القى الرئيس السوري بشار الاسد كلمة مساء السبت امام مجلس الشعب فيما يلي نصها:
أيها السيدات والسادة أعضاء مجلس الشعب أيها الاخوات والاخوة المواطنون، أخاطبكم في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ سورية والمنطقة بأحداثها الكبرى التي تعيشونها بفيض مشاعركم وغيرتكم على وطنكم وتثبتون مرة تلو المرة صدق ولائكم لقيمه وحرصكم على كبريائه وكرامته.
ولعل لقائي بكم اليوم في هذا الظرف الذي نمر فيه ينبعث من حرصي على أن تكونوا في صورة التطورات الاخيرة وعلى أن تطلعوا بصورة مباشرة على موقع بلدكم منها ،وعلى رغبتي في أن أقدم لكم اجابة عن تساؤلات عديدة تدور في أذهانكم ،وفاء لهذه العلاقة الحميمة، الشفافة معكم، وتوكيدا على حقيقة أساسية هي أن ما نقوم به من أعمال وما نتخذه من مواقف، أنتم مصدر الهامنا الأساسي فيه.
لقد عاشت سورية خلال العامين الماضيين في قلب مجموعة متشابكة من الاحداث والتطورات،الاقليمية والدولية التي تسارعت بصورة عاصفة، وفرضت ضرورة التعامل معها بقدر كبير من الاهتمام والحرص، وكان تسارع الاحداث بحد ذاته يفرض واقعا معقدا من ردود الافعال والآراء لدي قطاعات واسعة من المعنيين بالشأن السياسي يتوازى مع حملات اعلامية مكثفة ومنسقة وغير بريئة في كثير من الاحيان، خلقت تشويشا واسعا لدي الرأي العام العربي والمحلي، وطرحت تساؤلات كثيرة عن طبيعة التحديات واتجاهاتها وموقفنا منها.
وكانت أبرز القضايا التي تشغل بال العالم الراهن، أو تدخل في مخططات بعض قواه الكبرى، أو تحدد خياراتها السياسية، تمر عبر سورية بصورة مباشرة أم غير مباشرة، سواء قضية السلام في الشرق الاوسط أو الارهاب أو القضية العراقية أم تداعيات الوضع اللبناني.
وكنت قدمت في مناسبات مختلفة شرحا مفصلا لموقفنا ورؤيتنا لهذه الامور المتداخلة، لذلك فانني لست بصدد استعراض ما حدث، على ما فيه من معان ودلالات، ولكنني سأقف عند آخر التطورات فيها وأبين مواقفنا منها وتصوراتنا المستقبلية حيالها، وذلك من أجل أن يكون الجميع على بينة منها وأن يطلعوا على الجهود التي بذلناها للوصول الى نتائج مرضية.
وفي هذا الإطار، يمكن التأكيد على أن نهجنا السياسي ومواقفنا من الاحداث وتطوراتها، يقوم على قاعدتين أساسيتين.
الاولى، حماية مصالحنا الوطنية والقومية، من خلال التمسك بهويتنا واستقلالنا ووفائنا لمبادئنا وقناعاتنا، وكذلك توفير الظروف الملائمة لصيانة استقرارنا السياسي والاجتماعي باعتباره جزءا من استقرار المنطقة ككل، وتكريس ذلك لاستعادة أراضينا المحتلة.
الثانية، حرصنا في اطار العمل على تحقيق المسائل آنفة الذكر، على التعامل مع الاطراف المعنية بعقل مفتوح بعيدا عن الاحكام المسبقة، وبقدر كبير من الواقعية والمرونة والمسؤولية، مدركين طبيعة الظروف الدولية الراهنة خاصة في السنوات الاخيرة، ومعادلة الممكن والمأمول في سياق كل ذلك، أي التمسك بالحقوق وفي نفس الوقت التعامل بواقعية مع التحديات والتطورات الطارئة.
لقد كانت قضية السلام في قلب هذه الاحداث، وأرخت بظلالها على القضايا الاخرى، وشهدت هذه العملية تراجعا من حيث مناخها العام، خطوات الى الوراء، ليس بسبب تعنت إسرائيل ورفضها الاستجابة لاستحقاقات السلام فحسب، بل بسبب افتقاد الارادة المسؤولة عن تطبيق القرارات الدولية عندما يتعلق الامر باسرائيل، وعدم جدية الاطراف المعنية في المجتمع الدولي، بالنهوض بمسؤولياتها في هذا الاتجاه.
وفيما يتصل بنا، أكدنا في مناسبات كثيرة، على أن السلام في منطقتنا لن يتحقق ما لم تتم استعادة أرضنا المحتلة، وعلى أن كثيرا من المشكلات التي تظهر في الوقت الراهن، تجد بعضا من حلولها في ايجاد فرص سلام عادل يلغي أسباب التوتر والصراع وعوامل الاحباط والخيبة.
وطرحت سورية استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة، ولكن في المقابل أكدنا أن عدم وجود شروط على استئناف المفاوضات لا يعني اهدار المرجعيات والقواعد والقرارات التي يجب الالتزام بها وتطبيقها. ومرجعيتنا التي نستند اليها هي مرجعية مدريد المتضمنة لقرارات الشرعية الدولية ولم يكن مفاجئا لنا أن ترفض اسرائيل استئناف المفاوضات، وأن تضع هي الشروط تحت ذرائع مختلفة، وذلك تهربا من استحقاقات السلام.
بكل بساطة، لو بسطنا الامور، عملية السلام بحاجة الى متطلبات، أولها نية الاطراف المتصارعة بالوصول إلى السلام، ثانيها وجود راع نزيه وحيادي، ثالثها متطلبات تقنية كالمفاوضات والمرجعيات والمعايير، ما الذي ينقصنا اليوم، تنقصنا نية الطرف الإسرائيلي وهي غير موجودة على الاطلاق، ينقصنا اهتمام الراعي بشكل أساسي الولايات المتحدة، وهذا الكلام هم يعلنونه وليس توقعات البعض، وأيضا المعايير غير موجودة.
باعتقادنا فان عملية السلام ستبقى متوقفة في المدى المنظور، ولكن حتى ذلك الوقت لا يجوز ان نتوقف عن الحديث عن عملية السلام وعن إبداء رغبتنا المستمرة بالتوصل الى السلام، لذلك نحن مع اصدقائنا الاوروبيين وغيرهم من الدول في هذا العالم المعنية والمهتمة بعملية السلام نتابع معهم الحوار بهدف معرفة أخطاء الماضي، ووضع تصورات المستقبل، وعندما تتغير كل هذه الظروف نستطيع ان ننطلق باتجاه عملية السلام.
