سمحت هدنة هشة لشاحنات اغاثة بدخول مخيم للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان يوم الثلاثاء بعد ثلاثة أيام من القتال العنيف بين قوات الجيش اللبناني ومتشددين اسلاميين.
وقال شهود ان عددا من عمال الاغاثة اضطروا الى الرحيل عندما انفجرت قذائف بالقرب من قافلتهم فقتلت شابين على الاقل كانا يحاولان الحصول على مساعدات. وانسحبت شاحنات الاغاثة التابعة للامم المتحدة تحت وطأة الانفجارات ونيران الاسلحة.
وتوسل سكان للصحفيين ان يخرجوهم من المخيم. واضطر رجل كان يحمل سيدة مصابة الى مكان امن الى تركها بعد أن انهمر الرصاص.
وقتل ما لا يقل عن 22 متشددا و32 جنديا و27 مدنيا منذ تفجر القتال بين الجيش ومقاتلي جماعة فتح الاسلام في وقت مبكر من يوم الاحد الماضي في اسوأ اقتتال داخلي في لبنان منذ الحرب الاهلية التي عصفت بالبلاد بين عامي 1975 و1990. واصيب ايضا 55 جنديا في الاشتباكات.
واندلع قتال عنيف في مخيم نهر البارد الذي يؤوي 40 ألف شخص بالقرب من مدينة طرابلس في شمال لبنان من الفجر حتى بعد الظهر. وتتمركز جماعة فتح الاسلام التي تحذو حذو القاعدة في المخيم منذ العام الماضي.
وهدأت الاشتباكات بعد أن قالت الجماعة انها ستوقف القتال اذا توقف الجيش. واستغلت الامم المتحدة فترة الهدوء لمحاولة ايصال امدادات الطعام والمياه والامدادات الطبية الى داخل المخيم.
وخرج سكان المخيم المصدومون من منازلهم لتفقد الدمار. واحدث القصف فجوات كبيرة في مبان. وجاب مسلحون يحملون البنادق الشوارع المليئة بالركام والحطام. ولم تتوافر بيانات عن حصيلة القتلى والجرحى.
وتساءل محمد طاير أحد سكان المخيم قائلا "ماذا كانوا يفعلون (الجيش) هل كانوا يعتقدون أنهم يحاربون الجيش الاسرائيلي."
ولا تحظى جماعة فتح الاسلام بتأييد محلي يذكر لكن النيران التي فتحها الجيش على المخيم بدأت في اغضاب الفلسطينيين.
وقال جمال ليلى (40 عاما) لرويترز عبر الهاتف "مررنا بحروب كثيرة ولكن لم نشاهد قصفا بهذه الطريقة. احياء دمرت بأكملها. الجثث تأكلها القطط. هذا لا يصدقه عقل. الاطفال بلا حليب.. بلا ماء.. بلا خبز."
واضاف وهو يبكي "من اجل عشرة او عشرين او ثلاثين واحدا يذبح مخيم بأكمله."
وانتظرت قافلة مساعدات تابعة للامم المتحدة ساعات لدخول المخيم على الساحل خارج طرابلس ثاني أكبر مدن لبنان.
وقال مصدر أمني ان أحد أعضاء جماعة فتح الاسلام فجر نفسه في مبنى في مدينة طرابلس. ولم يتسبب الهجوم في أي خسائر بشرية باستثناء منفذه.
وفي بيروت انفجرت مساء الاثنين قنبلة في منطقة تسوق في حي تقطنه اغلبية سنية مما اسفر عن اصابة سبعة على الاقل. وبدا الحادث شبيها بانفجار وقع يوم الاحد في ضاحية مسيحية في العاصمة اسفر عن مقتل سيدة واصابة عشرة.
وأعلنت جماعة فتح الاسلام السنية في بيان ارسل لرويترز عن طريق الفاكس مسؤوليتها عن التفجيرين وهددت بالمزيد. لكن ابو سليم المتحدث باسم الجماعة نفى اي صلة بالتفجيرين.
