وقال الكاتب البريطاني فريد هاليداي في ختام المؤتمر الدولي حول الإرهاب الذي استضافه المعهد الملكي للخدمات المتحدة في العاصمة البريطانية لندن وهو معهد متخصص في شؤون الأمن والدفاع ومعروف بقربه من المؤسسة العسكرية البريطانية، إن منطقة الشرق الأوسط ترف تحولات وتحديات يصعب حتى التعامل معها.
واعتبر هاليداي أنه وعلى امتداد ذروة الصعود الإمبراطوري والإمبريالي البريطاني لم يظهر العالم الإسلامي في احتكاك وأزمة مع بريطانيا مثلما هو عليه الوضع اليوم، ما عدا الاحتكاك النسبي في أفغانستان خلال غزوها منذ حوالي قرنين.
ونبه الخبير البريطاني إلى أن المنطقة تشهد صعودا متناميا لقوى جديدة على غرار حركة الإخوان في سوريا التي تمثل البديل الوحيد للنظام السوري البعثي، إذ أن شعبية الإخوان بحسب تقديره تفوق شعبية حزب البعث الحاكم بكثير، كما أن الطبقة الوسطى غدت ذات توجهات إسلامية، وتحدث عن الصعود الإيراني المتزايد في المنطقة، لا سيما في ظل تراجع العراق كقوة إقليمية.
واعتبر هاليداي في محاضرته الجمعة (10/11) أن هناك ثلاثة عناصر ملحوظة تطبع المنطقة في المرحلة الراهنة، وهي:
أولا: الثورة الإيرانية، إذ أن الصراع بين الثورة الإيرانية من جهة والسياسة الأميركية من جهة، والتي تمظهر في العلاقة بدول المنطقة بدءاً من العراق، ثم لبنان وسوريا ثم السعودية وفلسطين، بدا هذا الصراع في هذه المرحلة محسوما لصالح الإيرانيين.
إذ تحدث عن تجربة يومين قضاهما مع جماعة حزب الله في لبنان، وكيف كانوا يفتخرون بارتباطاتهم وولائهم لإيران، بل أشار الباحث إلى أن ليس هناك قيادي في حزب تحدث معه لم يقض فترة من حياته في إيران، كما تناول الارتباط الروحي الذي يبديه زعيم حزب الله بالزعيم الديني آية الله الخميني.
ثانيا: صعود التيار الإسلامي غير العنيف: إذ لاحظ الباحث البريطاني الذي له العديد من الكتب حول الشرق الأوسط، وله خبرة في المنطقة تعود إلى الستينيات من القرن الماضي، إلى جانب زيارته لجل الدول العربية هناك، لاحظ الصعود الإسلامي، لا سيما التيار الإخواني في مختلف الدول العربية من فلسطين والأردن إلى مصر والسعودية واليمن إلى تركيا ثم الصعود الملحوظ لحزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية، في المغرب التي قال إنها لا تبعد إلا عشرات الكيلومترات على أوروبا.
واعتبر هاليداي أن هذا التصاعد الإسلامي في العالم العربي لا يبدو أنه في تراجع وإنما في تزايد، وبالتالي فهو ينصح بالتفكير جديا في التعايش ولما لا التحاور مع هذه الظاهرة.
ثالثا: توسع التيار الجهادي: لفت هاليداي إلى ظهور تيارات عنيفة في بعض الدول العربية، على غرار حزب الله في لبنان، والتيارات الجهادية في كل من العراق واليمن والسعودية. غير أن الباحث البريطاني نبه إلى أن هذه التيارات ليست كما يصورها بعض الغربيين بأنها تريد غزو العالم الغربي، وإنما هي تيارات رافضة للوجود والتأثير الغربي في بلدانها، وهي تطمح للإطاحة بحكامها. وأيد في هذا الخصوص ما وصل إليه الباحث العربي فواز جرجس من نتائج في كتابه حول الحركات الجهادية.
وحث الخبير البريطاني الباحثين الغربيين وصناع القرار فيه بأن يطلعوا ويدرسوا العالم العربي والإسلامي أكثر وأن يفهموه جيدا حتى يستطيعوا التعامل معه بالطريقة الأنجع، معيبا على الكثيرين من الغربيين عدم تعلم العربية أو الإطلاع على تاريخ منطقة الشرق الأوسط رغم وجودهم هناك.