طبعا إسرائيل طرحت أو دائما تطرح بأنها مستعدة للعودة الى المفاوضات من دون شروط، الكثير من الوفود الاجنبية التي تأتى الينا في سورية، تقول ما هي الشروط السورية، وعندما نقول لا توجد شروط فهم يفاجؤون، يقولون لكن اسرائيل تقول بأن لديكم شروطا، الهدف هو أن يكون العالم في تصور بالنسبة لاسرائيل أنها مستعدة لعملية السلام، لكن المشكلة هي في الشروط التي تضعها سورية وهي العائق.
الحقيقة ان هذه الشروط هي ما تقوله إسرائيل أي العودة إلى نقطة الصفر نحن نتحدث عن استئناف المفاوضات ،والاستئناف يعني ان نتابع من حيث انتهينا، هم يريدون العودة الى نقطة الصفر، نقول لهذه الدول وهذه القوى الدولية التي تأتي وهذه الشخصيات الدولية، كيف يمكن ان تقولوا انكم تريدون السلام وبنفس الوقت تقولون لنا اختلفوا على ما اتفقتم عليه. اذا أردنا ان نصل للسلام لابد من ان نتفق على النقاط المختلف عليها، والإسرائيليون يريدون العودة الى الصفر. وهذا يعني عدم جدية من قبل الإسرائيليين وعدم مصداقية لان كل حكومة في إسرائيل تأتي فتقول انه لا علاقة لها بالحكومة التي سبقتها. فأكدنا نحن أننا مستعدون للمفاوضات من دون شروط وبحسب قرارات مرجعية مدريد وهذا يعني أننا نبدأ من حيث انتهت المفاوضات الاخيرة في التسعينيات.
كما أكدنا فيما يتصل بالساحة الفلسطينية على الوحدة الوطنية الفلسطينية من خلال حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة في اطار الحل الشامل. أما بصدد المسالة العراقية فان مواقفنا كانت ولا تزال تنطلق من اعتبارنا وتقديرنا لمصالحنا الوطنية، ومصالح الشعب العراقي، حيث عارضنا الحرب كما عارضها كثيرون على امتداد الوطن العربي والعالم، وكان لنا في معارضتنا أسبابنا الوطنية والقومية والاستراتيجية، لاننا كنا نرى أن هذه الحرب ستؤدي الى حالة من الفوضى والاضطراب، ليس في العراق وحده، ولكن في المنطقة كلها، وانها ستطالنا بتأثيراتها المباشرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا . انطلاقا من ذلك ،كان استقرار العراق والمنطقة يقع في بؤرة اهتمامنا ومشاغلنا، لذلك عبرنا عن حرصنا على الحوار الوطني في العراق ،وكنا من اوائل من دعا الى إجراء الانتخابات على قاعدة وطنية لا يستبعد منها أي طرف.
وهنا وضعنا أولويات واضحة بالنسبة لموضوع العراق، لكي يفهمها الجميع، الأولوية الأولى هي وحدة العراق، وهي أهم شيء بالنسبة لنا لانها لا تمس العراقيين فقط وانما تمس سورية، تمس الامن القومي والوطني في سورية بنفس المقدار. الأولوية الثانية هي الانتخابات وهذه الانتخابات المقصود بها التصويت على الدستور. لا أقصد فيها انتخابات بمعنى الانتخاب الحر انما التصويت على الدستور، وهذا الدستور سيعطي مؤسسات، واي دستور في العراق لا يكون عليه اجماع من قبل كل العراقيين فهذا يعني تفكيك العراق وحربا أهلية. وأيضا سندفع الثمن. فإذا البند الثاني مرتبط بالبند الأول ... الوحدة بحاجة لاستقرار وبحاجة لحوار وطني وبحاجة لدستور عليه اجماع من قبل العراقيين .. النقطة الثالثة أو الاولوية الثالثة وهي الاستقلال والاستقلال بشكل الى يعني انسحاب القوات الاميركية الغريب أن معظم الوفود الاميركية التي استقبلناها تحدثت بنفس الاولويات فكنا نقول لهم اذا أين الخلاف،. هم يتحدثون عن حرصهم على وحدة العراق وموضوع الدستور، والذي جرى التصويت عليه بشكل ديمقراطي وأيضا كانوا يقولون نحن لانريد ان نبقي بشكل مستمر في العراق، بالنسبة لنا موضوع الاحتلال هو موضوع مبدأ، أما الاليات فقد كنا نقول لهم ان الموضوع يدرس مع العراقيين وليس مع الآخرين. وفي مقابل ذلك، فقد أخذت الاتهامات تتوالى نحو سورية، تارة تحت ذريعة التدخل في الشؤون العراقية وتارة اخرى تحت ذريعة عدم ضبط الحدود ومنع المتسللين الى العراق، وتارة ثالثة تحت ذريعة ايواء أنصار النظام السابق بالرغم من اننا قمنا بكل ما من شأنه ان يحفظ استقرار العراق ضمن الامكانات المتاحة من ضبط للحدود ورفض لاستخدام الأراضي السورية للتدخل في الشؤون العراقية وتأييد للعملية السياسية الجارية فيه .
تذكرون قبل حرب العراق كانت هناك اتهامات لسورية بأنها ترسل أسلحة الى بغداد ،أو كما يقولون للنظام في العراق، قلنا لهم في ذلك الوقت اعطونا معلومة واحدة تدل على هذا الشيء، ونحن بالنسبة لنا هذا مخالف للقانون وسنقوم بمحاسبة من يقوم بهذا العمل . الحقيقة لم يعطونا أية معلومات.