وتجمعت حشود غاضبة في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين على بعد تسعة كيلومترات من مخيم نهر البارد وطالبت بوقف اطلاق النار على الفور وهتفت ضد الجيش والحكومة.
وفي مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان اقفل مسلحون متشددون الطرق. وقال احد المتشددين "اذا لم يتوقف القتال (في الشمال) ستكون الحرب مع كل الاسلام وليس فقط فتح الاسلام."
وقالت حكومة رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة يوم الاثنين انها تريد اقتلاع جذور فتح الاسلام التي تراها أداة في يد سوريا وهو ما تنفيه دمشق والجماعة نفسها.
وفي رام الله دعت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس الحكومة اللبنانية الى التفريق بين "الجماعة الارهابية" والفلسطينيين في لبنان.
وخرج الاف اللاجئين الفلسطينيين مساء الثلاثاء من مخيم نهر البارد في شمال لبنان مستغلين هدنة هشة في المعارك بين الجيش اللبناني ومقاتلي فتح الاسلام.
وقال مسؤول فلسطيني الحاج رفعت ان "الاف اللاجئين من رجال ونساء واطفال بدأوا عند المساء يفرون من نهر البارد (يقيم فيه نحو 30 الف شخص) سيرا او في سيارات ولجأوا الى مخيم البداوي المجاور".
واضاف الحاج رفعت المنتمي الى حركة فتح برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في اتصال هاتفي مع وكالة فرانس برس "نستضيفهم في مدارس مخيم البداوي (16 الف نسمة) لكنها لن تتسع لهم لانهم يصلون في اعداد كبيرة".
ورفع المدنيون رايات بيضاء من نوافذ سياراتهم وقد تكدس ما يصل الى عشرة أشخاص في بعض السيارات. وشاهد مراسل رويترز شخصين مصابين ممددين وسط بركة من الدماء في الشارع.
وافاد مراسل لوكالة فرانس برس ان مئات الفلسطينيين اتجهوا ايضا نحو طرابلس كبرى مدن الشمال التي شهدت معركة الثلاثاء ايضا بين القوى الامنية اللبنانية واحد مسلحي حركة فتح الاسلام الذي كان تحصن في مبنى في المدينة. ثم فجر نفسه بعد ان احكمت القوى الامنية الطوق عليه.
وبعد الظهر قتل مدنيان فلسطينيان حين استهدفت قافلة انسانية برصاص مجهول المصدر لدى دخولها الى المخيم مع اعلان مجموعة فتح الاسلام هدنة من جانب واحد.
وقالت المتحدثة باسم وكالة الامم المتحدة لغوث اللاجئين (انروا) هدى سمرا ان القافلة تمكنت من توزيع مواد غذائية وادوية مؤكدة ان المنظمة الدولية ستحاول تأمين مزيد من المساعدات الاربعاء. الا ان الموكب اضطر لعودة ادراجه من دون انزال حمولته من المياه.
وقالت هدى سمرا "هؤلاء الناس يعتمدون علينا وهم محرومون من الماء والكهرباء والهاتف وبدأ ينقص لديهم الطعام والادوية".
وكان عدد من المسؤولين الفلسطينيين والهيئات الانسانية حذر من خطورة الوضع الانساني في مخيم نهر البارد المحاصر من الجيش اللبناني الذي يقوم بقصف مواقع فتح الاسلام فيه التي ترد على مواقع الجيش بالمثل.
ونفى الجيش اللبناني ان يكون يستهدف مدنيين او اماكن عبادة في عمليات القصف.
ودخلت المساعدات الانسانية الى المخيم بعد ان اعلن المتحدث باسم فتح الاسلام ابو سليم طه مبادرة حركته الى الالتزام بوقف لاطلاق النار.
وبدا ان الهدنة كانت لا تزال قائمة قبل منتصف الليل. وقال متحدث باسم الجيش ان الهدوء مسيطر في محيط المخيم ولم يحصل اطلاق نار على الجنود.
بينما اكد متحدث باسم فتح الاسلام التزام الجانبين بوقف اطلاق النار.