وبشأن موضوع الإرهاب قال هاليداي إن الإرهاب في نهاية المطاف هو تواصل للعمل السياسي بوسائل مختلفة. وقال الباحث في هذا الصدد إن فهم المنطقة وتعقيداتها هو الذي سيمكن الغرب من فهم الإرهاب والتهديدات التي يمثلها.
وحدد الكاتب ثلاثة عناصر قال إنه لا بد من الوقوف عندها لفهم الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط.
أولا: رفض الباحث التعامل مع الإسلام كمفهوم مبسط مجمع عليه، مشيرا إلى أن العالم الإسلامي فيه اختلافات كثيرة. وحتى الدول التي تقول إنها إسلامية مثل إيران فإن الشعور العلماني والقيم العلمانية متجذرة في ثقافة الشعب الإيراني أكثر من أي شعب آخر في المنطقة. كذلك السودان فإن محاولة تنميط الدين كأيديولوجيا للدولة هي محاولة غير مجدية ولم تحق شيئا على أرض الواقع.
ثانيا: هناك شعور إقليمي متزايد ومثير للانتباه، يربط القضايا ببعضها. فصدام عندما غزا الكويت برر ذلك بأنها الطريق إلى القدس، محاولا ربط القضايا في المنطقة ببعضها البعض. اليوم يشير الباحث إلى أن هناك شعور مشترك يحرك الشارع العربي، وهذا الشعور لم يكن بهذه الحدة وهذا الانسجام. وقال هاليداي في هذا الصدد إنه حتى أفغانستان التي لم تكن تمثل شيئا لدى العالم العربي أصبحت تثير اليوم مشاعر العرب في المنطقة العربية، فالدول اليوم تنظر إلى بعضها والشعوب تتعاطف مع بعضها، ويقر الباحث إن هذا الشعور لم يكن موجودا بهذه الحدة في العقود الماضية، رغم خبرته الجيدة بالمنطقة.
ثالثا: هناك حالة إحباط تسود في العالم العربي، وحقد متزايد على الأنظمة، التي تتهمها شعوبها بأنها أنظمة فاسدة وعاجزة عن تحقيق طموحات مواطنيها. ونوه الباحث البريطاني إلى تزايد اهتمام الطلبة في الجامعات البريطانية بدراسات الشرق الأوسط، إذ يعمل هاليداي حاليا محاضرا دراسات الشرق الأوسط في جامعة لندن.
وانتقد الباحث الحديث النمطي على الديات، بما فيها الإسلام باعتبارها ديانات سلام ومحبة، مشيرا إلى أن فهم الدين يخضع في كثير من الأحيان إلى السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تسود في حقبة تاريخية ما.
واعتبر الباحث أن أي كتاب مقدس يمكن أن يؤول على أنه كاب دموي ويحث على الحروب، كما يمكن أن يؤول كدين سلام ومحبة. وقال في هذا الصدد إن فهم الإسلام اليوم في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن يعزل عن سياقات الواقع في تلك المنطقة، معتبرا بأن السياسة الدولية في تلك المنطقة كان لها الأثر الحقيقي في تشكيل الفهم والوعي بالإسلام، بشكل محدد، في إطار التفاعل والرد على تلك السياسات الدولية التي ينظر إليها في كثير من الأحيان على أنها ظالمة.
وفي الحديث عن الخلاصات من قراءة التحولات في منطقة الشرق الأوسط، اعتبر هاليداي أن المنطقة تعيش أوضاعا خطيرة وتنذر بمواجهات محتملة، غير مستبعد أن تشن إسرائيل حربها السابعة على ضد خصومها.
وتحدث الباحث في هذا الصدد عن حالة الانفلات التي تعرفها المنطقة، فقال لقد طالب الغرب إسرائيل بأن تشن الحرب الأخيرة وشنتها، وقال للفلسطينيين لا تنتخبوا حماس وانتخبوها، وقال لإيران أوقفي مشروعك النووي ولم تفعل.
وحذر الخبير البريطاني من جدية وخطورة التحولات في المنطقة التي قال إنها لن تكون سهلة ولا قصيرة الأمد. غير أنه استدعى ليطبع خاتمته بنوع من التفاؤل قولة السفير الأميركي في الاتحاد السوفياتي سابقا، التي ضمنها رسالته الشهيرة لإدارة البيت الأبيض، وقال فيها بعد أن تحدث عن خطورة الإمبراطورية السوفياتية "سنعيش إذا ما تمسكنا بقيمنا التي نعتقد فيها". ودعا هاليداي الغرب لضبط أعصابه في هذه المرحلة غير السهلة