أتى باول بعد الحرب بثلاثة اسابيع وقلت له الان اصبحتم موجودين في بغداد ولديكم الوثائق فتفضلوا وأعطونا وثيقة واحدة تدل على هذا الشيء. طبعا لم يأتنا أي شيء من المطلوب. تحدث في ذلك الوقت، ولم تكن المقاومة قد بدأت في العراق، حول ضرورة ضبط سورية لحدودها فقلنا له في ذلك الوقت هذا مستحيل. يعني في الثمانينيات، كانت تأتينا سيارات شاحنة كبيرة معبأة بالمتفجرات وتصل الى قلب دمشق وتنفجر في أماكن مختلفة وتقتل المئات والعشرات ،ولم نكن قادرين على ايقافها. فكيف نستطيع الان أن نمنع اشخاصا مشاة يدخلون على الحدود، هذا الكلام غير ممكن وخاصة أننا على الحدود العراقية لانمتلك التقنيات العالية الموجودة في الدول الاخرى لضبط هذه الحدود. لاحقا أتى وليام بيرنز في صيف /2،3/ وسمع نفس الكلام، بعدها حصلت فترة انقطاع طويل مع أي وفد أميركي ماعدا وفود الكونغرس ولكن التقينا بعدد من الوفود العراقية التي تمثل مجلس الحكم ولاحقا الحكومة المؤقتة ،وكان دائما هناك عتب بيننا وبينهم حول نفس الموضوع. وقلنا لهم اننا نسمع من خلال الاخبار أنكم القيتم القبض على مجموعة أتت من سورية او على سوري، فلماذا لا تعطون الاسماء،. وجواز السفر، وهل هو مزور، هل هو حقيقي، وكيف وصل هذا الشخص الى العراق،. أين حصل الامداد، تقولون انه أتى من دول اخرى وعبر سورية، لابد من نقاط امداد سواء مال، منامة، طعام، والى آخره، سموها امدادا لوجستيا.
كانوا يقولون سنقوم بهذا الشيء ولكن لم تأتنا حتى الآن اية معلومة عن أي سوري او شخص ذهب الى العراق. لا نقول ان الحدود مضبوطة، كما قلت لا احد يستطيع في العالم ان يضبط حدوده. حتى الوفود الاميركية تقول لنا نحن لا نستطيع ان نضبط حدود أمريكا مع المكسيك، لكن المطلوب منكم ان تضبطوا حدودكم . فالمعادلة صعبة .
في الزيارة الاخيرة لوفد برئاسة/ وليام بيرنز/ في شهر ايلول الماضي كان وفد من وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ومن المخابرات ومن الجيش تحدثوا معنا بشكل واضح وقالوا نريد ان نعرف رغبة سورية. هل سورية تريد التعاون،. فقلنا لهم نحن من العام/1974/ عندما عادت العلاقات مع الولايات المتحدة الاميركية، تذكرون في زيارة الرئيس نيكسون الى سورية في عام/1974/ قال له الرئيس /حافظ الاسد/ نحن نريد احسن العلاقات مع امريكا، وكنا خارجين من حرب تشرين، وكان هناك اتحاد سوفييتي والظروف كلها كانت مختلفة. فمن غير المعقول اليوم ان نقول اننا لا نريد علاقات جيدة. أما عن التعاون فعلينا ان نفرق بين الرغبة في التعاون والامكانيات . لايعني اذا كان لديك رغبة انك تمتلك الامكانيات، ومع ذلك لانريد ان نقول ما هي السيناريوهات المطروحة، نحن سنترك الامر عندكم. اطرحوا سيناريوهات، ماذا تريدون،. قبل عدة ايام كان وزير الداخلية العراقي قد اتى الى سورية واستقبلته انا وقال لي ان الاميركيين سيطرحون اتفاقية ثلاثية للتعاون الامني لضبط الحدود بين سورية والعراق والقوات الاميركية، طبعا. قلنا نحن مستعدون. طبعا طرحوا هذا الموضوع في اللقاء وقلنا لهم نحن مستعدون، لكن ربما كان البعض منهم لا يريد ان يسمع هذه الكلمة، غالبا يريدون منا ان نقول دائما لا فقلنا لهم نحن جاهزون، ضعوا السيناريوهات وكل هذه التفاصيل. وارسلوا المعنيين الى سورية ليلتقوا بالمستويات المختلفة من المؤسسات الامنية او الجيش أو غيره لنضع خطة تنفيذ . طبعا حتى هذه اللحظة لم يأت احد منهم. الشيء الوحيد الذي يطلب منذ فترة ،من وقت لاخر ،هو عبارة عن لوائح باسماء معظمها لا نعرف من هم. وثبت ان بعض الاسماء فعلا كانت موجودة وتم طردها وهذا الكلام تردد حتى خلال الحرب. هناك أسماء أتت الى سورية كانت جزءا من النظام وطردت ولا يشعر الانسان بالندم لانهم من الاشخاص المسؤولين عن الجرائم التي حصلت في سورية في الثمانينيات، فهؤلاء الاشخاص ،نحن في ذلك الوقت اما طردناهم عند الحدود أو علمنا بدخولهم الى سورية فطلبنا منهم الخروج واخرجوا. أما بقية الاسماء فكنا نقول لهم بأنكم ترسلون أسماء لاشخاص لا نعرف شكلهم ولا نعرف من هو هذا الشخص أو ذلك . والان هناك في العراق فوضى، ربما يكون هؤلاء الاشخاص موجودين في سورية لكن بأسماء مزورة، فنحن بحاجة للمزيد من المعلومات.
طبعا الهجوم الاعلامي كما تلاحظون مستمر ولا يتوقف، ولا اعتقد أن له علاقة بالتعاون السوري لاننا لم نطرح أي شرط . بالنسبة لنا نحن لنا هموم في العراق هي الوحدة كما قلت والاستقرار، وعلينا ان ننتظر.
أيها الاخوات والاخوة،
لاشك أن الوضع اللبناني باشكالياته المعقدة، يشكل أبرز الاحداث الضاغطة في هذه المرحلة. ولست هنا في مجال البحث في الماضي ولا الدخول في تفاصيل الاحداث التي شهدها لبنان أو العلاقات السورية / اللبنانية ولكنني سأتوقف عند تداعيات القرار /1559/ وموقفنا منه .
حيث شهدت الساحة اللبنانية، منذ صدور القرار المذكور سجالا حادا حوله، لانه خلق، بحيثياته المختلفة، حتى لدى مؤيديه، مشكلات جدية من حيث المنعكسات السلبية التي يمكن أن تنجم عن تطبيقه على لبنان واستقراره دون وجود اليات مناسبة وفي حال لم يراع الظروف الموضوعية لتطبيقه.
وعلى الرغم من ملاحظاتنا على القرار /1559/ من حيث هو تكريس لتدخل بعض الاطراف الدولية تحت عنوان سيادة لبنان، فقد كان قرارنا التعامل معه بايجابية في ضوء حرصنا على استقرار لبنان ووحدته.