وتتألف مجموعة فتح الاسلام من لبنانيين وسوريين ومواطنين من جنسيات اخرى. وقد استقرت في مخيم نهر البارد في نهاية 2006. وتتهم الاكثرية النيابية والوزارية المجموعة بانها من صنع الاستخبارات السورية. كما اتهمتها بتنفيذ عمليتي تفجير في عين علق شمال شرق بيروت في شباط/فبراير 2007 تسببا بمقتل ثلاثة اشخاص. وتنفي دمشق علاقتها بفتح الاسلام.
ووقعت عمليتا تفجير الاحد والاثنين في بيروت تسببتا بمقتل شخص واصابة حوالى عشرين آخرين بجروح. ونفت مجموعة فتح الاسلام مسؤوليتها عن الاعتداءين بعد ان كان بيان باسمها تبناهما. وتعتبر الاكثرية النيابية في لبنان المعارضة لسوريا ان كل مسلسل العنف هذا جزء من مخطط واحد لزعزعة الاستقرار في لبنان وتعطيل انشاء المحكمة دولية في اغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري.
واتهم النائب وليد جنبلاط احد ابرز قيادات الاكثرية سوريا بالوقوف وراء فتح الاسلام. وقال ان "مخيم نهر البارد اسير فتح الاسلام وهي عصابة ارهابية صدرت الينا من سوريا".
واشار جنبلاط الى ان الرئيس السوري بشار الاسد اكد للامين العام للامم المتحدة بان كي مون ان اقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع الملزم من ميثاق المنظمة الدولية سيؤدي الى "اضطراب من بحر قزوين الى البحر المتوسط" في اشارة الى كلام نقل في وسائل الاعلام عن الرئيس السوري.
واضاف "ها هو الاضطراب قد بدأ في المتوسط عند نهر البارد".
واعلن المندوب الاميركي لدى الامم المتحدة زلماي خليل زاد الثلاثاء ان العنف في لبنان "لن يحبط عزيمة مجلس الامن في المضي قدما لا بل انه سيعزز تصميمنا على احراز تقدم في الايام المقبلة" في انشاء المحكمة.
واعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية شون ماكورماك في واشنطن ان بلاده تدرس تقديم مساعدة عسكرية عاجلة الى الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة في مواجهة تصاعد العنف في البلاد.
وفي باريس اكد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في اتصال هاتفي مع السنيورة "دعمه وتضامنه" مع الحكومة اللبنانية في عملها في شمال لبنان.
وقال المتحدث باسم قصر الاليزيه دافيد مارتينون ان الرئيس الفرنسي "ذكر بتصميمه على مواصلة العمل المشترك في الامم المتحدة من اجل انشاء المحكمة ذات الطابع الدولي".
وقال الرئيس الفرنسي ان "احداث طرابلس والاعتداءات في بيروت يجب ان تدفعنا الى التقدم بسرعة اكبر وتسريع الجهود الجارية".
في نيويورك دعا الامين العام للامم المتحدة بان كي مون الى وقف "الهجمات الاجرامية" على الجيش اللبناني في شمال لبنان معربا عن اسفه للهجوم الذي استهدف قافلة مساعدات للامم المتحدة في مخيم نهر البارد.
وكان بان كي مون اجرى اتصالا هاتفيا مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم تمحور حول "تطورات الاحداث الجارية في مخيم نهر البارد للاجئين شمال لبنان" حسبما اوردت وكالة الانباء السورية "سانا".
واعتبر الممثل الاعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا في بيروت الثلاثاء ان الجيش اللبناني "يستطيع السيطرة على الوضع" في شمال لبنان معربا عن امله بان "يعود الهدوء الى لبنان".
ودعت الجامعة العربية من جهتها الدول الاعضاء فيها التي قدمت مساعدات وتجهيزات عسكرية الى الجيش والقوى الامنية في لبنان الى مواصلة هذا الدعم ودانت "الاعمال الاجرامية" التي ارتكبتها مجموعة فتح الاسلام التي وصفتها ب"الارهابية".