا "القلة هم الذين يتوجهون الى الكنيسة الان. ولا بد للنساء من ارتداء الحجاب. ويقومون بارسال شخص في سيارة للتاكد مما اذا كان هناك شخص ما يتربص بهم خارج الكنيسة".
وقال ويليام ورده، وهو مسيحي من دعاة حقوق الانسان في بغداد، ان المشكلة هي انه على الرغم من تحسن الاوضاع المدنية في العراق، فان مئات الالاف من المسيحيين فروا في ذروة اعمال العنف من مساكن اجدادهم في شمال البلاد، التي اصبحت الان اكثر المناطق عرضة للهجمات. ولا يزال الباقون في بغداد التي كانت تعيش فيها جالية كبيرة قبل الحرب يتعرضون للهجمات ضدهم. فحي "الدوره"، الذي شهد اشتباكات طائفية كبيرة، كان يضم 4 آلاف عائلة مسيحية في العام 2003. ويكاد يكون معظمهم قد غادروا الحي بلا عودة. واوضح تقرير لهيئة "هيومان رايتس ووتش" نشر الشهر الماضي ان ثلثي المسيحيين وقد بلغ عددهم مليون نسمة في العراق في العام 2003 غادروا الان مساكنهم. ونصف هؤلاء غادر البلاد نهائيا.
وفي كنيسة "سيدة النجاة" وقفت منال مطروب (30 سنة) أمس لتشاهد شجرة عيد الميلاد عندما اضيئت انوارها وقد امتلأت نفسها بالسعادة. وقالت انها اوقات صعبة لكنها "جعلتنا على وجه التأكيد اكثر قوة".
وقال الراهب الاب وسيم صبيح ان "للمسيحيين وضع خاص، فهم ليسوا ضعفاء ولكنهم يؤمنون بمقولة أحب جيرانك، وهو ما قد يفسره البعض بانه دليل ضعف. ونحن باعتبارنا نمثل الكنيسة، فاننا نرفض السلاح".
الا ان هناك رجالا مسلحين على بوابات الكنيسة، ويضيف "لا يمكننا ان نعيد الذين غادروا، غير ان بامكاننا ان نحاول الابقاء على الذين لا يزالون هنا".