أريد أن اجرى بعض الإضاءات على بعض النقاط. اذا أردنا أن نأخذ قرارا علينا أن نعرف لماذا نأخذ القرار، على أية أرضية نسير وسأعطي بعض الإيضاحات أو الاسس لكي نفهم أين نحن .
معظمكم قرأ المقابلة التي أجراها الرئيس الأميركي مع احدى الصحف الفرنسية والتي يقول فيها بأن الرئيس الفرنسي طلب منه اعداد أو تحضير مشروع لاخراج سورية من لبنان في شهر حزيران. هذا يؤكد ماقلته أمام مؤتمر المغتربين بأنه لا علاقة بين هذا الموضوع والتمديد. ولاحظتم أن أحدا لم يعد يتحدث بالتمديد . البعض من القوى المعنية بموضوع التمديد سلبا، أرسلت أخبارا رسمية مؤخرا، هذا الموضوع أصبح وراءنا، هم يبحثون عن شيء اخر.
الذي اكتشفناه في الاشهر الاخيرة أن جزءا من مضمون القرار /1559/، بعض البنود المعلنة وبعض البنود المخفية، هي محضرة أو بدىء بالتحضير لها بعد حرب العراق مباشرة، ولا أتحدث عن فكرة القرار وانما اتحدث عن بعض المضامين وسنمر عليها لاحقا.
النقطة الثانية، كما قلنا عندما صدر القرار بأنه مخالف لميثاق الامم المتحدة، وبأنه انتقائي وبأنه لم يأت بطلب من الدول المعنية، ولكن بما أننا نعيش في عالم ليس فيه قانون، ولا فيه ميزان عدل فهذا الكلام هو مضيعة للوقت، يعني نعرفه ولكن ليس أساسا نسير عليه، لكن فقط للذكر والتذكير.
النقطة الثالثة، من مباديء السياسة السورية هي أنها داعمة للامم المتحدة. لا يمكن لسورية أن تكون في أي ظرف من الظروف، معارضة أو في مواجهة الامم المتحدة.
النقطة الرابعة، بالنسبة للقرار /1559/ هو عدة بنود. البند المرتبط بسورية هو بند الانسحاب، بعكس الصورة الموجودة لدى الجميع الان، بأنها هي المشكلة الحقيقية هذا البند هو البند الابسط، لان سورية ليست ضد الانسحاب كمبدأ، فنحن بدأنا بالانسحاب منذ عام /2،./ أي عندما نتحدث عن الانسحاب هل نحن، هل أي أحد فيكم أو في سورية يقول بأننا نريد أن نبقي في لبنان،، هذا الكلام غير موجود. فاذا هذا البند هو الابسط وليس المشكلة. البنود الاخرى هي مشكلة، وهي مشكلة بالنسبة للبنان. يعنى ستعيدنا الى الوراء، ربما الى الثمانينيات أو إلى المرحلة التي سبقتها.
النقطة الخامسة، التقرير الذي سيصدر، اعتقد في شهر أيار أو نيسان المقبل، هو الذي سيحدد توجهات هذا القرار، أي لا نستطيع ان نقول الان ان هذا القرار هو سلبي أو إيجابي . ان راعي العوامل الموضوعية فهو غير سلبي، ان لم يراع هذه العوامل الموضوعية سيتحول الى مشكلة في لبنان وربما في المنطقة. والنقطتان الاساسيتان في هذا التقرير تتعلقان باليات الانسحاب وبموضوع المقاومة، المقاومة اللبنانية.
النقطة السادسة، انسحاب سورية من لبنان لا يعني غياب الدور السوري، فهذا الدور تحكمه عوامل كثيرة، جغرافية وسياسية وغيرها، بالعكس تماما، نكون أكثر حرية وأكثر انطلاقا في التعامل مع لبنان .
أيضا النقطة السابعة . هي ما قلته أنا في أحد اللقاءات /مع محطة فرنسية/ مع التلفزيون الفرنسي عام /2،1/ عندما سئلت عن وضع القوات السورية في لبنان فأجبت بشكل واضح أن المكان الطبيعي للقوات السورية هو في الاراضي السورية. يعني هذه مباديء، لكي لا يتهمنا أحد، ولان التفسيرات والتشويهات كثيرة الان. أريد ان أذكر هذه النقاط لكي يسمعها الجميع على الاعلام، لمن لايعرف، أو يشك بغير ذلك.
لا يجوز أن نبقى يوما واحدا ان كان هناك اجماع لبناني على خروج سورية، لا يجوز أن تكون سورية في لبنان موضع خلاف أو انقسام، لان سورية دخلت لمنع التقسيم فلا يجوز أن تكون هي موضع انقسام اللبنانيين. هذه من الثوابت .
النقطة الاخيرة، الانسحاب لا يمس المصالح السورية، بالعكس الانسحاب يعزز المصالح السورية بمعزل عن الظروف الحالية. ولذلك ابتدأنا الانسحاب منذ خمس سنوات وسحبنا أكثر من /63 /بالمئة من القوات، وهذا الشيء ربما الكثير من السوريين لايعرفونه، كان عدد القوات أربعين الف جندي فأصبح الان أربعة عشر الفا، وطبعا لا أحد يذكره اما عن عدم معرفة وغالبا في كثير من الاحيان في وسائل الاعلام، عن قصد . لذلك نريد أن نؤكد على هذه النقطة لانهم يريدون أن يظهروا أن سورية تنسحب تحت الضغط، هذا هو المحور بالنسبة لهم.
الان أتحدث عن لقاءات لارسن مبعوث الامم المتحدة وبعض المسؤولين الاخرين الذين زاروا سورية مؤخرا. ملخص هذه اللقاءات، كانوا يبدؤون بالسؤال كيف ستتعاملون مع القرار /1559/ فكنا مباشرة نعطي جوابا واضحا، سوف نتعامل بايجابية، بالرغم من التحفظات سوف نتعامل بايجابية . وكنا نشرح لهم كيف بدأت سورية بالانسحاب في عام /1999/، في بداية /1999/، بعد استلام الرئيس لحود ببضعة اشهر كان واضحا ان الجيش اللبناني أصبح قويا والمؤسسات الامنية والاستقرار في لبنان قطع أشواطا كبيرة، فبدأنا نفكر في سورية، بأن الانسحاب اصبح الان ضرورة. وضعت الخطط في ذلك الوقت وبدأنا بالانسحاب الاول اما في نهاية /1999/ أو في عام/2،./، لا أذكر بالضبط، ولكن في هذه الفترة. طبعا هذا ما كنت اشرحة للموفدين .
كنا نرتب مع المؤسسات اللبنانية المعنية وننسحب ومن ثم نرتب وننسحب بشكل تدريجي، وتعرفون أننا قمنا بأربعة انسحابات قبل صدور القرار /1559/ والانسحاب الخامس كان في شهر أيلول، والشيء الايجابي أن هذه الطريقة في الانسحاب أبقت الاستقرار في لبنان، وكان الوضع مطمئنا الى حد كبير. فإذا كنا نقول لهم نحن لا توجد لدينا مشكلة في القرار /1559/، ولا نعتبر أنه ضد مصالحنا. هو يتحدث عن الانسحاب. واتفاق الطائف الذي تلتزم به سورية وتدعمه ودعمته دائما، فيه انسحاب والطرف السوري دائما يتحدث عن انسحاب، والتطبيق على الواقع فيه انسحاب. فإذا لا توجد مشكلة بيننا وبين الامم المتحدة، أو بيننا وبين القرار /1559/، لا توجد مشكلة في المبدأ. المهم هو الآليات، ما الفرق بين الطائف وبين القرار /1559/،. الطائف لديه آليات، والقرار /1559/ لم يطرح آليات.
قالوا /انسحاب/، وكل دولة في العالم الان تفسر بطريقتها، البعض يريد الانسحاب بمفعول رجعى ربما قبل /1976/ ، الله أعلم.
نحن طريقتنا هي الانسحاب التدريجي المنظم بالتنسيق مع المؤسسات اللبنانية . ان كنتم أنتم كأمم متحدة تعتقدون بأننا يجب أن ننسحب فورا بالرغم من أى سلبيات تنعكس على لبنان فتحملوا المسؤولية. نحن لا نقول لا، انتم تحددون، انتم امم متحدة ،لكن حددوا هذا الشيء، انتم لم تحددوا.
طبعا، هم بتوجهاتهم كلهم لايريدون الاستقرار. قالوا نحن نريد الاستقرار، فقلنا جيد، كيف تريدون الاستقرار،. وأنتم قلتم بأنكم أتيتم للتعاون، طبعا الاجواء كانت ايجابية جدا في هذه الحوارات. هناك رؤية قريبة جدا من رؤيتنا، وكانوا يحاولون ان يجدوا الربط بين الاستقرار وبين تطبيق القرار/1559/ فقلنا لهم النقطة الاولى للتقرير، التقرير هو الذي سيحكم هذا الشيء. ان كان التقرير سيخضع لمزاجيات البعض في العالم فنحن نضيع وقتنا بأي أمل ايجابي أو تفاؤل، أما ان افترضنا بأن التقرير سيبني على القرار بمعزل عن المزاجيات، فعلينا أن نعطي ثلاث اجابات لثلاثة أسئلة.
السؤال الاول، كيف ستجدون التوافق أو الارضية المشتركة بين القرار /1559/ وبين الاستقرار،. هنا يأتي الجواب من خلال الآلية.
السؤال الثاني، كيف ستجدون التوافق أو الارضية المشتركة بين القرار /1559/ وبين السيادة،. لان هذا القرار صدر من أجل سيادة لبنان، والسيادة عادة تمثلها الدولة. ماذا لو قامت هذه الدولة بمطالبة الامم المتحدة بشيء معين هي ترغب به. هل تلتزمون به أم لا، وبالتالي ما هو تفسير السيادة، فسروا لنا السيادة، من يحدد السيادة،. السؤال الثالث، كيف تجدون التوافق بين القرار /1559/ واتفاق الطائف، لان اتفاق الطائف أولا مذكور في هذا القرار، ثانيا لانه معترف به بشكل رسمي من قبل الامم المتحدة.
ان وجدنا أجوبة موضوعية لهذه الاسئلة الثلاثة، يصبح القرار قرارا يحقق الاستقرار ويخدم سورية ولبنان والمنطقة. لا يجوز أن ننظر للقرار على انه شر مطلق أو شيء سلبي، الحقيقة هو الان في المنطقة الرمادية بحسب الآليات، أو بمعنى بحسب ما يستخدم. سيعود لارسن الى سورية قريبا، أعتقد خلال عشرة ايام لنتابع الحوار. وكما لاحظتم خرج لارسن وتحدث بشكل ايجابي عن الطائف وعن اتفاقية التعاون وعن العلاقات التاريخية. وبدأ التصعيد بعدها مباشرة، كان المطلوب على مايبدو أيضا فشل مهمة لارسن.
أيضا المبعوثون الاخرون الذين زاروا سورية من الاوروبيين كانوا بنفس الاجواء تماما. تحرك اخواننا العرب، من خلال الزيارات المتبادلة والاتصالات وغيرها. وكان هناك توجه أيضا ضمن الصورة الخاطئة الموجودة الان في العالم بأن سورية في ورطة في موضوع الانسحاب، وعلينا أن نوجد لها المخرج. يريدون حفظ ماء الوجه فقلنا لهم أولا القوات السورية يحفظ ماء وجهها ان نجحت في مهمتها، وهي نجحت في هذا الموضوع في عام /199./، وبالتالي ماء الوجه محفوظ.
ما هي تصوراتكم، البعض تحدث بخجل أو بحياء معنا عن الطائف، وكأننا نرفض الطائف. قلنا له اذهب وقل عن لسان الرئيس لكل المسؤولين نحن مع الطائف ومع القرار /1559/ ، ومع الانسحاب كمبدأ منذ زمن طويل، فاذا لا توجد مشكلة في هذا الموضوع. لدينا مصلحة في الانسحاب، لماذا، لماذا بدأنا في الانسحاب، لو عدنا الى عام /2،. / أو نهاية عام /1999/ لدينا مصلحة لان القوات أنهت مهمتها في نهاية العام /199. / واستمرت للتأكد من حفظ الامن،أي أكثر من ثماني سنوات. في الحقيقة اخر طلقة أطلقت عندما توحدت بيروت نهاية عام /199. / بعد حوالي عشر سنوات عندما تبقى القوات موجودة من دون عمل وخارج المعسكرات وفي دولة اخرى، من الطبيعي أن تتراجع الجاهزية وتصبح القوات غير قادرة على تنفيذ مهامها على الشكل الامثل، وتتحول الى عبء مادي، القوات المسلحة مصاريفها كبيرة جدا، تتحول الى عبء سياسي. هذا شيء طبيعي ومنطقي لو كان في أي بلد في العالم، ولكن يضاف عليها الان هذه المصلحة. البند الرابع وهو الرغبة الجماهيرية التي أراها الان وأنا في الحقيقة تأخرت في هذا الخطاب بشكل مقصود كان لابد من رصد الاحداث ومن رصد تساؤلات الناس ومن رصد رغبات الناس، الان أرى اجماعا حول هذه النقطة.
فاذا أصبح لدينا عدة بنود بالنسبة لهذا الموضوع تحقق المصلحة السورية، طرحناها على الاخوة العرب وأوضحنا لهم هذا الموضوع، لكن أنا أيضا أريد أن ادخل في بعض التفاصيل لاننا في ظرف خاص جدا، ربما لا تكون ضرورية لكن أريد ان أتحدث بها، هي عن كيف يشوهون موقف سورية بالاضافة الى الاشياء التي ذكرتها، أي أن هناك بعض وسائل الاعلام كما تلاحظون تقوم بهجوم مركز على سورية. التركيز الأساسي على أن سورية متمسكة بالبقاء ولا تريد ان تترك لبنان، أنا أسالهم سؤالا وأتحدى أي واحد من هؤلاء أن يعطينا الجواب. اذا كنا متمسكين والان نخرج تحت الضغط لماذا خرجنا في عام /2،. / أو بدأنا بالخروج،. ولماذا نفذنا أكثر من /6./ بالمئة من الانسحاب بشكل طوعي وبرغبة سورية وبارادة سورية،. لم تكن هناك ضغوطات ولم تكن هناك مطالبات ولاشيء، اذا استطاعوا أن يعطونا الجواب سنرفع لهم القبعة كما يقال باللغة الفرنسية.
أيضا في نفس الاطار يظهرون سورية متضررة من الانسحاب. كما شرحت قبل قليل لنا مصلحة بشكل عام في هذه الظروف وفي ظروف سبقتها. لو كانت كل الامور جيدة كنا سنستمر بشكل طبيعي.
البعض أيضا في وسائل الاعلام يتحدث وينظر ما هي الاوراق التي تمتلكها سورية في وجه الامم المتحدة والعالم. لم أسمع بأن سورية حاولت في يوم من الايام أن تمتلك اوراقا في وجه الامم المتحدة، ولا أعتقد بأن أية دولة في العالم / حتى الدول العظمى / تستطيع ذلك وتجربة العراق واضحة. حتى أكبر دولة في العالم عندما تسير بعكس ارادة المجتمع الدولي كيف تخسر الكثير وتفشل .
في الايام الاخيرة الماضية ايضا حاولوا أن يدسوا بالنسبة للقاءات بيننا وبين المسوولين العرب، وضعوا صورتين بأن سورية تذهب لتستجدي النجدة من المسؤولين العرب، وبأنهم يضغطون على سورية أو يرهبونها أو ربما يقنعونها، لنوضح هذه النقطة، لارسن أتى مرتين الى سورية، المرة الاولى كانت في نهاية عام /2،4/، قلنا له نحن سنتعاون. أتى الينا في الشهر الماضي فقلنا له نحن عندما تكون الرؤية واضحة لديكم نحن مستعدون مباشرة للقيام بالانسحاب، أي ان هذا كله سبق كل اللقاءات مع المسؤولين العرب.
عندما نلتقي مع مسؤول عربي نحن نحترم بعضنا بعضا، نشرح له وجهة نظرنا، نقول له نحن سنقوم بهذا العمل. نشرح له بأننا نحن لسنا ضد الطائف ولسنا ضد القرار /1559/، وكل المسؤولين العرب كانوا متفهمين تماما لموقف سورية وداعمين، وليس كما يصور في الاعلام.
ماذا نستجدي منهم ،. القرار /1559/ صدر. هل يستطيعون أن يعيدوا عقرب الساعة الى الوراء ،. فاذا أين المشكلة في القرار/ 1559/ ،. المشكلة ليست في بند الانسحاب. انتهينا من هذه النقطة، المشكلة هي اولا في بند المقاومة، وهي مشكلة على المستوى اللبناني، وستخلق مشكلة اذا لم تعالج بشكل جيد في التقرير المقبل. هناك البند المخفي ليس في القرار /1559/ وانما في استخدام القرار /1559/ في المستقبل، وهو بند التوطين. وبند التوطين مع بند المقاومة هما من الاشياء التي ابتدأت بعد حرب العراق.
ولو أردنا ان نرسم صورة وجدنا هذا الزخم بالنسبة للمسار الفلسطيني، اغتيال الرئيس عرفات، اغتيال الرئيس الحريري ربما ، الضغط على سورية، الوضع في العراق وكثير من الامور المتشابهة، لو ربطناها نشكل مشهدا. انتم تستطيعون ان تفهموا ماذا أقصد تماما.
لقد كانت الجريمة المنكرة التي ذهب ضحيتها الرئيس الحريري تستهدف وحدة لبنان واستقراره، كما تستهدف دور سورية ومكانتها في لبنان والمنطقة.
لذلك فاننا نؤكد أن الكشف عن الجناة وعمن يقف خلفهم، هو ضرورة سورية بمقدار ما هو ضرورة لبنانية.
ان هذه الجريمة أتت لتزيد من حدة التصعيد هناك، وليبدأ البعض سواء تحت تأثير الصدمة التي أحدثتها الفجيعة، أو بفعل مخطط مسبق مشبوه، أو بفعل سوء النية، باستخدام هذه الجريمة استخداما دنيئا من أجل تأجيج المشاعر العدائية ضد سورية وتصعيد الاتهامات نحوها. في كل جريمة هناك عدة احتمالات الا في هذه الجريمة لم يكن هناك الا احتمال واحد وهو سورية.
وأخذت بعض الاطراف الدولية تعمل بصورة غير مبررة، لاول وهلة، بالتنسيق والتحريض في اتجاه محدد. وبدأ اطلاق سهام غدر ونكران باتجاه سورية التي لم تبخل يوما في تقديم امكاناتها ودمائها لنصرة بعض من هؤلاء.ولكن سورية ستكون اكبر من ان تأبه بها او ترد عليها .
وهذا الكلام، لا يعني أن ممارساتنا في لبنان كانت صوابا كلها، بل لابد من الاعتراف بكل وضوح وشفافية، أن ثمة أخطاء ارتكبت على الساحة اللبنانية، حيث غرقنا في بعض التفاصيل والاجراءات، واندفعنا بعض الاحيان في علاقاتنا مع بعض اللبنانيين على حساب البعض الاخر، لاعتقادنا بأن التعامل مع الوضع الراهن يعزز الدور السوري في مساعدة لبنان على تحقيق الاستقرار، ولكن الواقع لم يكن كذلك، كما أن استغلال البعض لوجود القوات السورية لاعتبارات مصلحية ضيقة مادية أو سياسية أو انتخابية أو غيرها، أدى الى الكثير من التراكمات السلبية. وذلك دون أن ننكر دور المخلصين الاوفياء من الاشقاء اللبنانيين الذين وقفنا واياهم في خندق واحد في مواجهة أعداء لبنان وسورية، وعملوا معنا جنبا الى جنب من أجل خير لبنان وسورية.
اتفاق الطائف أنجز في عام /1989/، وفرض نفسه على القوى المختلفة في لبنان /الميليشيات/. البعض اقتنع بأن الدولة هي المكان الطبيعي للبنان، او هي الملجأ الطبيعي للبنان. والبعض الآخر لم يقتنع لكنه لم يستطع ان يقف في وجه التحولات في ذلك الوقت فدخل الى الدولة واعتقد بأن هذه الدولة من الممكن ان تكون هي الميليشيا الكبيرة التي يتقاسمها مع الاخرين، لمصالح مادية وسياسية. بالنسبة لنا في سورية بعد الطائف وبعد توحيد بيروت تحديدا، كانت الاولوية بالنسبة لنا هي السلم الاهلي. لم نكن ننتبه كثيرا لبعض الجوانب الاخرى. بالاضافة للاولوية الثانية، إطلاق العملية السياسية في ذلك الوقت، وكانوا مقبلين على انتخابات مجلس نيابي في عام /1992/ وكما قلت كنا نحاول ان نساير الجميع في ذلك الوقت، لاننا لا نريد مشاكل ونريد أن يكون الجميع مع الدولة، وفي المرحلة الاولى بعد الحرب كان البعض يقول دولة الميليشيا لبضع سنوات أمر ممكن، لكن هذا الوضع استمر زمنا طويلا وبدأ استخدام اسم سورية بشكل مباشر
البعض كان يقول انه حليف سورية ويستخدم علاقته مع سورية لمصالحه الخاصة.
البعض من اللبنانيين كان يطلق عليهم اسم تجار السياسة، أنا اسميهم تجار مواقف سياسية. طبعا التجارة، تجارة البضائع هي مهنة محترمة لكن تجارة المواقف السياسية هي كتجارة الرقيق منبوذة. فكان هؤلاء بالنسبة لنا تجار مواقف سياسية يبيعون ويشترون المواقف ويتقلبون بين يوم واخر واعتقد معظمهم معروف بالنسبة لكم .
عندما حصرنا الخيار باتجاه الدولة اللبنانية بدأت المشكلة مع هؤلاء،. وبدأ الحديث عن السيادة. طبعا الحديث عن السيادة شيء مشرف لاي كان يتحدث في بلده عن السيادة، وأي لبناني يتحدث عن السيادة فنحن معه في هذا الشيء. لكن أردنا أن نعرف ماهو نوع هذه السيادة التي يتحدثون عنها، فاكتشفنا انها ليست سيادة اللبنانيين على لبنان،. وانما سيادة أية دولة اخرى غير سورية على لبنان . هذه هي المشكلة بيننا وبينهم .
لذلك كما تلاحظون عندما يأتي أي مسؤول أجنبي الى بلدهم، الى لبنان، ويقف في أي مكان رسمي أو غير رسمي ويصرح في صلب أمورهم الداخلية يكونون سعداء. أما ان نقول كلمة واحدة في سورية أو نقوم بعمل واحد، فنحن ضد السيادة ومحتلون والى آخره .
طبعا هذه القوى بكل الاحوال يجب أن نعرف أنها جزء طبيعي من تاريخ لبنان، هي موجودة منذ أكثر من مئتي عام. هناك دائما في لبنان قوى تمد يدها الى الخارج وقوى وطنية، وطبعا الوطنية هي الاكثر. وهذه القوى التي تمد يدها الى الخارج فشلت في عدة مرات. فشلت في /1958/ أن تجعل لبنان جزءا من حلف بغداد، وفشلت في /1969/ أن تضرب المقاومة الفلسطينية، وفشلت في /1983 / ان تعطي الحياة لاتفاق /17/ ايار، وستفشل في كل مرة طالما أن هناك قوى وطنية سنقف معها بشكل مستمر. وهذا الكلام يدفعني لتأكيد حقيقتين أساسيتين. الحقيقة الأولى التي أكدتها مرارا، وهي أن لا مصلحة لنا في لبنان عندما يفتتح سوق الحسابات الرخيصة والمصالح الضيقة. واذا كان لنا من مصلحة فهي مصلحة قومية ذات طبيعة استراتيجية تتصل بأمننا القومي في سورية ولبنان. وقد حملنا مع أشقائنا أعباء هذه العلاقة في ضوء رؤيتنا وادراكنا لوحدة المصير المشترك الذي نتحمل مسؤوليته معا. أما وجود قواتنا السورية في لبنان فنحن فقط من يتحمل أعباءه.
الحقيقة الثانية، هي أن قوة سورية ودورها في لبنان ليس رهنا بوجود القوات السورية هناك، بل ان هذه القوة تتصل بحقائق التاريخ والجغرافيا والامتدادات السياسية والثقافية والروحية والانسانية. لذلك فاننا لا نريد للعلاقة مع لبنان أن تكون ضحية لاخطاء البعض، البعض غالبا من السياسيين .
فالمواطن اللبناني كان على مدى العقود السابقة00 الداعم الفعلي للدور السوري في لبنان وهو الذي بنى معنا فى سورية تلك العلاقة الصافية المبرأة عن أية مصلحة انية0 وأوجه كلمة لكل مواطن ولكل مواطنة سورية أن ما تشعرون به من مشاعر الخيبة تجاه النكران والغدر وعدم الوفاء فيما قدمته سورية للبنان هو لا يمثل الحالة اللبنانية00 هو يمثل مجموعات كلنا نعرف من هى هذه المجموعات ومن هو خلفها حتى في الكاميرات كانوا دائما يركزون على المركز لانهم اذا وسعوا ساحة التصوير سنكتشف أنه لا يوجد آخرون على المحيط0 فأرجو منكم أن لا نؤخذ ببعض ردود الافعال التى برزت في أوقات معينة00 والتي كان معظمها مخططا بصورة مسبقة 00 فقلب سورية الذي أعطى لبنان دما لا يمكن ان تمسه بعض الاساءات0
وستبقى سورية تقدم للبنان فى كل مرحلة لانكم عرب سوريون أبناء وأحفاد عرب سوريين0
ان رؤية جديدة للتعامل مع الاشقاء اللبنانيين يجب أن تسود0 وهذه الرؤية تنطلق من ضرورة توسيع العلاقة معهم وأن تكون على المسافة عينها مع جميع الوطنيين المخلصين وأن تتجه هذه العلاقة الى بناء قاعدة شعبية مؤسسية لها على المستوى التعليمي والثقافي والتربوي والاقتصادي والاجتماعى00 لتدعيم العلاقات الثنائية وحمايتها 0
العلاقة السورية اللبنانية الان هى بناء كبير ليس بناء صغيرا له نوعان من الاساسات00 النوع الاول00 صلب00 متين00 متماسك0 النوع الثانى00 متحرك يتحرك بحسب هذه الرمال الموجودة فى الاسفل0 علينا ان نستبدل هذه الاساسات غير السليمة والضعيفة بأساسات متينة وأن نوسع الاساسات مع كل الشرائح اللبنانية0
وانطلاقا من هذه الحقائق والاعتبارات00 واستكمالا للخطوات التى نفذت سابقا فى اطار اتفاق الطائف الذي يتماشى مع القرار/ 1559/00 سنقوم بسحب قواتنا المتمركزة فى لبنان بالكامل الى منطقة البقاع00 ومن ثم الى منطقة الحدود السورية اللبنانية واتفقت مع رئيس الجمهورية اللبنانية السيد /اميل لحود/ على أن يجتمع المجلس الأعلى السوري اللبناني في بحر الاسبوع الحالي لاقرار خطة الانسحاب0 وبانهاء هذا الاجراء تكون سورية قد أوفت بالتزاماتها حيال اتفاق الطائف ونفذت مقتضيات القرار /1559/0
ان كل ذلك لن يعنى تخلى سورية عن مسؤولياتها تجاه الاخوة والاصدقاء في لبنان الذين جمعتنا واياهم وحدة الهدف والارادة فى لحظات حرجة من تاريخنا المشترك بل ستبقى سورية حصنهم ومرجعهم وداعما لهم في كل الاوقات00 وستبقى معارك الشرف التى خضناها معا رمزا للتلاحم المصيري بيننا والذي سيتعزز في المستقبل بعون الله0 واقول لهم ان /17/ أيار الجديد يلوح في الافق فاستعدوا لمعركة اسقاطه كما فعلتم قبل عقدين ونيف 0
أيها الاخوات والاخوة00
أردت من هذه المعلومات والافكار التي قدمتها لكم أن أوضح ما قمنا به خلال الفترة الماضية وأن أبين حقيقة مواقفنا تجاه القضايا المطروحة00 خاصة وأن هنالك من يعتقد أن سورية تتعامل مع التطورات بتشدد وتعنت أو أنها لا تمتلك المرونة الكافية0 وفى الواقع00 وكما شرحت00 فان سياستنا تقوم على التعامل مع الاخرين00 سواء كانوا دولا كبرى أم صغرى00 على قاعدة الصداقة والاحترام المتبادل00 وعلى أن الحوار الموضوعي كفيل بحل جميع المشكلات القائمة0 طبعا كل ذلك لا يعنى أننا سنشعر بالامان قريبا00 يعنى ستسمعون الهجوم على هذا الخطاب مباشرة بعد الانتهاء من الخطاب00 لذلك قبل ان يقولوا لا يكفى سنقول لهم لا يكفى0
ولذلك وفى مثل هذه الظروف وطبعا في كل الظروف0 لكن خاصة في مثل هذه الظروف00 يجب أن نحاول دائما ان تبنى القرارات كمثل هذا القرار وغيره على قاعدة شعبية عندما نكون نحن متوحدون دولة وشعبا لن نخاف من أي شىء وهذا ما حرصت عليه0 وكما تلاحظون00 فقد كان طبيعيا أن تؤثر هذه الاحداث المتشابكة سلبا على أوضاعنا الداخلية وأن تضغط على أدائنا التنموي وعلى تفعيل عملية الاصلاح التي نقوم بها0 وذلك لا يعود فقط الى انشغالنا بهذه الاحداث وتفاعلاتها فقط00 بل يعود أساسا00 الى ما تخلقه من توتر فى المناخ العام00 وهو ما يؤدى إلى اعاقة ما نطمح الى القيام به على المستويات المختلفة0 وقد يكون السؤال المطروح00 كيف نواجه هذا الواقع000 بالمضي قدما في مسيرتنا التنموية وبالمزيد من التطوير والانفتاح0 وبالرغم من انشغالى الكبير بهذه الاوضاع الصعبة00 فلن يمنعني ذلك من متابعة الوضع الداخلي بتفاصيله00 لانه يبقى في مقدمة الاولويات بالنسبة لى0 طبعا فى هذه المواضيع الهامة لم أكن أريد التطرق الى الوضع الداخلي ومع كل ذلك بما أننا تحدثنا ببضع جمل00 نحن الآن في صدد التحضير الى المؤتمر القطري المقبل في هذا العام ونتمنى أن يكون هو القفزة الكبيرة في هذا البلد0
ان لسورية00 أيها الاخوة00 دورها ومكانتها فى محيطها العربي والاقليمى الامر الذي يسعد البعض00 ويثير حفيظة البعض الاخر0 وسيبقى لها هذا الدور والمكانة وسيتعززان أكثر فأكثر بمشيئة الله وارادة شعبنا00 وسيبقى هدفنا الأول حمايتها00 والثاني منعتها00 والثالث تطويرها0
تحية لكم جميعا00
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته0
*عن وكالة الانباء السورية